« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الفقه

47/12/02

بسم الله الرحمن الرحيم

2 ذو الحجة 1447
19 أيار 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مئة وتسعة وسبعون): حكم ترميم وإعادة بناء معابد أهل الكتاب

 

اتضح من البحث السابق في الصور الأربع أن كل موضعٍ لا يجوز لأهل الكتاب إحداث المعابد فيه فإنه ينقض عهد الذمة لو أحدثوها فيه، وكل موضعٍ جاز إقرارهم على ما فيه من المعابد كما لو كان الصلح على أن تكون الأرض لهم فحينئذٍ لا خلاف في جواز ترميم المعابد لو انشعب شيء منها، بل في المنتهى الاتفاق على جوازه[1] .

إذًا في بعض الصور لا يجوز إحداث المعابد كما لو كانت الدار دار الإسلام أو تم الصلح على أن تكون الأرض للمسلمين، فحينئذٍ لا يجوز إحداث المعابد والكنائس فيها، فلو أحدثوها وجب هدمها، ولو تضررت وأرادوا ترميمها لم يجز لهم ترميمها. وأما الصور التي يجوز فيها إحداث المعابد كما لو صولحوا على أن تكون الأرض لهم وأحدثوها واحتاجت إلى ترميم جاز ترميمها حينئذٍ، والله العالم.

هذا تمام الكلام في حكم ترميم الكنائس والبيع ومعابد أهل الكتاب، لكن إذا انهدمت المعابد والبيع والكنائس فهل يجوز بناؤها؟ وكذا لو هدموها فهل يجوز لهم إعادة بنائها؟ فالمحكي عن الشيخ الطوسي رحمه الله التردد في ذلك[2] ، إذ يوجد وجهان: وجه لجواز البناء والإعادة، ووجه لعدم جواز الإعادة. أما وجه جواز إعادة بناء المعابد المهدومة فهو عدم صدق كون الإعادة إحداثًا للبناء بل هو استدامة، كما عن الشافعي وأبي حنيفة[3] . وأما وجه حرمة إعادة بنائها فهو التمسك بالحديث النبوي «لا تُبنى الكنيسة في الإسلام»[4] ، كما أن إعادة البناء كالإحداث كما عن بعض العامة[5] .

ومقتضى التحقيق تقديم الوجه الثاني والقول الثاني، إذ أن مقتضى القاعدة هو إقرار أهل الذمة على المعابد التي كانت موجودة، وعدم اقتضاء هذا الإقرار تجديد وجواز تجديد ما كان منها فيبقى تجديدها وإعادة بنائها على قاعدة حرمة التصرف في أرض المسلمين.

نعم لو كانت الأرض لأهل الذمة بمقتضى عقد الذمة اتجه حينئذٍ جواز إعادة بنائها، فالصحيح أنه إذا انهدمت كنيسة أو بيعة أو معبد لأهل الكتاب لم يجز لهم إعادتها إذا كانت في أرض المسلمين، وإذا كانت في أرضهم جاز ذلك، والله العالم.

هذا تمام الكلام في حكم إحداث وترميم وإعادة بناء معابد أهل الذمة، ويقع الكلام في مساكن أهل الذمة، فهل يجوز أن تكون أرفع من مساكن المسلمين أو مساوية للمسلمين أم لا بد أن تكون أنزل من المسلمين؟ وهذا ما سنبحثه.

أما مساكن أهل الكتاب وهي كل ما يستجده الذمي فلا يجوز أن يعلو به على المسلمين من مجاوريه، وليس المراد مطلق مساكن المسلمين خصوص الجيران لا غيرهم، كما صرح به غير واحد كالشيخ الطوسي في المبسوط[6] والعلامة في التحرير[7] وابن القطان في معالم الدين[8] والشيخ جعفر كاشف الغطاء في كشف الغطاء[9] . قال صاحب الجواهر[10] : «بل لا أجد فيه خلافًا في الظاهر كما اعترف به في الرياض، بل في المسالك المنع من العلو موضع وفاق بين المسلمين»[11] . وقال العلامة الحلي في المنتهى: «دور أهل الذمة على أقسام ثلاثة: أحدها دار محدثة، والثاني دار مبتاعة، والثالث دار مجددة. فالمحدثة هي أن يشتري عرصة يستأنف فيها بيتًا – وفي نسخة التذكرة: بناءً – فليس له أن يعلو على بناء المسلمين إجماعًا، وأما المجددة فكالمحدثة سواء»[12] .

ويُستفاد من هذا الكلام أن الدليل على حرمة علو مساكن أهل الذمة على جيرانهم المسلمين هو الإجماع إن تم، كما يمكن استفادة حرمة العلو من قوله صلى الله عليه وآله: «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه»، ومن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[13] ، وغير ذلك مما يدل على رجحان رفعة المؤمن ووضاعة الكافر في جميع الأحوال.

وبالتالي إن كان الدليل هو ما ذُكر من الإجماع والآية والرواية يظهر أنه يحرم التساوي أيضًا، فلا يجوز أن يساوي الذمي بنيانه ببنيان المسلم، وهذا مخالف لما ذكره المحقق الحلي رحمه الله من جواز مساواة بناء الذمي لبناء المسلم على الأشبه، وفي المبسوط نَسب هذا القول إلى القيل[14] ، وربما حُكي عن بعض منا بجواز المساواة كما في مختلف الشيعة للعلامة الحلي[15] ، واختار ابن القطان جواز التساوي في معالم الدين[16] ، بل إن التساوي هو مقتضى الأصل، فالأصل هو جواز تصرف الذمي في ملكه، فالأصل الإباحة والأصل أصيل ما لم يرد دليل، فما لم يرد دليل على حرمة التساوي فإننا نتمسك بالأصل العملي أصالة الإباحة والجواز.

لكن الشيخ الطوسي وابن إدريس الحلي والعلامة والشهيد الأول والشهيد الثاني وغيرهم ذهبوا إلى منع التساوي، بل هو المشهور، فقد ذهب المشهور إلى حرمة العلو والتساوي معًا، بل هناك دعوى الإجماع والتمسك بالآية والرواية، فهذه الأدلة تخصص أصل الجواز، فيجوز للذمي أن يتصرف في ملكه ما لم يصل إلى مستوى التساوي أو العلو[17] .

هذا تمام الكلام في عرض الأقوال في المسألة أولًا وعرض الأدلة ثانيًا.

أقول: لا يظهر من الأدلة ما يدل على حرمة رفع البناء أو مساواته بعنوانه، نعم يظهر من الآية ومن الرواية علو الإسلام وعزة المسلمين، وبالتالي إن كان في علو بنائهم أو مساواتهم كسرًا لشوكة الإسلام وإضعافًا لعزة المسلمين فهو حرام، وإن لم يشكل ذلك وهنًا أو ضعفًا أو عزةً للكافرين فلا بأس به، والله العالم.

إذًا الحرمة تثبت لعنوان إضعاف المسلمين وكسر شوكتهم وإذلالهم، وكذلك تثبت الحرمة لإعزاز الكتابي على المسلم، لا أن الحرمة تثبت لعنوان علو البناء بحيث يكون موضوع الحرمة هو علو أو مساواة بناء الذمي لجاره.

ولقد أجاد وأفاد سيد أساتذتنا السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله إذ قال في منهاج الصالحين[18] : «المشهور أنه لا يجوز للذمي أن يعلو بما استجده من المساكن على المسلمين، وعن المسالك إنه موضع وفاق بين المسلمين، ولكن دليله غير ظاهر، فإن تم الإجماع فهو وإلا فالأمر راجع إلى ولي الأمر. نعم إذا كان في ذلك مذلة للمسلمين وعزة للذمي لم يجز».

وقال في المسألة التي قبلها حول إحداث الكنائس – مسألة خمسة وثمانين –: «لا يجوز لأهل الذمة إحداث الكنائس والبيع والصوامع وبيوت النيران في بلاد الإسلام، وإذا أحدثوها خرجوا عن الذمة فلا أمان لهم بعد ذلك، هذا إذا اشتُرط عدم إحداثها في ضمن العقد، وأما إذا لم يُشترط لم يخرجوا منها ولكن لولي الأمر هدمها إذا رأى فيه مصلحة ملزمة. وأما إذا كانت هذه الأمور موجودة قبل الفتح فحينئذٍ إن كان إبقاؤها منافيًا لمظاهر الإسلام وشوكته فعلى ولي الأمر هدمها وإزالتها وإلا فلا مانع من إقرارهم عليها، كما أن عليهم هدمها إذا اشتُرط في ضمن العقد». انتهى كلامه زيد في علو مقامه رحمه الله.

واتضح أن عنوان حرمة علو البناء أو مساواته هذا إن كان معقد الإجماع ووصل الإجماع إلى درجة التسالم وأنه من مسلمات الدين والمذهب فحينئذٍ نلتزم بحرمة علو البناء أو مساواته للمسلم، وأما إذا لم يثبت الإجماع ولم يصل إلى درجة التسالم فلا يوجد عندنا في الأدلة من آيات أو روايات ما يدل على حرمة خصوص عنوان علو بناء الذمي على المسلم، بل العنوان الظاهر الواضح هو عزة المسلم وحرمة إذلاله.

نعم يُقر الذمي على ما اشتراه من مسلم على علوه كيف كان، كما صرح به العلامة في المنتهى وغيره[19] ، وقد علل هؤلاء (عللوا الجواز) بأن الذمي ملك المبنى كذلك وهو عالٍ ومرتفع فلا يندرج في المنع عن العلو على المسلم، ولذلك لا يجوز هدمها.

لكن هذا الكلام ليس بتام على مبناهم، إذ أن الخبر المزبور «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه» ينطبق هنا، فهنا صار العلو لمن؟ للذمي الذي اشترى المبنى العالي. لكن على مبنانا لا يرد إشكال ما دام المبنى العالي الذي اشتراه الذمي لا يشكل عزة للذمي وذلة ذلة للمسلم فلا بأس به، ومن قال إن دائمًا البناء العالي يوجب العزة والبناء الداني يوجب الذلة؟ يمكن بناء عالٍ وقديم وتعبان، وبناء دانٍ ما شاء الله قصر.

هذا تمام الكلام في جواز أو حرمة علو أو مساواة مبنى الذمي للمسلم. يبقى الكلام فيما لو انهدم فهل يجوز ترميمه بنحو عالٍ أو لا؟ هذا ما يأتي عليه الكلام.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين[20] .

 


[1] منتهى المطلب للعلامة الحلي، ج٢، ص973.
[2] المبسوط للشيخ الطوسي، ج١، ص٥٩٣.
[3] المجموع، ج١٩، ص٤١٢؛ بدائع الصنائع، ج٧، ص١١٤؛ العزيز شرح الوجيز، ج١١، ص٥٣٩؛ المغني لابن قدامة، ج١٠، ص٦١١؛ الهداية للمرغيناني، ج٢، ص١٦٢؛ الشرح الكبير، ج١٠، ص٦٢٠؛ الحاوي الكبير، ج١٤، ص٣٢٣؛ حلية العلماء، ج٧، ص٧٠٦.
[4] الكامل لابن عدي، ج٣، ص١١٩٩؛ مغني المحتاج، ج٤، ص٢٥٣؛ المغني لابن قدامة، ج١٠، ص٦١٢؛ الشرح الكبير، ج١٠، ص٦٢٠؛ نصب الراية، ج٤، ص٣٤٠.
[5] روضة الطالبين، ج٧، ص٥١٠؛ العزيز شرح الوجيز، ج١١، ص٥٣٨.
[6] المبسوط، ج١، ص٥٩٤.
[7] تحرير الأحكام، ج٢، ص٢١٥.
[8] معالم الدين، ج١، ص٣١٠.
[9] كشف الغطاء، ج٤، ص٣٦٢.
[10] جواهر الكلام، ج٢٢، ص٤٩١.
[11] رياض المسائل، ج٨، ص٥٣؛ مسالك الأفهام، ج٣، ص٧٩.
[12] منتهى المطلب، ج٢، ص٩٧٣؛ تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي، ج٩، ص٣٤٤.
[14] المبسوط، ج١، ص٥٩٤.
[15] مختلف الشيعة، ج٤، ص٤٤٤.
[16] معالم الدين، ج١، ص٣١٠.
[17] المبسوط، ج١، ص٥٩٤؛ السرائر لابن إدريس، ج١، ص٤٧٦؛ تذكرة الفقهاء، ج٩، ص٣٤٥؛ تحرير الأحكام، ج٢، ص٢١٥؛ منتهى المطلب، ج٢، ص٩٧٣؛ مختلف الشيعة، ج٤، ص٤٤٤؛ الدروس الشرعية للشهيد الأول، ج٢، ص٣٤ (درس ١٢٩)؛ مسالك الأفهام، ج٣، ص٧٩؛ غاية المرام للبحراني، ج١، ص٥٣٤.
[18] منهاج الصالحين للسيد الخوئي، ج١، العبادات، .ص٤٠٠، مسألة ٨٦
[19] منتهى المطلب، ج٢، ص٩٧٣؛ المبسوط، الشيخ الطوسي، ج١، ص٥٩٤؛ إرشاد الأذهان، ج١، ص٣٥١؛ معالم الدين، ابن القطان، ج١، ص٣١٠.
[20] . دائماً أفصلها وخليها لوحدها في الأخير.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo