47/12/01
1 ذو الحجة 1447
18 أيار 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مئة وثمانية وسبعون): حرمة استحداث البِيَع والكنائس في دار الإسلام
الكلام في حكم الأبنية من كنائس وبِيَع ودُور نار، فهل يجوز لأهل الكتاب أن يُحدثوها أو يُرمِّموها أو لا؟ توجد أربع صور ويختلف الحكم باختلافها، والصور الأربع كما يلي:
الصورة الأولى: أن يكون بنحو الإحداث في بلاد المسلمين لا بنحو الترميم أو الإعادة، وفي هذه الصورة لا يجوز إحداث المعابد لأهل الكتاب كالبِيَع والكنائس والصوامع وبيوت النيران وغيرها، فلا يجوز إحداثها في دار الإسلام وبلاد الإسلام إذا اشتُرط عليهم في عقد الذمة عدم الإحداث نظرًا لبطلان عبادتهم فهي بيوت ضلال، بل لا يجوز لهم إحداث الكنائس ودُور العبادة في دار الإسلام سواء اشتُرط عليهم ذلك في عقد الذمة أو لم يُشترط، لأنه إعانة على الإثم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[1] ، وبالتالي لو أحدث أهل الكتاب بيوت عبادة لهم وجب إزالتها على الوالي مهما كان بلد الإسلام، فدار الإسلام مطلقًا لا يجوز لهم إحداث بيوت العبادة فيها، فدار الإسلام سواء كانت دارًا مفتوحة عنوةً أو مفتوحة صلحًا على أن تكون الأرض للمسلمين، أو سواء كان هذا البلد مما استحدثه المسلمون كالبصرة وبغداد التي أسَّسها المنصور الدوانيقي وسامرَّاء التي أسَّسها المعتصم العباسي وجملة من بلاد الجزائر وغيرها من الدول والأمصار التي مصَّرها المسلمون، إذًا لا يجوز إحداث دُور العبادة في بلاد المسلمين مطلقًا.
والعلامة الحلي في المنتهى نفى الخلاف عن ذلك في البلد الذي استأنفه وأحدثه المسلمون[2] ، بل ورد في التذكرة والتحرير وغيرهما كالدروس للشهيد الأول الإجماع على ذلك[3] ، بل ذكر ابن إدريس الحلي النص التالي: «لا يجوز للإمام أن يُقرَّهم على إنشاء البيعة أو الكنيسة أو صومعة الراهب أو مجتمع صلاتهم، وأنهم إن صالحهم على ذلك بطل الصلح بلا خلاف»[4] . فهذا الإجماع إن تم يكون هو الحجة بعد ما ورد في الدعائم عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله «نهى عن إحداث الكنائس في دار الإسلام»[5] ، وعن ابن عباس الذي من عادته أن يروي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله: «أيُّما مِصرٍ مصره العرب فليس لأحد من أهل الذمة أن يبني فيه بيعة، وما كان قبل ذلك فحقٌّ على المسلمين أن يُقرَّ لهم»[6] . وفي نص آخر: «أيُّما مِصرٍ مصَّرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بِيَعًا ولا يضربوا فيه ناقوسًا ولا يشربوا فيه خمرًا ولا يتَّخذوا فيه خنزيرًا»[7] ، إلى غير ذلك مما يدل على هذا الحكم الواضح ولو بضميمة الإجماع المذكور.
نعم، في المنتهى والمسالك والتذكرة من غير نقل خلاف: «أن ما وُجد من كنائس وبِيَع في هذه البلاد مثل كنيسة الروم في بغداد فإنها كانت في قرى لأهل الذمة أُقرَّت على حالها»[8] . وهكذا بالنسبة إلى البلد الذي صار دار الإسلام بالفتح، ففي مسالك الأفهام الثاني نفي الخلاف عن عدم جواز الإحداث فيه[9] ، وهذا الكلام نفي الخلاف هو الحجة إن أُريد به الإجماع، وإذا ادُّعي أن الخبر عن ابن عباس وغيره منجبر لأنه خبر نبوي منجبر بعمل الأصحاب.
هذا تمام الكلام في الصورة الأولى وهي صورة الإحداث والتأسيس لدُور العبادة في دار الإسلام، وتطرقنا إلى حكمين: الحكم الأول عدم جواز الإحداث والتأسيس، وإذا أحدثوا وجب هدمه. الحكم الثاني: هذا الإحداث لا ينقض عقد الذمة إلا إذا ذُكر كشرط في عقد الذمة.
الصورة الثانية: إذا كانت دُور العبادة موجودة قبل الفتح ولم يهدمها المسلمون، فالمشهور هو جواز إبقائها، وفي مقابل ذلك قول نادر بعدم جواز إبقائها.
تفصيل المسألة: لو فتح المسلمون بلادًا فيها أهل كتاب وكانت عندهم بِيَع وكنائس وصوامع ودُور عبادة ولم يهدمها المسلمون عند الفتح وبقيت، فالمشهور بين الفقهاء كما في المسالك جواز إقرارهم عليها، وهو المحكي عن أحد قولي الشافعي[10] ، ومدرك قول الشافعي الرواية التي نقلناها عن ابن عباس. بل استدل العلامة الحلي في المنتهى على هذا المطلب برواية أخرى عن ابن عباس وهذا نصها: «أيُّما مِصرٍ مصَّرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما في عهدهم»[11] ، لكن فيه ورد في ذيله «ما في عهدهم»، وهذا يشير إلى أن الرواية تتكلم عن فرض خاص وهو أنه عُهد لهم في عقد الذمة بإبقاء دُور عبادتهم، وهذا خارج الفرض الذي نحن فيه.
وقد يُستدل على ذلك أيضًا بأن الصحابة فتحوا كثيرًا من البلاد عنوةً ولم يهدموا شيئًا من الكنائس، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: «أن لا تهدموا بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار»[12] . وقد يُستدل أيضًا بحصول الإجماع، فإن هذه الدور لأهل الكتاب موجودة في بلاد الإسلام من غير نكير.
هذا تمام الكلام في القول الأول المشهور وهو إقرارهم على معابدهم.
القول الثاني: ما ذكره الشيخ الطوسي من عدم جواز إقرارهم عليه، ولعله للإعانة على الإثم[13] .
لكن قد يُناقش في أدلة القول الأول، فإن المروي عن ابن عباس نبوي لا حجية له، وبالتالي لا تصلح الشهرة أن تكون جابرة له، كما أن خبر ابن عباس الثاني ورد فيه «فإن للعجم ما في عهدهم»، فهو يتكلم عن فرض خاص وهو فرض الاشتراط في متن العقد، ونحن نتكلم عن صورة عدم الاشتراط. كما أنه لا حجة لفعل عمر بن عبد العزيز ولا حجية لفعل الصحابة إلا إذا كان فيهم مَن يُتأسَّى به ومعصوم من الخطأ ويكون مبسوط اليد، فحينئذ يكون فعله حجة، أما إذا ما كان مبسوط اليد وكان يمارس التقية فهذا أيضًا لا يدل على الجواز. كما أن الإجماع الذي ذُكر أقصى ما فيه الإقرار على ما نجده الآن مما في أيديهم من غير نكير، يعني هذا مسلَّم أنه كان قبل الفتح موجودًا، وهذا لعله كان في ذمتهم وفي عهدهم، لعله كان قد كُتب في متن العقد عقد الذمة إقرارهم على ذلك، أو لعله كان من فعل سلطان الجور الذي أُمرنا بإمضائه على حاله حتى يظهر الحال. ولعله لذلك قد يتردد البعض كما هو ظاهر العلامة الحلي في التذكرة، فقد ذكر القولين الإمضاء وعدم الإمضاء وحكى الرأيين ساكتًا عنهما من دون أن يُعلِّق[14] .
والخلاصة: إن ذُكر ذلك في عهدهم فهذا لا إشكال في إقرارهم عليه، وإن لم يُذكر في عهدهم فقد ذكر المشهور إقرارهم على ذلك.
إلى هنا ذكرنا صورتين: الصورة الأولى إحداث المعابد معابد أهل الكتاب في بلاد المسلمين، وهذا لا يجوز ويجب هدمه. الصورة الثانية: معابد أهل الكتاب التي كانت قبل الفتح في دار المسلمين، وهذا يُقرُّون عليه إن كانت موجودة قبل الفتح.
الصورة الثالثة: ما أحدثه أهل الكتاب في أرض المسلمين التي فُتحت صلحًا على أن تكون الأرض لأهل الكتاب ويؤدون الخراج، فإنه لا شك ولا ريب في جواز إقرارهم على بِيَعهم وكنائسهم وبيوت نيرانهم ومجتمع عباداتهم وإحداث ما شاؤوا منها، لأن الأرض لهم، فيجوز لهم في أرضهم إظهار الخمور والخنازير وضرب الناقوس وغير ذلك مما يجوز للمالك فعله في ملكه، لكن مع عدم الشرط في متن الصلح على عدم ذلك أو بعضه، أما إذا اشتُرط عليهم أن تكون الأرض لهم لكن بشرط عدم إحداث البِيَع والكنائس أو إظهار شرب الخمر أو ذبح الخنازير فحينئذ لا يجوز لهم.
إذًا الصورة الثالثة: الأرض التي صُولح عليها أهل الكتاب على أن تكون لهم، فحينئذ لا شك في جواز إحداث المعابد لهم في أرضهم، كما صرَّح به غير واحد كابن إدريس في السرائر[15] والعلامة في المنتهى[16] وابن القطان في معالم الدين[17] . قال صاحب الجواهر في الجزء الثاني والعشرين من جواهر الكلام: «بل لا أجد فيه خلافًا ولا إشكالًا»[18] .
الصورة الرابعة والأخيرة: أرض الصلح التي تُصولح على أن تكون للمسلمين، وحكمها حكم الصورة الأولى، فلا يجوز لأهل الكتاب إحداث شيء فيها من المعابد بعد أن صارت الأرض للمسلمين؛ لعموم الناهي، وإقرارهم على ذلك إعانة على الإثم. نعم، إن شُرط في عقد الصلح أن تكون السكنى لهم والإحداث للبِيَع والكنائس وغير ذلك، أو إقرارهم على الكنائس التي كانت موجودة فيها، فالمؤمنون عند شروطهم، ولا إشكال في جواز هذا الشرط إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، كما يجوز للإمام عليه السلام جعل الأرض كلها لأهل الكتاب فضلًا عن بعضها. وما تقدم عن ابن إدريس في السرائر من بطلان الصلح نافيًا للخلاف فيه لا يجري هنا، إذ أن هذا المورد مختلف وهو مورد أن تكون الأرض للمسلمين لا أن تكون الأرض لهم، لذلك صرَّح صاحب السرائر بالموافقة هنا[19] .
الخلاصة: إذا الأرض لهم يجوز لهم إحداث المعابد فيها، إذا الأرض للمسلمين لا يجوز لهم الإحداث، وأما الكنائس القديمة فإنهم يُقرُّون عليها. هذا تمام الكلام بالنسبة إلى الإحداث أو الإقرار.
وقد قيل: ينبغي أن يُعيَّن مواضع البِيَع والكنائس كما في تحرير الأحكام[20] وتذكرة الفقهاء[21] ، ولا بأس بذلك، لكن لا يجب تعيين مواضع المعابد والكنائس. وإذا اشتُرط عليهم عدم إحداث الكنائس وتخريبها إذا أحدثوها، أو اشتُرط عليهم تخريب الموجود منها، وجب العمل بذلك.
هذا تمام الكلام في إحداث أهل الكتاب للكنائس أو إقرارهم على الكنائس التي كانت موجودة.
سؤال: لو خربت الكنيسة وأرادوا ترميمها هل يجوز أو لا؟
السؤال الثاني: لو انهدمت الكنيسة أو هدموها هل يجوز لهم بناؤها من جديد أو لا؟
هذا ما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في الدرس القادم إن بقينا أحياء، وصلى الله على محمد وآله الأحياء.