47/11/18
18 ذي القعدة 1447
6 أيار 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مئة وسبعة وسبعون): مسائل في حكم الذمي لو خرق الذمة
المسألة الأولى: إذا خرق أهل الكتاب عقد الذمة في دار الإسلام، فما هو حكمهم؟ توجد أقوال أربعة، أهمها الأول والرابع وهو الصحيح، والأقوال كما يلي:
القول الأول: يجوز للإمام أن يردهم إلى مأمنهم، كما في قواعد الأحكام للعلامة الحلي[1] ، والمبسوط للشيخ الطوسي[2] ، بل عن فخر المحققين ابن العلامة الحلي في إيضاح الفوائد[3] عدم الخلاف فيه.
القول الثاني: الإمام مخيَّر بين ردهم إلى مأمنهم وبين قتلهم أو استرقاقهم ومفاداتهم، وهو قول الشيخ الطوسي في المبسوط أيضًا[4] .
القول الثالث: التردد في المسألة، وهو قول المحقق نجم الدين الحلي في الشرائع. ووجه التردد: أما وجه ردهم إلى مأمنهم فلدخولهم في الأمان، وهذا يمنع من الاغتيال، وقد ذُكر ذلك في حق كل حربي دخل دار الإسلام بأمان، فضلًا عمن دخل في عقد الذمة. وجه عدم الأمان من كون مخالفة عقد الذمة قد نشأ منهم، والمفروض أنه قد قُدِّم إليهم أنهم متى نقضوا عقد الذمة فلا أمان لهم، فليس في قتلهم أو استرقاقهم اغتيال أو خيانة، فيجري عليهم حكم أهل الحرب.
القول الرابع: متى ما أخلوا بشرائط الذمة صارت دماؤهم هدرًا وجاز قتلهم أو أسرهم ومفاداتهم. وهذا القول الرابع هو الأقوى والأوفق بالأدلة، إذ أن المشروط عدمٌ عند عدم شرطه، وقد كانوا أهل حرب فدخلوا في عقد الذمة، فإذا انتفى عقد الذمة بانتفاء شرطه بالإخلال به زال أمانهم فأصبحوا أهل حربٍ، وحكم أهل الحرب القتل أو السبي.
وقد قوى هذا الرأي العلامة الحلي في منتهى المطلب[5] ، والشهيد الثاني في المسالك[6] ، والمحقق الكركي في حاشيته على الشرائع[7] ، والعلامة الحلي في تذكرة الفقهاء[8] ، بل عن السيد ابن زهرة في غنية النزوع الإجماع عليه، فقد قال ما نصه: «ومتى أخلوا بشيء منها» - أي الشرائط - «صارت دماؤهم هدرًا وأموالهم وأهاليهم فيئًا للمسلمين بدليل الإجماع المشار إليه»[9] .
فلو ثبت هذا الإجماع المنقول من قبل السيد ابن زهرة يشكل الحكم الوارد في القول الأول وهو جواز الرد إلى المأمن، والذي قد عرفت دعوى فخر المحققين نفي الخلاف فيه، ضرورة اندراج أهل الذمة عند مخالفة شرائط الذمة تحت عنوان أهل الحرب، وقد أُمرنا بقتلهم وسبيهم ونهبهم كتابًا وسنة وإجماعًا بقسميه المحصَّل والمنقول.
نعم، قد يُقال إن هذا يختص بخصوص الخارق لعقد الذمة دون غيره، بل قد يُدَّعى ويُستشكل في جريان الحكم على مال المخالف وأهله، بناءً على ما قيل من احترام مال المستأمن وإن لحق بدار الحرب.
لكن هذا ليس بتام، إذ أن أمان أهله وذريته وماله تابع لأمانه، والفرض إن أمانه قد انتقض بمخالفته لعقد الذمة، فإذا انتقض لا يجب حينئذ علينا أن نردهم إلى مأمنهم نظرًا لأن النقض قد حصل من قبله وجهته، خصوصًا إذا اشتُرط عليه في متن عقد الذمة ذلك، وأنه إذا خالف فلا ذمة له.
فالأقوى وفقًا للقواعد، لأنه كان من أهل الحرب وخرج من هذا العنوان بعقد الذمة الذي فيه شروط، فإذا انتفت هذه الشروط أصبح من أهل الحرب، فيجري عليه وعلى أهله وذريته حكم الحرب، فينتقض الأمان في توابعه، فتُسبى نساؤه وتُسترق ذريته، ويتخير فيه الإمام بين القتل والمن والاسترقاق والفداء، وفقًا لما ذكرناه فيما سبق بالنسبة إلى الأسير بعد وضع الحرب أوزارها.
وقد رجح هذا القول الرابع سيد أساتذتنا المحققين السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله، فقد قال بحقٍ في منهاج الصالحين[10] ما نصه: «مسألة اثنين وثمانين: إذا أخلَّ أهل الحربي بشرائط الذمة بعد قبولها خرجوا منها، وعندئذ هل على ولي الأمر ردهم إلى مأمنهم؟ أو له قتلهم أو استرقاقهم؟ فيه قولان، الأقوى هو الثاني، حيث إنه لا أمان لهم بعد خروجهم عن الذمة. ويدل على ذلك قوله عليه السلام في ذيل صحيح زرارة المتقدمة آنفًا: «فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم»، فإن ظاهر البراءة هو أنه لا أمان له، ومن الظاهر أن لزوم الرد إلى مأمنه نوع أمان له. فإذا على ولي الأمر أن يدعوهم إلى الاعتناق بالإسلام، فإن قبلوا فهو، وإلا فالوظيفة التخيير بين قتلهم وسبي نسائهم وذراريهم وبين استرقاقهم أيضًا». انتهى كلامه زيد في علو مقامه.
إذًا الصحيح أنه بنقض عقد الذمة يزول الأمان وتجري عليهم أحكام أهل الحرب، نظرًا لتغير الموضوع، والحكم يتغير بتغير موضوعه.
المسألة الثانية: إذا أسلم الذمي بعد خرق الذمة قبل الحكم فيه سقط الجميع - أي القتل والاسترقاق والمفاداة وغيرها مما كان عليه حال الكفر - عدا القود أي القصاص والحدّ مع فعل موجبهما، واستعادة ما أخذه من المال، فهذه أمور يثبت أثرها الوضعي سواءً كان مسلمًا أو كافرًا، كما في منتهى المطلب للعلامة الحلي[11] وتذكرة الفقهاء[12] .
قال الشيخ الطوسي رحمه الله في المبسوط: «إن أصحابنا رووا أن إسلامه لا يسقط عنه الحد»[13] ، وظاهر كلامه شهرة الرواية أو الإجماع على عدم سقوط الحد عنه. فإذا قيل بالشهرة أو الإجماع فلا حاجة إلى جابرٍ في إثبات الحدّ، ويكفينا التمسك بالأصل، إذ أن الاستصحاب محكَّم، فكنا على يقين من ثبوت القود أو الحد أو ضمان المال الذي سرقه، فإذا أسلم نشك في سقوط ذلك، فيقول الاستصحاب: لا تنقض اليقين بالشك، فهذه الأمور من حدّ أو قود أو ضمان تكون كالدين الذي لا يسقط بالإسلام.
ولو أسلم بعد الاسترقاق أو المفاداة لم يرتفع ذلك عنه بلا إشكالٍ، للأصل وهو الاستصحاب. قال صاحب الجواهر[14] : «بلا خلاف أجده فيه»، يُراجع المبسوط[15] ، قواعد الأحكام[16] ، معالم الدين لابن القطان[17] . هذا تمام الكلام في المسألة الثانية.
المسألة الثالثة: إذا مات الإمام وقد ضرب لما قدَّره من الجزية أمدًا معينًا أو اشترط الدوام، وجب على الإمام القائم بعده إمضاء ذلك، كما صرح به غير واحد، كالشيخ الطوسي في المبسوط[18] ، العلامة الحلي في تحرير الأحكام[19] .
والحكم كذلك ضرورة كون ذلك مقتضى وجوب الطاعة والامتثال لمن عصمه الله تعالى من الزلل وأمَّنه من الخطأ ومن النطق عن الهوى، وجعل أمره أمره وحكمه حكمه. لكن إذا أطلق الإمام الأول كان للإمام الثاني تغييره على حسب ما يراه صلاحًا بتقييد ذلك الإطلاق، بلا خلاف ولا إشكال، لأن التقييد ـ تقييد الثاني ـ لا يصدق عليه أنه مخالفة للأول، فيبقى حينئذ ما دل على وجوب مراعاة المصلحة على حاله.
ولعل هذا هو الذي يفسر الخلاف في تعيين المقدار، فقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله الجزية دينارًا، وضربها أمير المؤمنين ثمانية وأربعين دينارًا وأربعة وعشرين واثني عشر، كما تقدم فيما سبق.
قال السيد الخوئي رحمه الله في منهاج الصالحين[20] : «إذا أسلم الذمي بعد إخلاله بشرط من شرائط الذمة سقط عنه القتل والاسترقاق ونحوهما مما هو ثابت حال كفره، نعم لا يسقط عنه القود والحد ونحوهما مما ثبت على ذمته، حيث لا يختص ثبوته بكونه كافرًا، وكذا لا ترتفع رقيته بالإسلام إذا أسلم بعد الاسترقاق».
المسألة الرابعة والأخيرة من مسائل الذمة: يُكره أن يُبدأ الذمي بالسلام على المشهور، كما في المسالك[21] ، للنهي عن السلام على الذمي في النبوي المحمول على الكراهة، فقد جاء في النبوي: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها»[22] . وفي النبوي الآخر: «إنا غادرون غدًا فلا تبدأوهم بالسلام، وإن سلموا عليكم فقولوا: وعليكم»[23] . وقد جاء في دعائم الإسلام عن علي عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى أن يبدأوهم بالسلام، فإن بدأوا قيل لهم: «وعليكم»[24] .
لكن هذه الروايات فيها نهي، وظاهر النهي التحريم، لذلك عن ظاهر التذكرة التحريم[25] ، بل في المسالك: «النهي المطلق في الأخبار يدل عليه»[26] . ويمكن القول بثبوت الحرمة لو ثبتت هذه الروايات بسند معتبر ولم تكن توجد شهرة على إرادة الكراهة من ذلك النهي.
ولو بدأ الذمي بالسلام اقتُصر في الجواب على قول: «وعليكم»، كما في الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله. وفي التذكرة: «يرد بغير السلام بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك، أو أطال الله بقاءك، ولو رد بالسلام اقتصر على قول: وعليك»[27] .
والتحقيق أنه عندنا طائفتان متعارضتان: الطائفة الأولى فيها نهي عن السلام عليهم، والطائفة الثانية يفهم منها الجواز ولو حال الاضطرار، فمقتضى الجمع بين الروايات الناهية والروايات المجوزة هو حمل النهي على الكراهة، فيكون مقتضى التحقيق ثبوت الكراهة، وهو ما أشار إليه السيد الخوئي رحمه الله في منهاج الصالحين[28] ، قال: «مسألة أربعة وثمانين: يُكره الابتداء بالسلام على الذمي، وهو مقتضى الجمع بين صحيحة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تبدأوا أهل الكتاب بالتسليم، وإذا سلموا فقولوا: وعليكم»[29] ، وصحيحة ابن الحجاج قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: أرأيت إن احتجت إلى طبيب وهو نصراني، أسلم عليه وأدعو له؟ قال: «نعم، إنه لا ينفعه دعاؤك»[30] . فإن مورد الصحيحة الثانية ـ وهي عن الإمام الكاظم ـ وإن كان فرض الحاجة، إلا أن الحاجة إنما هي في المراجعة إلى الطبيب النصراني لا في السلام عليه، إذ يمكن التحية له بغير لفظ السلام مما هو متعارف عنده، على أن التعليل في ذيل الصحيحة شاهد على أنه لا مانع منه مطلقًا، حيث إن الدعاء لا يفيده.
وأما إذا ابتدأ الذمي بالسلام على المسلم فالأحوط وجوبًا الرد عليه بصيغة «عليك» أو «عليكم» أو بصيغة «سلام» فقط. انتهى كلامه رحمه الله.
ومنه يُعلم حكم باقي الملل كاليهود والصابئة وغير ذلك، فإنه يجوز السلام عليهم عن كراهة، ويجوز الرد عليهم عن كراهة.
قال العلامة في التذكرة: «لو اضطر المسلم إليه لكونه طبيبًا يحتاج إليه» - إلى أن قال - «ونحو ذلك لم يُكره له السلام عليه ولا الدعاء له، لصحيح عبد الرحمن عن الكاظم عليه السلام: «إنه لا ينفعه دعاؤك»». هذا كلام الشهيد الثاني في المسالك، ثم قال: «وأما السلام على باقي الملل والرد عليهم فلم يتعرضوا له، والظاهر تحريمه مع عدم الضرورة، وينبغي أن يقول عند ملاقاتهم: السلام على من اتبع الهدى، كما فعله النبي بمشركي قريش»[31] .
والحكم واضح: لا توجد حرمة هناك، كراهة موجودة، ونتمسك بما ورد في نهاية الرواية: «لا ينفعه دعاؤك» يجوز ولا ينفعه دعاؤك. وإذا نظرنا إلى النبوي يُعلم الوجه مما قيل من أنه يستحب أن يضطر الذمي إلى أضيق الطرق، بمعنى أنه يمنعهم عن جادة الطريق إذا اجتمعوا هم والمسلمون فيه، واضطرارهم إلى طرفه الضيق، لكن بحيث لا يوقعهم في مكان يؤذيهم. وفي الدروس: «استحباب التضييق والمنع من الجادة»[32] . قال الشهيد الثاني في المسالك: «ليكن التضييق عليهم بحيث لا يقعون به في الوهدة» - المراد بالوهدة المنخفض من الأرض - «ولا يصدمون جدارًا، ولو خلت الطريق من مرور المسلمين فلا بأس بسلوكهم حيث شاؤوا»[33] . وقال الشهيد الأول في الدروس: «ويُكره مصافحته أيضًا، فإن فعل فمن وراء الثياب»[34] .
هذا تمام الكلام في بيان المسائل الأربع من أحكام الذمة.
حكم الأبنية والنظر في الكنائس والمساكن يأتي عليه الكلام.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.