« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الفقه

47/11/15

بسم الله الرحمن الرحيم

15 ذي القعدة 1447
3 أيار 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مئة وأربعة وسبعون): الشرط الخامس في عقد الذمة ونقضه

 

الشرط الخامس من شرائط الذمة أن لا يُحدِثوا كنيسةً ولا يضربوا ناقوسًا ولا يُطيلوا بناءً، ويُعزَّرون لو خالفوا، كما صرّح بذلك غير واحد كالشيخ الطوسي في المبسوط[1] ، والعلامة الحلي في تذكرة الفقهاء[2] ، بل يظهر من بعضهم المفروغية عنه، بل عن الغنية الإجماع على النقض به وإن لم يُشترط[3] .

من الواضح أن الشرط الخامس إذا اشتُرِط في متن عقد الذمة فإن عقد الذمة ينتفي بانتفائه، ولكن لو خالف الذمي هذا الشرط فهل ينتقض عهد الذمة بذلك أو لا؟

الأقوال المتصورة ثلاثة:

القول الأول: النقض مطلقًا سواء اشتُرِط في متن العقد أو لم يُشترط، وهو قول السيد ابن زهرة رحمه الله في غنية النزوع[4] .

القول الثاني: عدم النقض مطلقًا سواء اشتُرِط في متن العقد أو لم يُشترط، فلو خالفوا هذا الشرط فإن عقد الذمة لا ينتقض، وهو قول الشيخ الطوسي رحمه الله، وبه قال الشافعي.

القول الثالث: التفصيل بين اشتراطه في العقد فينقض وبين عدم ذكره في عقد الذمة فلا يبطل.

وبالتالي بعد ملاحظة هذه الأقوال الثلاثة نقول: إذا تمّ الإجماع المدّعى من السيد ابن زهرة على النقض مطلقًا ووصل هذا الإجماع إلى درجة التسالم فحينئذ نقول بالنقض مطلقًا نظرًا للتسالم، وأما إذا لم ترقَ دعوى الإجماع إلى دعوى التسالم خصوصًا بعد إعراض الأكثر عنه، قال صاحب الجواهر: «بل لم نجد من وافقه عليه»[5] ، فحينئذ يمكن التسليم بالنقض في خصوص صورة الاشتراط، وأما في صورة عدم اشتراط عدم إحداث الكنيسة في متن العقد فيكون قطع الأصل والإطلاق بمثل هذا الإجماع مشكل أو ممنوع. نعم يمكن تحصيل دعوى إجماع على نقض عهد الذمة في خصوص صورة الاشتراط.

ولتوضيح المسألة أكثر نقول: ما هو مقتضى الأصل العملي في المسألة؟

والجواب: إن مقتضى الأصل العملي هو بقاء عهد الذمة، إذ أننا كنا على يقين من ثبوت عهد الذمة بإجراء عقد الذمة، ثم نشكّ في زوال عقد الذمة بإحداث الكنيسة أو ضرب الناقوس، فيجري الاستصحاب لا تنقض اليقين بالشك فنستصحب بقاء عقد الذمة.

وهكذا لو تمسكنا بالإطلاقات، فإن إطلاق عهد الذمة وعقد الذمة يشمل صورة إحداث الكنيسة أو ضرب الناقوس.

إذًا مقتضى الأصل العملي وهو الاستصحاب ومقتضى إطلاق عقد الذمة جواز ما كان جائزًا في شرع أهل الذمة الذين أُمِرنا بإقرارهم عليه، بل قد يُدّعى إن عقد الذمة يقتضي ذلك.

هذا تمام الكلام في عرض الأقوال الثلاثة في المسألة. ولنقرأ كلام خاتمة المتأخرين العلامة الحلي رحمه الله في المنتهى، وبعد ذلك نحقق المسألة ونبيّن الحق في هذا الشرط الخامس وما سبقه من الشروط، فهل نقضها يوجب النقض مطلقًا أو عدم النقض مطلقًا أو التفصيل بين صورة الاشتراط وعدمه؟

قال العلامة الحلي رحمه الله في المنتهى: «الخامس: ما يتضمن المنكر ولا ضرر على المسلمين فيه، وهو أن لا يُحدِثوا كنيسةً ولا بِيَعًا في دار الإسلام، ولا يرفعوا أصواتهم بكتبهم، ولا يضربوا الناقوس، ولا يُطيلوا أبنيتهم على بناء المسلمين، وأن لا يُظهِروا الخمر والخنزير في دار الإسلام، فهذا كله يجب عليهم الكفّ عنه سواءٌ شُرِط عليهم أو لم يُشترط، فإن عقد الذمة يقتضيه. فإن خالفوا ذلك لم يخلوا: إما أن يكون مشروطًا عليهم أو لم يكن، فإن كان مشروطًا عليهم انتقض ذمامهم، وإن لم يكن مشروطًا عليهم لم ينتقض ذمامهم بل يجب عليهم ما يقابل جنايتهم من حدّ أو تعزير. وقال الشيخ رحمه الله: لا يكون نقضًا للعهد سواء شُرِط أو لم يكن، وبه قال الشافعي»[6] .

أقول: مقتضى التحقيق هو صحة القول الأول وهو النقض مطلقًا، وقد يُنسَب هذا القول إلى المشهور، بل قد يُدّعى الإجماع عليه كما ادّعى ذلك السيد ابن زهرة في الغنية، وبه قال أكثر أعلام العصر المعاصرين كالسيد أبي القاسم الخوئي والسيد علي السيستاني والسيد علي الخامنئي الإمام الشهيد رضوان الله عليه والسيد عبد الأعلى السبزواري في مهذب الأحكام[7] ، والسيد محمود الهاشمي الشاهرودي في المنهاج منهاج الصالحين، وشيخنا الأستاذ الشيخ الوحيد الخراساني في منهاج الصالحين، وشيخنا الأستاذ الميرزا جواد التبريزي في منهاج الصالحين. فأساتذتنا الثلاثة الهاشمي والتبريزي والخراساني من تلامذة سيد أساتذتنا السيد الخوئي تبعوه في المسألة.

فما هو الوجه في النقض؟ تفصيل المسألة: هذه الشروط الخمسة بل الستة التي ستأتي على قسمين:

القسم الأول: هو الشرط الموجود في ضمن العقد وإن لم يصرّح به بحيث بدونه ينتفي العقد، وهو خصوص الشرط الأول قبول الجزية والشرط الثاني أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان. فالشرطان الأولان وهما قبول الجزية وأن لا يفعل أهل الذمة ما ينافي الأمان، هذان الشرطان وإن لم يُصرَّح بهما بل حتى لو لم يدلّ الدليل على اشتراطهما فلا بد من اشتراطهما لأنه بدونهما لا يتحقق عقد الأمان وعقد الذمة، بخلاف بقية الشروط من الشرط الثالث والرابع والخامس والسادس، فهذه الشروط شروط خارجية هي عبارة عن أمر خارج متن عقد الذمة.

فالشرط الثالث: أن لا يؤذوا المسلمين كالزنا بنسائهم واللواط بصبيانهم والسرقة لأموالهم، هذا شرط خارجي خارج عقد الذمة. عقد الذمة يعني إعطاء الأمان للذمي في مقابل دفع الجزية، وكذلك سبّ النبي أو إهانة أئمة المسلمين، هذا خارج متن العقد لأن متن عقد أن الذمي إذا دفع الجزية فله الأمان، فهذا شرط خارجي.

وهكذا الشرط الرابع: أن لا يتظاهروا بالمناكير كشرب الخمر والزنا وأكل الخنزير ونكاح المحرمات، فهذا شرط خارجي.

وهكذا الشرط الخامس: أن لا يُحدِثوا كنيسةً ولا يضربوا ناقوسًا، فهذا أيضًا شرط خارج متن العقد.

وهكذا الشرط السادس: أن تجري عليهم أحكام المسلمين وأن يلبسوا ملابس غير ملابس المسلمين، هذا أيضًا شرط خارجي.

إلى هنا اتضح أن شروط الذمة على قسمين:

القسم الأول: ما هو موجود ضمن عقد الذمة بحيث إذا انتفى ينتفي عقد الذمة كالشرط الأول والثاني.

القسم الثاني: الشروط التي لا توجد ضمن عقد الذمة بل هي خارج عقد الذمة كالشرط الثالث والرابع والخامس والسادس، وهي على قسمين:

القسم الأول: الإخلال بها يكون ضد مصلحة من المصالح العامة للإسلام والمسلمين، فمثلًا سبّ النبي حتى لو لم يرد دليل على أنه منافٍ لعقد الذمة، وقد ذكرنا حينما تطرقنا إلى الشرط الثالث أن لا يؤذوا المسلمين كالزنا بنسائهم واللواط بصبيانهم أنه ليس في شيء من الأدلة اعتبار ذلك في عقد الذمة، لكن يوجد عنوان عام يشمل هذه الشروط وهو أن هذه الأمور إذا نُقضت كانت ضدّ المصالح العامة للإسلام والمسلمين، فسبّ النبي والزنا بنساء المسلمين واللواط بصبيانهم كما في الشرط الثالث، وكذلك الشرط الرابع التظاهر بالمناكير كشرب الخمر والزنا وأكل لحم الخنزير، هذا ضدّ المصالح العامة للإسلام والمسلمين.

وهكذا ما نحن فيه وهو الشرط الخامس أن لا يُحدِثوا كنيسةً ولا يضربوا ناقوسًا، فهذا أيضًا لو أحدثوا كنيسةً أو ضربوا ناقوسًا هذا يكون ضدّ المصالح العامة للإسلام والمسلمين.

هذا القسم الأول: ما ينافي المصالح العامة للإسلام والمسلمين، هذا يوجب نقض عهد الذمة، والدليل على ذلك التمسك بذيل صحيح زرارة، إذ ورد فيها الاشتراط: «إن رسول الله قبل الجزية من أهل الذمة على أن لا يأكلوا الربا ولا يأكلوا لحم الخنزير ولا ينكحوا الأخوات ولا بنات الأخ»، لكن العبرة بذيل الرواية إذ إن الإمام عليه السلام قال: «ليست لهم اليوم ذمة»، إشارة الإمام كان في أيام بني العباس، أي أنهم إذا أخلّوا بهذه وجاؤوا بما ينافي المصالح العامة للإسلام والمسلمين فينتفي عقد الذمة وينتقض.

القسم الثاني من القسم الثاني: وهو الشروط الخارجية التي يكون نقضها لا يمثل نقضًا للمصالح العامة للإسلام والمسلمين، كالشرط السادس يُشترط عليهم أنهم يلبسون لباسًا غير لباس المسلمين، ما يرفع جداره على جدار المسلم، هذا لو رفع جداره على جدار المسلم أو لبس لباسًا مثل لباس المسلمين، هذا ما يضرّ المصالح العامة للإسلام والمسلمين.

فيكون مقتضى التحقيق في مخالفة الشرط الأول والثاني أنه يبطل عقد الذمة لأنه ينافي أصل العقد ومتن العقد، وكذلك مقتضى التحقيق أن مخالفة الشرط الثالث والرابع والخامس تبطل عقد الذمة مطلقًا سواء اشتُرِط في متن العقد أو لم يُشترط، لأنه في هذه الثلاثة المخالفة توجب ماذا؟ توجب الضرر وتوجب انتفاء المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، بخلاف الشرط السادس فإنه لو تمت مخالفته فإنه لا يبطل.

ولنقرأ كلمات المحقق المدقق السيد أبي القاسم الخوئي رحمه الله في هذه المسألة، فقد ذكرها في مسألتين: مسألة تسعة وسبعين ومسألة ثمانين تحت عنوان شرائط الذمة[8] .

مسألة تسعة وسبعين: «من شرائط الذمة أن يقبل أهل الكتاب إعطاء الجزية لولي الأمر على الكيفية المذكورة، فإنه مضافًا إلى التسالم بين الأصحاب يدلّ عليه الكتاب والسنة. ومنها أن لا يرتكبوا ما ينافي الأمان كالعزم على حرب المسلمين وإمداد المشركين في الحرب وما شاكل ذلك، وهذا الشرط ليس من الشروط الخارجية بل هو داخل في مفهوم الذمة فلا يحتاج إثباته إلى دليل آخر».

المسألة القادمة هي مربط الفرس وبيت القصيد. مسألة ثمانين: «المشهور بين الأصحاب أن التجاهر بالمنكرات كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير والربا والنكاح بالأخوات وبنات الأخ وبنات الأخت وغيرها من المحرمات كالزنا ونحوهما يوجب نقض عقد الذمة، ومن هذا القبيل عدم إحداث الكنائس والبِيَع وضرب الناقوس وما شاكل ذلك مما يوجب إعلان أديانهم وترويجها بين المسلمين. هذا فيما إذا اشتُرِط عدم التجاهر بتلك المحرمات والمنكرات في عقد الذمة واضحٌ، وأما إذا لم يُشترط عدم التجاهر بها في ضمن العقد المزبور فهل التجاهر بها يوجب النقض؟

فيه وجهان، فعن العلامة في التذكرة والتحرير والمنتهى الوجه الثاني ـ يعني عدم النقض ـ، ولكن الأظهر هو الأول أي النقض، وذلك لصحيحة زرارة، فقد روى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الجزية من أهل الذمة على أن لا يأكلوا الربا ولا يأكلوا لحم الخنزير ولا ينكحوا الأخوات ولا بنات الأخ ولا بنات الأخت، فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم»، قال: «وليست لهم اليوم ذمة»[9] ».

يعلّق السيد الخوئي رحمه الله قائلًا: «فإن مقتضى ذيل الصحيحة وهو قوله عليه السلام «ليست لهم اليوم ذمة» هو أن التجاهر بها يوجب نقض الذمة وانتهاءها وأنها لا تنسجم معه، وبما أن أهل الكتاب كانوا في زمان الخلفاء متجاهرين بالمنكرات المزبوة فلأجل ذلك نفى عنهم الذمة. وأما غير ذلك كارتفاع جدرانهم على جدران المسلمين وعدم تميّزهم في اللباس والشعر والركوب والكنى والألقاب ونحو ذلك مما لا ينافي مصلحة عامة للإسلام والمسلمين فلا دليل على أنه يوجب نقض الذمة، نعم لولي الأمر اشتراط ذلك في ضمن العقد إذا رأى فيه مصلحة». انتهى كلامه زيد في علوّ مقامه.

نعم بحكم ولاية الأمر ولاية الفقيه له أن يشترط أنه حتى هذا الشيء الذي ليس فيه الذي لا ينافي مصلحة عامة إذا خالفتموه انتقض، هذا عند الاشتراط يتمّ.

هذا تمام الكلام في تحقيق الشرط الخامس، واتضح أن الشروط الخمسة الأُول تكون مخالفتها موجبة لنقض عهد الذمة مطلقًا سواء تمّ اشتراطها في متن العقد أو لم تُشترط.

والسرّ في ذلك: إن الشرط الأول والثاني داخلان في مفهوم الذمة، والشرط الثالث والرابع والخامس تكون مخالفتهما تنافي المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، بخلاف الشرط السادس فإن مخالفته لا تكون تنافي مصلحة عامة للإسلام والمسلمين كاللباس والبناء وغير ذلك، وبالتالي مخالفة الشرط السادس لا تبطل ولا تنقض عهد الذمة إلا إذا تمّ الاشتراط، والله العالم.

الشرط السادس يأتي عليه الكلام.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


[1] . المبسوط، الشيخ الطوسي، ج1، ص591.
[2] . تذكرة الفقهاء، العلامة الحلي، ج9، ص319.
[3] . غنية النزوع، السيد ابن زهرة الحلبي، كتاب الجهاد، ص203.
[4] . غنية النزوع، السيد ابن زهرة الحلبي، كتاب الجهاد، ص203.
[5] . جواهر الكلام، المحقق النجفي، ج22، ص470.
[6] . منتهى المطلب، العلامة الحلي، ج2، ص970 (الطبعة الحجرية).
[7] . مهذب الأحكام، السيد عبد الأعلى السبزواري، ج15، ص264.
[8] . منهاج الصالحين، السيد أبو القاسم الخوئي، ج1، ص397.
[9] . وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج15، باب48 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo