« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الفقه

47/12/03

بسم الله الرحمن الرحيم

3 ذو الحجة 1447
20 أيار 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مئة وثمانون): حكم ترميم أو إعادة بناء مبنى الذمي

 

لو انهدم بناء الذمي من أصله أو انهدم، خصوص ما علا من بناء الذمي على بناء المسلم، لم يجز أن يعلو به على المسلم إجماعًا كما في المنتهى والتذكرة[1] . بل يقتصر الذمي على المساواة بين مبناه ومبنى المسلم على القول بجواز المساواة. وإن لم نلتزم بجواز المساواة فإن الذمي يرمم مبناه أو يعيده بما دون بناء المسلم. أما لو انشعب شيء من بناء الذمي ولم ينهدم جاز له رمّه وإصلاحه لأنه استدامة واستبقاء للبناء الذي اشتراه وهو عالٍ، وليس تجديدًا للبناء الذي اشتراه.

وهنا نكتة مهمة: هل لا يجوز البناء العالي أو التعالي؟ فهل المراد أن يكون بناء الذمي لا يعلو على بناء المسلم، أو المراد أن بناء الذمي لا يكون أرفع من بناء المسلم؟ فقد يكون بناء المسلم أرفع كما لو بنى عشرة طابق لكن في سهل الجبل لكن الذمي بنى طابقًا واحدًا على أعلى الجبل، فبلحاظ البناء يكون بناء المسلم أرفع من بناء الذمي، لكن بلحاظ الأرض يكون بناء الذمي الذي على الجبل أرفع من بناء المسلم الذي هو في سفح الجبل. فهل المراد علو بناء الذمي على المسلم أو المراد تعالي الذمي على المسلم؟ هذان وجهان تختلف النتيجة باختلافهما.

فلو اشترى المسلم دارًا من ذمي إلى جانب الذمي الآخر وكانت دار المسلم التي اشتراها من الذمي أقصر من دار جاره الجديد الذمي، فإن النتيجة بناءً على أن المراد هو عدم التعالي، هي عدم المنع نظرًا لعدم كونه علوًا من الذمي على المسلم، فالذمي وإن كان بناؤه أعلى من المسلم لكن الذمي لم يتعالَ على المسلم. واضح إن شاء الله؟ بخلاف ما لو قلنا إن المدار على علو البناء فإنه حينئذ يُمنع الذمي من بنائه العالي لأنه علو في نفسه وإن لم يكن بعمل الذمي.

وقد يُدَّعى أن مسألة عدم جواز ارتفاع بناء الذمي على المسلم، أن هذا الحكم من أحكام الدين فهو حكم شرعي وليس من الحقوق الشرعية القابلة للإسقاط. مثل الآن: الغيبة، حرمة الغيبة حكم شرعي، حتى لو قال الشخص للمغتاب: اغتبني، أجزت لك غيبتي، فإن حرمة الغيبة لا تسقط لأن حرمة الغيبة ليست من الحقوق القابلة للإسقاط بل هي حكم شرعي. كذلك عدم جواز علو وارتفاع مبنى الذمي على مبنى المسلم، هذا من أحكام الدين لا ينفع فيه رضا الجار المسلم بعلو بناء الذمي عليه. هذا ليس من الحقوق الخاصة بالمسلم بل من أحكام الدين.

ومما ذكرنا يتضح المنع عن أن يستجد الذمي دارًا على نشر من الأرض تكون به أرفع من دار المسلم التي هي أرض منخفضة، مثلًا الذمي يبني على جبل وبيت المسلم في الوادي، حتى لو لم يعلو الذمي ببنائه على بناء المسلم، خلافًا للشهيد الأول في الدروس فجوّزه، واحتمله في المسالك[2] .

نعم، لا يبعد جواز الإفراط للذمي في الارتفاع في صورة العكس، يعني كما لو كان المسلم في أعلى الجبل وطابق واحد والذمي في الوادي ويبني عشرة طابق، هنا أفرط في الارتفاع لكنه لم يعلو على المسلم.

إذًا المدار على العلو لا على علو البناء. فلو أفرط الذمي في الارتفاع ليقارب دار المسلم جاز، كما صرح به في الدروس ونفى عنه البُعد في المسالك، وهكذا قال صاحب الجواهر[3] : «نعم، لا يبعد جواز الإفراط للذمي في الارتفاع في صورة العكس ليقارب دار المسلم».

قال الشهيد الثاني في المسالك ما نصه: «وهل يُعتبر في العلو وعدمه نفس البناء أو مجرد الهواء؟ نظَرٌ، وتظهر الفائدة فيما لو كان بيت الذمي على أرض مرتفعة ودار المسلم في أرض منخفضة، فعلى الأول يجوز للذمي أن يرتفع عنه بحيث لا يبلغ طول حائط المسلم، وعلى الثاني يُعتبر ارتفاع الأرض عن المسلم من جملة البناء. وقطع في الدروس بالأول وجوّز مع انعكاس الحكم أن يرتفع الذمي إلى أن يقارب دار المسلم وإن أدى إلى الإفراط في الارتفاع، وليس ببعيد»[4] .

وتأمل صاحب الجواهر فيما أفاده الشهيد الثاني في المسالك قائلًا: «ولا يخفى عليك بعد الإحاطة بما ذكرناه محل النظر، بل منه ينقدح النظر فيما ذكره في الدروس وغيرها من عدم منع الذمي عن الارتفاع لو فُرض دار المسلم نحو السرداب لعدم صدق البناء»[5] .

وناقشه صاحب الجواهر[6] قائلًا: «وفيه إن المدار على علو الذمي على المسلم، وليس في شيء من النص البناء كي يكون المدار عليه».

إلى هنا تطرقنا إلى الأقوال في المسألة وإلى أدلة المسألة، واتضحَ أن صاحب الجواهر رحمه الله يرى عدم جواز العلو في الفضاء لا خصوص البناء.

أقول: اتضح مما سبق أن حرمة ارتفاع مبنى الذمي على المسلم هو رأي المشهور، بل قد يُدَّعى الإجماع عليه. لكن لو رجعنا إلى الأدلة كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[7] ، وكقوله صلى الله عليه وآله: «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه»، لوجدنا أن هذه الأدلة أولًا لم تذكر البناء، ثانيًا لم تذكر الارتفاع، وإنما نصت على عزة المؤمنين. كما أن الأدلة الأخرى دلت على ذلة الكافرين والكتابيين كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[8] .

فالمدار كل المدار على عزة الإسلام والمسلمين وذلة الكفار والكتابيين. فليس المدار على مجرد علو البناء وليس المدار على الارتفاع في الفضاء، المدار على ما يوجب العزة وما يوجب الذلة، فلو بنى الذمي قصرًا شامخًا بعيد الأطراف في الوادي وسفح الجبل وبنى المسلم كوخً في أعلى الجبل، فارتفاع كوخ المسلم لا يوجب عزة له بل قد يكون ذلة له أمام قصر الذمي. واضح أو لا؟

إذًا بحسب مقتضى الأدلة لا موضوعية للبناء ولا موضوعية للارتفاع، لكن بما أن المشهور قد ذهبوا إلى عدم جواز ارتفاع مبنى الذمي على المسلم، بل قد ادُّعي الإجماع في ذلك، فإننا نحتاط في عدم جواز علو مبنى الذمي على المسلم، فلعل المشهور أو من أجمع قد عثر على دليل لم يصل إلينا، والاحتياط سبيل النجاة.

إذًا بمقتضى الصناعة العلمية والفقهية لا دليل على حرمة الارتفاع، بل الدليل يدل على عزة المسلم وذلة الكافر.

لكن مقتضى الاحتياط، فإن الاحتياط هنا يقتضي العمل، هو ماذا؟ عدم جواز رفع الذمي لمبناه أو كونه في مكان مرتفع على مبنى المسلم، وإن كان مبنى المسلم أرفع. فيصير مقتضى الاحتياط عدم علو الذمي إما بالفضاء وإما بالمبنى، أي مظهر يكون فيه عزة له هذا خلاف الاحتياط.

وبالتالي وفاقًا للمشهور المنصور لا يجوز للذمي أن يرفع بناءه أو يكون في مكان مرتفع على المسلم.

وقد جاء في عبارة متن الشرائع، بل صريح كلامه كغيره مثل ابن أخته العلامة الحلي في القواعد[9] والدروس[10] ، جاء اعتبار الجار في الحكم المزبور، يعني لا يرتفع على جاره وليس على كل المنطقة، فلا يُمنع حينئذ من العلو على غيره من المسلمين أهل البلد. إذ المدار على أهل محلته بل مجاوريه، في .. أربعين جارًا من اليمين واليسار والأمام والخلف.

ولكن قد يُقال بالمنع إذا فُرض استئناف بناء للذمي مرتفع على أهل البلد أجمع، يعني بنى بناءً جديدًا، هو برج بنى برجًا، هذا البرج أرفع مبنى في بلد الإسلام، هذا واضح المنع، بل لعله أولى بالمنع المستفاد من نحو قوله عليه السلام: «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه»[11] .

هذا، عدم جواز ارتفاع مبنى الذمي على مبنى المسلم، هل هو من أحكام عقد الذمة؟ الجواب: كلا وألف كلا، هذا من أحكام الإسلام بقطع النظر عن عقد الذمة. فظاهر المحقق الحلي في الشرائع والعلامة الحلي في تذكرة الفقهاء[12] والشهيد الثاني في المسالك[13] ، بل ظاهر مقعد إجماع الطائفة كما يظهر من كلام المحقق الكركي في فوائد الشرائع[14] ، أن هذا الحكم من أحكام الذمي والمسلم لا أنه من أحكام عقد الذمة، كي يكون المدار على اشتراط عدم علو مبنى الذمي على المسلم في عقد الذمة وأنه هل اشتُرط أو لم يُشترط، كما عساه يظهر من المحقق الكركي[15] .

قد يظهر من كلامه أن هذا، عدم جواز ارتفاع مبنى الذمي على مبنى المسلم هذا من آثار عقد الذمة. لكن لو راجعنا معقد الإجماع الذي نقله العلامة في التذكرة والشهيد الثاني في المسالك يظهر أن هذا الحكم، عدم جواز ارتفاع مبنى الذمي على المسلم، من أحكام الإسلام وأحكام الذمي والمسلم بقطع النظر عن عقد الذمة، والله العالم.

هذا تمام الكلام في حكم بناء الذمي في الدولة الإسلامية.

يبقى الكلام: هل يجوز للذمي أن يدخل مساجد المسلمين أو لا؟ وإذا جاز هل يجوز دخول خصوص المسجد الحرام أو لا؟ وهل يجب إخراجهم من الجزيرة العربية أو لا؟ هذه مباحث مهمة وعملية يأتي عليها الكلام.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


[1] منتهى المطلب للعلامة الحلي، ج2، ص973؛ تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي، ج9، ص346.
[2] الدروس الشرعية، ج2، ص34، درس 129؛ مسالك الأفهام، ج3، ص79.
[3] جواهر الكلام، ج22، ص494.
[4] مسالك الأفهام، حكم الأبنية، ج3، ص79.
[5] معالم الدين، ج1، ص310؛ مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام، ج3، ص79؛ كشف الغطاء لكاشف الغطاء للشيخ جعفر، ج4، ص362.
[6] جواهر الكلام، ج22، ص495.
[9] قواعد الأحكام، ج1، ص514.
[10] الدروس الشرعية، ج2، ص34، درس 129.
[11] حديث نبوي شريف.
[12] تذكرة الفقهاء، ج9، ص344.
[13] مسالك الأفهام، ج3، ص79.
[14] فوائد الشرائع، ج11 من سلسلة آثار المحقق الكركي، ص95.
[15] فوائد الشرائع، ج11، ص95.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo