47/11/11
11 ذي القعدة 1447
29 أبريل 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مئة واثنان وسبعون): شرائط الذمة
شرائط الذمة وهي ستة:
الشرط الأول: قبول الجزية بأن يُذكر في عقد الذمة أن الذمي يدفع الجزية في الحول.
الشرط الثاني: أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان مثل العزم على حرب المسلمين أو إمداد المشركين، ويخرجون عن الذمة بمخالفة هذين الشرطين. قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف أجده فيهما»[1] .
أما الشرط الأول وهو قبول الجزية فهو مقتضى قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[2] ، ويدل على ذلك أيضًا وصية النبي صلى الله عليه وآله لأمراء السرايا بطلب الجزية منهم، فإن أجابوا وإلا فنابذوهم أي قاتلوهم[3] . كما يدل على دفع الجزية قول الإمام الصادق عليه السلام في خبر حفص بن غياث المنجبر بعمل الأصحاب، وقد جاء فيه: «ولو منع الرجال فأبوا أن يؤدوا الجزية كانوا ناقضين للعهد وحلت دماؤهم وقتلهم»[4] . إذًا خبر حفص بن غياث رواه المشايخ الثلاثة الكليني والصدوق والطوسي في كتبهم رضوان الله عليهم.
هذا تمام الكلام في الدليل على الشرط الأول.
وأما الشرط الثاني فهو مقتضى عقد الأمان، ففعل ما ينافي الأمان مخالف لمقتضى عقد الذمة والأمان مع أهل الذمة، لذلك لم يذكر الكثير من الفقهاء هذا الشرط الثاني ضمن شروط الذمة نظرًا لأنه موجودٌ ضمن عقد الذمة. لذلك ذكر المحقق الحلي في الشرائع أن شروط عقد الذمة ستة، لكن نفس المحقق الحلي في المختصر النافع ذكر أن شروط عقد الذمة خمسة ولم يذكر الثاني منها وهو أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان.
ولا بأس في نهاية ذكر الشرط الأول والثاني أن نتطرق إلى كلام العلامة الحلي في المنتهى فإنه لا يخلو من فائدة. قال العلامة الحلي في منتهى المطلب ما نصه: «لا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين: أحدهما أن يلتزموا إعطاء الجزية، والثاني التزام أحكام الإسلام على معنى وجوب القبول لما يحكم به المسلمون من أداء حق أو ترك محرم»، إلى أن قال: «ولا نعلم في ذلك خلافًا»، وهذا يعني وجود إجماع في المسألة على هذين الشرطين[5] .
ثم قال أيضًا في المنتهى: «جملة ما يشترط على أهل الذمة ينقسم ستة أقسام: أحدها ما يجب شرطه ولا يجوز تركه وهو أمران: أحدهما ثبوت الجزية عليهم، والثاني التزام أحكام الإسلام، ولا بد من ذكر هذين الأمرين معًا لفظًا ونطقًا، ولا يجوز الإخلال بهما ولا بأحدهما، فإن أُغفل أحدهما لم تنعقد الجزية، ولا نعلم فيه خلافًا»[6] .
إذًا نص العلامة الحلي على أن الشرط الأول واجب الذكر والنص عليه في ضمن العقد وهو التزامان: أولًا التزام الذمي بدفع الجزية، وثانيًا التزام الذمي بأحكام الإسلام وأن لا يخالف أحكام الإسلام، فهذان الالتزامان لا بد من النص عليهما في متن عقد الذمة ولا يجوز تركهما، بخلاف الثاني الذي ذكره ولننقل نصه إذ قال: «الثاني ما لا يجب شرطه لكن الإطلاق يقتضيه، وهو أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان من العزم على حرب المسلمين وإمداد المشركين بالمعاونة لهم على حرب المسلمين، لأن إطلاق الأمان يقتضي ذلك، فإذا فعلوه نقضوا الأمان لأنهم إذا قاتلونا وجب علينا قتالهم»، وهو ضد الأمان.
واقعاً العلامة الحلي محقق فريد، وبكلام العلامة الحلي في منتهى المطلب يُفهم كلام خاله المحقق الحلي في الشرائع الذي ذكر الشروط ستة، وفي المختصر النافع الذي ذكر الشروط خمسة، فحينما ذكر الشروط ستة في الشرائع أشار إلى أصل وجودها، وحينما ذكر أن الشروط خمسة وحذف الشرط الثاني وهو شرط الأمان فهو يشير إلى عدم ضرورة ذكره في عقد الأمان والذمة لكنه موجود قهرًا بمقتضى إطلاق عقد الذمة والأمان، بخلاف الشرط الأول وهو دفع الجزية فلا بد من التصريح به في عقد الذمة والأمان.
ثم قال العلامة الحلي في منتهى المطلب: «وهذان القسمان ينتقض العهد بمخالفتهما سواءً شُرط ذلك في العقد أو لم يُشترط»، مثل الأمان أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان وأن لا يمدوا المشركين ويعاونوهم على المسلمين. يقول: هذان الأمران صُرح بهما في متن العقد أو لم يُصرح بهما فهما موجودان، يعني إطلاق الأمان يشمل أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان وأن لا يمدوا المشركين في الحرب ضد المسلمين.
هذا تمام الكلام في الشرط الأول قبول الجزية والشرط الثاني أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان.
الشرط الثالث أن لا يؤذوا المسلمين كالزنا بنسائهم واللواط بصبيانهم والسرقة لأموالهم وإيواء عين المشركين والتجسس لهم، فإن فعلوا شيئًا من ذلك وكان تركه مشترطًا في الهدنة كان نقضاً، وإن لم يكن مشترطًا كانوا على عهدهم وفُعل بهم ما تقتضيه جنايتهم من حد أو تعزير. وهذا نص كلام المحقق الحلي في الشرائع، وقد صرح به غير واحد من فقهائنا[7] .
بل صرح بعضهم[8] وقال: بعدم لزوم ذكر هذا الشرط في عقد الذمة وأنه مما ينبغي للإمام اشتراطه. بل صرح الشهيد الأول في الدروس بأن العهد ينتقض به وإن لم يُشترط في متن العقد كما هو ظاهر اللمعة[9] ، بل هو ظاهر المحقق الحلي في المختصر النافع[10] .
وقبل أن نحقق في هذا الموضوع لا بأس أن نقرأ كلام العلامة في المنتهى، العلامة عنده كتابان مفصلين: منتهى المطلب في تحقيق المذهب، والثاني تذكرة الفقهاء، كلام مفصل للعلامة في المنتهى، ثم نقرأ كلام الشهيد الأول في الدروس ثم نحقق المطلب.
الآن لاحظوا ما هي هذه الفكرة؟ هل هذا الشرط الثالث لا بد أن يُذكر في متن العقد أو لا؟
الجواب: لا يُشترط أن يُذكر في متن العقد.
السؤال الثاني: إذا لم يُذكر في متن العقد هل ينتقض عهد الذمة بالمخالفة كما يقول الشهيد الأول في الدروس أو لا ينتقض بمخالفتهم له إذا لم يُذكر في متن العقد كما يقول المحقق الحلي في الشرائع؟ هذا لا بد من تحقيقه، ولكن لنقرأ أولًا كلام العلامة الحلي في المنتهى.
قال رحمه الله ما نصه: «الثالث ما ينبغي اشتراطه مما يجب عليهم الكف عنه وهو سبعة أشياء: ترك الزنا بالمسلمة، وعدم إصابتها باسم النكاح، وأن لا يفتنوا مسلمًا عن دينه، ولا يقطع عليه الطريق، ولا يؤوي للمشركين عينًا، ولا يعين على المسلم بدلالة أو بكتبة كتاب إلى أهل الحرب بأخبار المسلمين ويطلعهم على عوراتهم، ولا يقتلوا مسلمًا ولا مسلمة، فإن فعلوا شيئًا من ذلك وكان تركه مشروطًا في العقد نقضوا العهد وإلا فلا»[11] .
فكلام العلامة الحلي في المنتهى موافق لكلام خاله المحقق الحلي في الشرائع بأن الشرط الثالث قد يُذكر في عقد الأمان والذمة وقد لا يُذكر، فإن ذُكر وخالفوه انتقض العهد، وإن لم يُذكر وخالفوه فإنه لا ينتقض عهد الذمة لكن ينال جزاء من حد أو تعزير. هذا كلام المحقق الحلي في الشرائع والعلامة الحلي في المنتهى.
ولننظر إلى كلام الشهيد الأول في الدروس قال رحمه الله ما نصه: سيدي الأول صح الفقهاء. يقول السيد الخوئي رحمه الله: لو قلنا بجواز تقليد الميت وأوجبنا الرجوع إلى الأعلم لأوجبنا الرجوع إلى الشهيد الأول. ويقول الشيخ جعفر كاشف الغطاء: الفقهاء ثلاثة: «الشهيد الأول وأنا وابني موسى». الشيخ جعفر كاشف الغطاء يقول: «لو تلف الفقه بأكمله لكتبته من أوله إلى آخره عن ظهر قلب». هذا الشيخ جعفر كاشف الغطاء.
قال الشهيد الأول في الدروس ما نصه: «شرائط الذمة: قبول الجزية بحسب ما يراه الإمام على الرؤوس أو الأراضي أو عليهما على الأقوى، والتزام أحكام الإسلام، وأن لا يفعلوا ما ينافي الأمان كمعاونة الكفار وإيواء عينهم، وأن لا يتجاهروا بالمحرمات في شريعة الإسلام كأكل لحم الخنزير وشرب الخمر وأكل الربا ونكاح المحارم، فيخرجون عن الذمة بترك هذه أو بعضها، وأن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون»[12] . انتهى كلامه زيد في علو مقامه.
ولا بد من معرفة قدر الفقهاء. يقول أحد الأعلام: إذا أجمع ثلاثة من الفقهاء على مسألة فإني لا أجرؤ على مخالفتهم وهم: (الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري، وتلميذه المجدد السيد محمد حسن الشيرازي «الشيرازي الأول»، والشيرازي الثاني صاحب ثورة العشرين الشيخ محمد تقي الشيرازي). يقول: إذا يجتمع الشيخ مرتضى الأنصاري والميرزا الشيرازي صاحب ثورة التنباك والميرزا الشيخ محمد تقي الشيرازي صاحب ثورة العشرين، إذا ثلاثتهم جزموا بمسألة لا أجرؤ على مخالفتهم. هؤلاء أهل تتبع أهل تدقيق أهل تحقيق.
هذا تمام الكلام في عرض الأقوال.
والتحقيق: إنه ليس في شيء من الأدلة اعتبار اشتراط وذكر الشرط الثالث في عقد الذمة، بل قد يُدعى أن مقتضى عقد الذمة والأمان خلاف ذلك، فمقتضى عقد الذمة أن يكون لهم الأمان، أما عدم إيذاء المسلمين فإنه قد يُشترط وقد لا يشترط. نعم لو اشتُرط في متن العقد وخالفوه كان ذلك نقضًا للعقد بلا خلاف، إذ أن المشروط عدم عند عدم شرطه، ومن هنا يمكن تحصيل الإجماع عليه، بل في بعض الكتب دعوى الإجماع على أنه لو خالفوا هذا الشرط الثالث لانتقض عقد الذمة[13] ، فإن تم هذا الإجماع فهو الحجة، وليس المدار على أنه هو مقتضى الشرطية وإن لم تُذكر، فهذا غير معلوم إذ لم تُذكر في متن العقد، فيكون الصحيح أنه لو ذُكر الشرط الثالث في متن العقد وخالفوا انتفى عقد الأمان، وإن لم يُذكر وخالفوا نال كل واحد ما يستحقه من حد أو تعزير.
فالصحيح ما ذهب إليه المحقق الحلي في الشرائع والعلامة في المنتهى، ووافقهم صاحب الجواهر[14] . بل قد يُدعى أن الظاهر كون عقد الذمة ليس كغيره من العقود التي لا تقبل التعليق، بل عقد الذمة ضرب من العهد فيجوز حينئذ تعليق الأمان والذمة على ذلك، فهو كالوصية العهدية والإمارة ونحوهما.
وبالتالي لو جاؤوا بما يخالف ذلك جاز لولي الأمر تجميد أو تعليق عقد الذمة، وبالتالي قد يُقال إن الشرط الثالث ليس من الشروط المنصوصة في عقد الذمة لكن يصح اشتراطه، وبعبارة أخرى: يصح اشتراطه في عقد الذمة كغيره من الشرائط، لا بمعنى أنه من شرائط صحة عقد الذمة بمعنى عدم جواز عقدها بدونه، هذا غير صحيح، يعني يجوز عقد الذمة بدون الشرط الثالث ويكون صحيحًا، لكن يمكن إدراج الشرط الثالث ضمن عقد الذمة، والله العالم.
هذا تمام الكلام في الشرط الثالث، ويتفرع عليه فرع مهم وهو: لو سب أهل الذمة النبي أو تعرضوا للنبي بما لا يصل إلى درجة السب فما هو الحكم؟ يأتي عليه الكلام.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.