« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الفقه

47/11/10

بسم الله الرحمن الرحيم

10 ذي القعدة 1447
28 أبريل 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مئة وواحد وسبعون): أخذ الجزية من أثمان المحرمات

 

يجوز أخذ الجزية من أثمان المحرمات كالخمر والخنزير وغيرهما بلا خلاف معتدٍّ به، كما اعترف بذلك ابن إدريس الحلي في السرائر[1] ، بل نسب هذا القول العلامة الحلي في المختلف إلى علمائنا، مؤذنًا بالإجماع عليه[2] .

لكن العلامة الحلي الذي نسب هذا القول إلى علمائنا – وهذا التعبير يشعر بوجود إجماع – قد حكى العلامة في المختلف والشهيد الأول في الدروس عن ابن الجنيد الإسكافي القول بعدم الجواز في خصوص صورة الإحالة على مشتري المحرمات من أهل الذمة، أي في خصوص صورة الحوالة[3] .

ولعل تعبير العلامة الحلي ونسبة القول إلى علمائنا لعدم اعتنائه بما نُسِبَ إلى الإسكافي نظرًا لضعفه بإطلاق الأدلة التي تقتضي إقرار أهل الذمة على ما هم عليه، ومن ذلك الاستيفاء منهم من أثمان هذه المحرمات. فهناك إمضاء للبيع أو الشراء مع أهل الذمة بأثمان هذه المحرمات لا بأعيانها، فعليهم وِزْرُ هذه المحرمات وأثمانها لنا حلال، كما ورد في صحيحة الإمام الصادق عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم التي رواها المشايخ الثلاثة، قال: سألتُ أبا عبد الله عليه السلام عن صدقات أهل الذمة وما يُؤخَذ من جزيتهم من ثمن خمورهم وخنازيرهم وميتتهم، قال عليه السلام: «عليهم الجزية في أموالهم، يُؤخَذ من ثمن لحم الخنزير أو خمر، فكل ما أخذوا منهم من ذلك فوِزْرُ ذلك عليهم، وثمنه للمسلمين حلال يأخذونه في جزيتهم»[4] .

تُراجَع الرواية في الكتب الثلاثة للمشايخ الثلاثة: الكافي للكليني[5] ، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق[6] ، وتهذيب الأحكام للشيخ الطوسي[7] . وفي المقنعة للشيخ المفيد قال: روى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سأله عن خراج أهل الذمة وجزيتهم إذا أدوها من ثمن خمورهم وخنازيرهم وميتتهم، أيحلّ للإمام أن يأخذها ويطيب ذلك للمسلمين؟ فقال: «ذاك للإمام وللمسلمين حلال، وهي على أهل الذمة حرام، وهم المحتملون لوزره»[8] . وفي الدعائم عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه رخّص في أخذ الجزية من أهل الذمة من ثمن الخمر والخنازير، «لأن أموالهم كذلك أكثرها من الحرام والربا»[9] .

فلو تمسّكنا بهذا التعليل وهو قوله عليه السلام: «لأن أموالهم كذلك أكثرها من الحرام والربا»، فإننا يمكن أن نستدل بإطلاق ما دلّ على أخذها من أموالهم التي غالبًا تكون كذلك، أي من الحرام، فتكون النتيجة: لا فرق بين الحوالة به وغيره، فيجوز أخذ ثمنها. نعم، لا يجوز أخذ أعيان المحرمات، لأن لحم الخنزير والكلب والخمر لا مالية له عندنا، فيقوم وفقًا لمعاملات أهل الذمة وتُؤخَذ الجزية على ثمنها بلحاظ أهلها، فلا يجوز أخذ الأعيان المحرمة منهم لأنها لا مالية لها عندنا، لكن يجوز أخذ الجزية من أثمان المحرمات لأن لها مالية عندهم. فما دلّ على حرمة هذه الأعيان مطلقٌ، فنتمسك بإطلاقه للمنع من أخذ الأعيان المحرمة.

هذا تمام الكلام في جواز أخذ الجزية من أثمان المحرمات.

مصرف الجزية

ما هو مورد صرف الجزية؟ أما في عصر الحضور وعند بسط اليد، فمصرف الجزية مصرف الغنيمة، والغنيمة تكون للمقاتلين والمجاهدين. فالروايات دلّت على أن مصرف الجزية هو مصرف الخراج، ومورد صرف الخراج هو المجاهدون والمقاتلون. هذا في عصر كون الإمام مبسوط اليد. وأما إذا لم يكن الإمام مبسوط اليد، فمصرفها ما يقوم مقام المقاتلين والمهاجرين، بل قال بعضهم: ذلك إلى الإمام، فيمكنه صرف الجزية على الفقراء والمساكين من سائر المسلمين.

ولنقرأ كلمات الأعلام: فقد صرّح الشيخ الطوسي في المبسوط[10] ، وابن القطان في معالم الدين[11] ، والعلامة الحلي في تحرير الأحكام[12] وقواعد الأحكام[13] ومنتهى المطلب[14] وتذكرة الفقهاء[15] بأنه يستحق الجزية مَن يستحق الغنيمة سواء، فهي للمجاهدين. بل قال الشهيد الأول في الدروس: أن مصرفها عسكر المجاهدين[16] .

وقد مرّ علينا صحيح ابن أبي يعفور رحمه الله وغيره مما يُستفاد منه أن مصرف الجزية هو مصرف ماذا؟ الخراج. فقد جاء في خبر ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام: «إن أعرض الجزية لا تُرفَع عنهم الجزية، وإنما الجزية عطاء المهاجرين»[17] . ونحوه خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام[18] . فقد صرّحت هاتان الروايتان على أن مصرف الجزية المهاجرين، أي المقاتلين الذين هاجروا في سبيل الله للقتال.

ولكن الظاهر أن هذا في حالة بسط اليد، إذا كان الإمام مبسوط اليد ويقود الجيوش. أما اليوم في حالة عدم بسط اليد، فقد ذكر الشيخ الطوسي في النهاية[19] وتبعه ابن إدريس في السرائر[20] ما يلي، والنص: «لمن قام مقام المهاجرين في الدفاع عن الإسلام». بل زاد في السرائر: «ولمن يراه الإمام من الفقراء والمساكين من سائر المسلمين». وقال العلامة في القواعد: «هي للمجاهدين، ومع عدمهم لفقراء المسلمين»[21] . ونحوه ما ذكره عن أجوبة المهنى ابن سنان[22] .

ولعل الوجه فيما ذكروه هو ظهور الأدلة في أن مصرف الجزية الآن هو مصرف خراج الأرض. والظاهر جواز أخذ الجزية من يد الجائر على نحو الخراج، كما يجوز أخذ الخراج من السلطان الجائر، كذلك يجوز أخذ الجزية. وهذه سيرةٌ مستمرةٌ بين الفقهاء والعوام على امتداد الزمان، من أنهم يأخذون الجزية والخراج من يد السلطان الجائر الذي استولى عليها. بل هذا هو صريح النصوص الواردة في ضيافة الرؤوس والأراضي، بل يُستفاد منها جريان حكم الجزية على المأخوذ من يد الجائر بعنوان الجزية كالمأخوذ بعنوان الخراج والزكاة، وحينئذ يكون تقرير الجزية منه كتقرير الإمام عليه السلام بالنسبة إلى ذلك، يعني حصل إمضاء لما يستلمه الجائر.

وقد مرّت علينا الرواية وهي قول الرضا عليه السلام فيما وقع من صلح عمر لبني تغلب، وأنه يجري عليه الحكم حتى يظهر الحق. ذكرنا عدة روايات: الإمام عليه السلام أمضى حكم السلطان إلى أن يظهر الحق. فقد أرسل الصدوق عن الرضا عليه السلام: «أن بني تغلب أنِفوا من الجزية وسألوا عمر أن يعفيهم، فخشي عمر أن يلحقوا بالروم، فصالحهم على أن يصرف ذلك عن رؤوسهم ويضاعف عليهم الصدقات، فعليهم ما صالحوا عليه ورضوا به إلى أن يظهر الحق»[23] .

إذًا هناك إمضاء من الإمام المعصوم لعمل السلطان الجائر المتعلق بالزكاة والخراج والجزية. نعم، ورد في بعض العبارات أن عقد الذمة للإمام ونائبه، بل في المنتهى نفي الخلاف فيه[24] ، وعُلِّلَ بأن عقد الذمة للإمام ونائبه لأنه مؤبّد، فكان النظر إليه فيه. لكن يُراد بهذه العبارات عقد الذمة حال بسط يد الإمام لا مطلقًا.

النتيجة النهائية: تعيين الجزية إلى الإمام، ومصرف الجزية للمهاجرين والمقاتلين، وفي حال عدمهم فإلى تشخيص الإمام. هذا كله في حال بسط اليد. وأما في حال انعدام بسط اليد، فإن تصرفات السلطان الجائر ممضاة، ويكون مصرف الجزية هو ماذا؟ هو المقاتلين إن وُجِدوا، وإن عُدِموا فالفقراء والمساكين.

قال العلامة المجلسي رحمه الله: «إن المشهور عدم تقرير جزية أهل الكتاب، بل ما يراه الإمام أو حاكم المسلمين صلاحًا يقرره»[25] . وكيف كان، إذا تمكّن نائب الغيبة من عقد الجزية ومن تقرير الجزية صحّ وجرى عليه حكم عقد الإمام عليه السلام، المراد يعني الفقيه الجامع للشرائط. فالفقيه ونائب الإمام – النائب العام في عصر الغيبة الكبرى – أولى من الجائر، ولعله هو المراد بالنائب في كلماتهم.

وأما على مبنى ولاية الفقيه المطلقة وأن مطلق مال النبي يكون للفقيه، فهذا واضح جدًّا، فإن تقدير الجزية ومصرفها يرجع إلى الولي الفقيه الجامع للشرائط.

وبعد استعراض هذه الكلمات، نجد من الغريب توقّف المحقق الأردبيلي في حلّ الجزية من الجائر، وأغرب منه احتمال سقوط الجزية عن أهل الذمة في زمن الغيبة[26] ، إذ لا دليل على السقوط، ولا معنى للتوقف بعد إمضاء تصرفات الجائر فيما يتعلق بالخراج والجزية والزكاة.

إلى هنا اتضح ثبوت الجزية.

هل تتداخل الجزية؟

يعني لو عليه جزية سنتين، ثلاث، أربع، خمس، ست سنوات ولم يدفعها، فهل تصبح واحدة أو تتعدد؟

الجواب: الأصل عدم التداخل، فإذا كان في ذمته جزية خمس سنوات وجب عليه أن يدفع جزية خمس سنوات، إلا إذا رأى الإمام عليه السلام المصلحة في دفع جزية واحدة. إذًا لا تتداخل الجزية، فإذا اجتمعت عليه جزية سنتين أو ثلاث مثلًا استُوفِيَت منه أجمع للأصل وهو عدم التداخل، خلافًا لأبي حنيفة الذي قال بأنها تتداخل كالحدود[27] .

وأما الذي يقع عليه عقد الجزية فهو على حسب ما يراه الإمام عليه السلام من نقد أو عروض. فقد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله من نصارى نجران الحُلَل، وأمر معاذًا أن يأخذ من كل حالم دينارًا – تقدّمت الروايات.

وعن علي عليه السلام أنه كان يأخذ الجزية من كل ذي صنعة من متاعه، فيأخذ من صاحب الإبر إبرًا، ومن صاحب المسالّ مسالّاً، ومن صاحب الحبال حبالًا، ثم يدعو الناس فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه، ثم يقول: «خذوا فاقتسموا»، فيقولون: لا حاجة لنا فيه، فيقول: «أخذتم خياره وتركتم شراره لتحملنه»[28] . يعني الناس يأخذون الذهب والفضة، أما حبال وإبرة ما يأخذها، يزهد فيها.

وفي الدعائم عن علي عليه السلام أنه رخّص في أخذ عروض مكان الجزية بقيمة ذلك[29] . دعائم الإسلام أيضًا عن علي عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «من وضع عن ذمّي جزية أو شفع له في وضعها عنه فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين»[30] .

إذًا الجزية لا تسقط. أحيانًا لا تستطيع أخذ الجزية، الشروط الموضوعية لا تساعد على ذلك، وهذا لا يعني أن الجزية تسقط عن أهل الذمة، فالجزية لا تسقط، وأمر ذلك إلى الإمام عليه السلام. هذا تمام الكلام في مقدار الجزية وكميتها.

لكن ما هي شرائط الذمة؟ يأتي عليها الكلام.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

 


[1] . السرائر، ابن إدريس الحلي، ج1، ص474.
[2] . مختلف الشيعة، العلامة الحلي، ج4، ص442.
[3] . الدروس الشرعية، الشهيد الأول، درس 129، ج2، ص34.
[4] . وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج15، ص150، باب70 من أبواب جهاد العدو، الحديث الأول.
[5] . الكافي، الكليني، ج3، ص568، باب صدقة أهل الجزية، الحديث الخامس.
[6] . من لا يحضره الفقيه، الصدوق، كتاب الزكاة، باب الخراج والجزية، حديث 1673، ج2، ص52.
[7] . تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، ج4، ص113، كتاب الزكاة، باب30 الجزية، الحديث الثاني.
[8] . المقنعة، الشيخ المفيد، ص281؛ وسائل الشيعة، ج15، ص154.
[9] . دعائم الإسلام، القاضي النعمان المصري، ج1، ص381، ذكر الصلح والموادعة؛ مستدرك الوسائل، المحدث النوري، ج11، ص123، باب58 من أبواب جهاد العدو، الحديث الأول.
[10] . المبسوط، الشيخ الطوسي، ج1، ص598.
[11] . معالم الدين، ابن القطان، ج1، ص309.
[12] . تحرير الأحكام، العلامة الحلي، ج2، ص216.
[13] . قواعد الأحكام، العلامة الحلي، ج1، ص521.
[14] . منتهى المطلب، العلامة الحلي، ج2، ص973.
[15] . تذكرة الفقهاء، العلامة الحلي، ج9، ص310.
[16] . الدروس الشرعية، الشهيد الأول، ج2، ص41.
[17] . الكافي، الكليني، ج3، ص568؛ وسائل الشيعة، ج15، ص153.
[18] . وسائل الشيعة، ج15، ص153، الحديث الثاني.
[19] . النهاية، الشيخ الطوسي، ج1، ص444.
[20] . السرائر، ابن إدريس الحلي، ج1، ص474.
[21] . قواعد الأحكام، العلامة الحلي، ج1، ص521.
[22] . أجوبة المسائل المهنائية الثانية، العلامة الحلي، مسألة 4، ص118؛ قواعد الأحكام، العلامة الحلي، ج1، ص521.
[23] . من لا يحضره الفقيه، الصدوق، ج2، ص29؛ وسائل الشيعة، ج15، ص172.
[24] . منتهى المطلب، العلامة الحلي، ج2، ص968.
[25] . ملاذ الأخيار شرح الاستبصار، العلامة المجلسي، ج6، ص318.
[26] . مجمع الفائدة والبرهان، المحقق الأردبيلي، ج7، ص518.
[27] . بدائع الصنائع، الكاساني، ج7، ص112؛ المغني، ابن قدامة، ج10، ص598.
[28] . كنز العمال، المتقي الهندي، ج4، ص501؛ المغني، ابن قدامة، ج10، ص578؛ الأموال، أبو عبيد، رقم 117، ص89.
[29] . دعائم الإسلام، ج1، ص381؛ مستدرك الوسائل، ج11، ص121.
[30] . دعائم الإسلام، ج1، ص380؛ مستدرك الوسائل، ج11، ص121.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo