47/11/08
8 ذي القعدة 1447
26 أبريل 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مئة وسبعون): سقوط الجزية وعدمه بموت الذمّي بين المشهور والتحقيق
لو مات الذمي بعد دخول الحول وهو ذمي فهل تسقط الجزية عنه أو لا؟ قولان في المسألة:
القول الأول: إذا مات الذمي بعد الحول وهو ذمي لم تسقط الجزية عنه وأُخذت من تركته كالدَّين. قال صاحب الجواهر: «بلا خلافٍ أجده فيه، كما اعترف به غير واحد، بل ولا إشكال». يُراجَع كلام السيد علي الطباطبائي في رياض المسائل[1] . إذًا القول الأول قد يُدَّعى عليه الإجماع، وهو مشهور شهرةً عظيمة.
القول الثاني: عدم السقوط، وهو لأبي حنيفة النعمان، فالجزية لا تسقط لأنها عقوبة كالحدّ. ومن الواضح أن هذا قياسٌ فاسد، فقياس الجزية على الحدّ يحتاج إلى دليل يُعمِّم حكم الحدّ للجزية[2] .
هذا تمامٌ في الفرع الأول: لو مات الذمي بعد انتهاء الحول وحلول وقت دفع الجزية، فهناك قولان: سقوط الجزية وعدم سقوط الجزية.
الفرع الثاني: لو مات الذمي في أثناء الحول، أيضًا يوجد قولان:
القول الأول: أخذ القسط من تركته. مثلًا: هو مات في نصف السنة، نصف الجزية يكون عليه؛ مات في ثلث السنة، ثلث الجزية يكون عليه. وصرَّح بأخذ القسط من تركته العلامة الحلي في مختلف كتبه[3] ، وحكى هذا القول عن ابن الجنيد الإسكافي في التذكرة والمنتهى. وإن كان لو لم يمت هذا الذمي في أثناء السنة لم يُطالَب بالجزية في الأثناء، على ما صرَّح به العلامة الحلي في المنتهى إذ قال: «ولو لم يمت لم يُطالَب في أثناء السنة مع عقدٍ على أخذها في آخر السنة؛ لأن الالتزام بالشرط واجب»[4] .
وظاهر كلام العلامة الحلي مع هذا الشرط المزبور وجود فرق بين حالي الموت في الأثناء والحياة، فإذا كان حيًّا لا يُؤخَذ منه قسط السنة، وإذا مات في أثناء السنة أُخذ منه القسط. لكن قد يُناقَش ما ذكره العلامة الحلي بأن حقّ الشرط لا يسقط بالموت، إلا إذا قيل بأن هذا من قبيل الأجل الذي يحلّ بالموت. ولكن إن قيل بأنها من قبيل الأجل الذي يحلّ بالموت، يتّجه أخذ جميع الجزية عليه وليس القسط؛ ضرورة كون الجزية دَينًا قد حلّ أجله وهو الموت، فبناءً على هذا الشرط يتعيّن أخذ جميع الجزية لا خصوص القسط.
قد يُقال: إن الجزية إنما هي معاوضة على المكث في أرض المسلمين فهي كالإجارة في التقسيط. فيُقال: هذا مجرد ظنٍّ لا يُغني عن الحقّ شيئًا، فلعلّ الجزية هي عوضٌ عن الدم والعِرض والمال وغيره مما يقتضيه الكفر، فتكون الجزية حينئذٍ كغيرها من الديون. لذلك صرَّح العلامة في المنتهى بضرب الإمام بقدرها كسائر الغرماء لو أفلس أو مات وكانت تركته قاصرة، يكون الإمام أحد الغرماء الذي يُطالِب الميت بالجزية كما يُطالِبه غير الإمام من سائر الغرماء[5] .
القول الثاني: عدم ثبوت القسط، ومال إلى ذلك السيد الخوئي رحمه الله في منهاج الصالحين[6] .
الخلاصة: الفرع الأول: لو مات الذمي بعد انتهاء الحول وحلول وقت دفع الجزية. والفرع الثاني: لو مات الذمي في أثناء الحول، وجب دفع القسط من تركته. هنا يوجد قولان:
القول الأول وهو المشهور، وقد يُدَّعى عليه الإجماع، وهو عدم سقوط الجزية، فتُدفَع بكاملها في الفرع الأول، ويُدفَع قسطها في الفرع الثاني.
القول الثاني: سقوط الجزية.
فما هو الصحيح؟
أقول: من الناحية الصناعية القول الثاني هو الصحيح، فالجزية تسقط بسقوط موضوعها. فدعوى أن الجزية لا تسقط في الفرع الأول وأن القسط يثبت في الفرع الثاني موجودةٌ في بعض كلمات الأصحاب، لكن الأدلة من الكتاب والسنة لا تُثبِت ذلك ولم تتطرّق إلى هذا التفصيل. نعم، ورد عندنا قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[7] ، ويُستفاد من الآية الكريمة أنه يجب على الذمي أن يدفع الجزية وهو ذليلٌ صاغر، فإذا مات انتفى الموضوع، فإذا انتفى الموضوع انتفى الحكم. فمقتضى الصناعة العلمية هو سقوط الجزية في الفرعين.
وأما دعوى أن الجزية كالدَّين أو كالحدّ أو أنها على الأرض أو أنها على النفوس والأعراض، فهذا يحتاج إلى دليل. فإثبات أن الجزية كالدَّين يحتاج إلى دليل، والدليل لم يُصرِّح بذلك، فنقتصر على الآية الكريمة، والآية بمقتضاها ثبوت الجزية عند الحياة، فإذا انتفت الحياة وهي الموضوع انتفى الحكم وهو دفع الجزية. فمن الناحية العلمية والصناعية يكون الصحيح هو القول الثاني، لا لأن الجزية كالحدّ كما قال أبو حنيفة، بل لعدم الدليل الموجب لثبوت الجزية وعدم سقوطها.
نعم، الأحوط هو القول الأول فرارًا من مخالفة المشهور، بل القول الأول الذي قد يُدَّعى عليه الإجماع. فتكون النتيجة: إذا مات الذمي فالأحوط دفع الجزية أو دفع القسط إذا مات في أثناء الحول، وإن كان الأقوى - يعني بحسب الصناعة - وإن كان الأقوى عدم ثبوت الجزية عليه.
وهذا الرأي ذهب إليه سيد أساتذتنا المحققين السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله في منهاج الصالحين[8] قال: «المشهور بين الأصحاب أنه لو مات الذمي وهو ذمي بعد الحول لم تسقط الجزية عنه وأُخذت من تركته كالدَّين، ولكن ذلك مبنيٌّ على أن يكون جعل الجزية من قبيل الوضع كجعل الزكاة والخمس على الأموال، ولازم ذلك هو أن الذمي لو مات في أثناء الحول مثلًا لأُخذت الجزية من تركته بالنسبة، وهذا وإن كان مذكورًا في كلام بعضهم إلا أنه غير منصوص عليه في كلمات المشهور. ومن هنا لا يبعد أن يُقال: إنها ليست كالدَّين الثابت على ذمته حتى تخرج من تركته بعد موته مطلقًا، بل المستفاد من الدليل هو أن الواجب عليه إنما هو الإعطاء عن يدٍ وهو صاغر، فإذا مات انتفى بانتفاء موضوعه، وبذلك يظهر حال ما إذا مات في أثناء الحول، بل هو أولى بالسقوط». انتهى كلامه، زِيد في علوّ مقامه رحمه الله.
فرعٌ ثالث: لو كان الإمام عليه السلام قد استسلف الجزية من الذمي فمات، ردها على وارثه. وقيل أيضًا بالنسبة إلى الفرعين السابقين: لو لم يُخلِّف الذمي شيئاً لم يُطالَب وارثه، كما أنه لو مات قبل دخول الحول لم يُؤخَذ من تركته شيءٌ.
والبحث في استسلاف الإمام من الذمي، والمراد باستسلاف الجزية: أخذ الإمام لها قبل زمان حلولها. وقد صرَّح غير واحدٍ بجواز ذلك[9] . ولكن الاستسلاف إنما يكون مع التراضي بين الإمام والذمي، فيحقّ للذمي الامتناع عن دفع الجزية كسلفٍ ودَين؛ إذ ليس على الذمي شيءٌ آخر إذا أدّى الجزية، كما صرَّح به غير واحدٍ، بل هو ظاهر الكتاب والسنة[10] .
ولو استسلف الإمام من الذمي ثم أسلم الذمي في أثناء الحول، ففي المنتهى للعلامة الحلي: «رُدَّ عليه قسط باقي الحول». قال: «وهل يُراد لما مضى؟ الأقرب عدمه، والفرق بين أن يُؤخَذ منه وأن لا يُؤخَذ منه ظاهر؛ لتحقق الصغار للمسلم في الثاني دون الأول»[11] .
لكن هذا الكلام قابلٌ للمناقشة والتحليل:
فإن كان المراد بالاستسلاف الاستقراض إلى وقت استحقاق الجزية، فحينئذٍ يتّجه الردّ لسقوطها حينئذٍ بالإسلام، فيبقى القرض على حاله، أي أن الإمام قد اقترض من الذمي، والذمي أسلم فسقطت عنه الجزية لتغيّر موضوع الجزية وهو الذمي، فيبقى الدَّين على حاله، فيجب على الإمام أن يردّ ما استسلفه من دَينٍ إلى المسلم الذي كان ذميًّا. هذا الاحتمال الأول.
الاحتمال الثاني: لو كان السلف الذي أخذه الإمام عليه السلام جزيةً، غاية ما في الأمر أن الإمام قدّمها، أمكن القول بعدم الردّ، مع أنه لا يخلو من نظر، بل منع؛ لأن الذمي لا يجب عليه دفع جزية في أثناء الحول فيظهر عدم استحقاق الجزية بالإسلام في أثناء الحول.
ولا فرق في سقوط الجزية بالإسلام بين أن يكون الداعي إلى إسلامه هو سقوط الجزية أو أي داعي آخر؛ لإطلاق الأدلة المعتضد بحكمة وضع الجزية على الذمي، وهي أن يشعر بالضيق فيُسلِم. خلافًا للشيخ الطوسي في تهذيبه[12] فلم يُسقِط الجزية في حالة إسلامه طمعًا في سقوط الجزية.
وما أفاده رحمه الله قابلٌ للمناقشة؛ لأنه يوجد فرقٌ واضح بين فرض المسألة وهو إسلام الذمي في أثناء الحول، وبين إسلام الذمي الزاني بمسلمة لكي يسقط القتل عنه. ففي الفرض الثاني لا يُقبَل، بخلاف الفرض الأول أنه أسلم لإسقاط الجزية لا لإسقاط القتل، والله العالم.
جواز أخذ الجزية من أثمان المحرمات، يأتي الكلام عليه.
وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.