47/11/04
4 ذي القعدة 1447
22 أبريل 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مئة وتسعة وستّون): تكرار الجزية في كلّ سنة
ظاهر الفتاوى تكرار الجزية في كل حول، بل ادّعى صاحب الجواهر[1] أن ظاهر النصوص والفتاوى تكرار الجزية في كل حول، وأن حالها حال الزكاة والخراج الذي على الأرض، بل تكرار الجزية في أرض أهل الذمة ضرب من الزكاة والخراج على أرض أهل الذمة.
بل ربما يُدّعى أن المنساق من النصوص والفتاوى أن الجزية تجب في الحول، كما صرّح به العلامة الحلي في المنتهى حاكيًا لهذا القول عن الشافعي أيضًا[2] ، خلافًا لأبي حنيفة فقال: إن الجزية تجب في كل حول في أوله[3] .
ودعوى أبي حنيفة من وجوب الجزية في أول الحول مخالف لما يُستفاد من النصوص من كون الجزية تُجبى كجباية الخراج[4] .
وقد مرّ علينا في خبر مصعب أنها تجب في السنة، إذ جاء في آخرها قال: «فجبيتها ثمانية عشر ألف ألف درهم في سنة»[5] .
بل النصوص الواردة في الخراج كالصريحة في كون جزية الرؤوس على نحو ذلك أي في آخر الحول[6] .
بل المفهوم من سيرة العمّال الذين يجبون الجزية آنذاك، وقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[7] لا يقتضي أزيد من استحقاق الجزية ولو تحقق ذلك في آخر الحول.
أقول: لو راجعنا الفتاوى وكلمات الفقهاء لوجدنا أن ظاهرها أن الجزية تثبت في كل عام وحول، لكن إثبات ذلك من النصوص والروايات صعب وبعيد جدًا، فنبقى على عمومات الأدلة التي دلّت على أن تحديد الجزية قلة وكثرة يرجع إلى تقدير الإمام المعصوم عليه السلام، وبالتالي له أن يجعل الجزية في كل عام وله أن يجعل الجزية في كل عامين، فالإمام عليه السلام هو الذي يُقدّر المصلحة.
نعم، إذا كان حال الجزية حال الزكاة والخراج وغيرهما من الضرائب التي ضربت على الأرض فإنها تُجبى في نهاية المدة كالحول أو الحولين لا في بداية المدة.
وما ذهبنا إليه موافق لما ذهبنا إليه سيد أساتذتنا السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله في منهاج الصالحين[8] إذ قال: «ظاهر فتاوى الأصحاب وكلماتهم أن الجزية تُؤخذ سنة بعد سنة وتتكرر بتكرر الحول، ولكن إثبات ذلك بالنصوص مشكل جدًا، فالصحيح أن أمرها بيد الإمام عليه السلام، وله أن يضع الجزية في كل سنة، وله أن يضعها في أكثر من سنة مرة واحدة حسب ما فيه من المصلحة». انتهى كلامه زيد في علو مقامه.
فرعٌ: لو أسلم الذمي قبل الحول أو بعده قبل أداء الجزية، فهل تسقط الجزية بإسلام الذمي أو لا؟ ومن خلال هذا السؤال يتضح وجود فرعين:
الفرع الأول: لو أسلم الذمي قبل حلول الحول.
الفرع الثاني: لو أسلم الذمي بعد حلول الحول وقبل الأداء، فما هي الأقوال في المسألة؟
أما الفرع الأول وهو إسلام الذمي قبل حلول حول الجزية، فإن الجزية تسقط قطعًا.
قال صاحب الجواهر رحمه الله[9] : «بل لا أجد فيه خلافًا في الأول - أي الإسلام قبل الحول - بل في المنتهى ومحكية التذكرة الإجماع عليه، وهو الحجة»[10] .
وأما الفرع الثاني وهو إسلام الذمي بعد حلول حول الجزية ولكن قبل أدائها، فإن الجزية تسقط أيضًا، وهو المشهور شهرة عظيمة[11] .
بل قال السيد ابن زهرة بالإجماع[12] .
ثم عقّب صاحب الجواهر: «ولعله كذلك، إذ لا أجد فيه خلافًا إلا ما عساه يظهر من مفهوم عبارة الحلبي المحكية في المختلف، قال: لو أسلم قبل حلول الحول سقطت عنه بقية الجزية»[13] .
ولعله غير مرادٍ للحلبي، ولو كان أبو الصلاح الحلبي يرى ذلك في الثاني لكان مخالفًا في الأول بالنسبة إلى ما مضى منها، ولم يحكِ أحد عن الحلبي أنه قال ذلك بالنسبة إلى الفرع الأول.
نعم، هو أحد قولي الشافعي[14] .
ولو فرضنا أن رأي أبي الصلاح الحلبي كرأي الشافعي فهو مخالفٌ للإجماع ودعوى الشهرة العظيمة.
إذًا هذا الخلاف الأول الذي نُسب إلى الحلبي.
الخلاف الثاني: ما حكاه العلامة الحلي عن الشيخ الطوسي في الخلاف[15] .
ثم عقّب صاحب الجواهر قائلًا: «ولم نتحققه، خصوصًا بعد أن حكى هو عنه السقوط، وإن كان يحتمل كونه في غير الخلاف» - يعني نفس العلامة الحلي نقل عن الشيخ الطوسي دعوى سقوط الجزية.
على كل حال، على افتراض أن شيخ الطائفة الطوسي خالف وكذلك أبو الصلاح الحلبي، فدعواهما مخالفة للإجماع ودعوى الشهرة والروايات النبوية التي سنذكرها.
أقول: من الناحية العلمية والصناعية لا شك ولا ريب في سقوط الجزية؛ إذ أن الحكم عدمٌ عند عدم موضوعه، فإذا تغيّر الموضوع تغيّر الحكم.
وآية الجزية: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[16] ، موضوعها الكافر الكتابي، وموضوعنا هنا هو المسلم؛ إذ أن الكتابي قد أسلم قبل إعطاء الجزية سواء حال عليه الحول أو لم يحل، فهنا قد تبدّل الموضوع.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون قد أسلم لكي يتجنب دفع الجزية أو لأي شيء آخر، فالمهم هو النتيجة وهو أن الموضوع قد تغيّر وانتقل من الكفر إلى الإسلام، فتكون النتيجة هي سقوط الجزية قطعًا من دون حاجة إلى التمسك بالإجماع أو الشهرة أو الآيات أو الروايات.
وما ذهبنا إليه موافق لما ذهب له المحقق المدقق سيد أساتذتنا السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله في منهاج الصالحين[17] إذ قال في مسألة خمسة وسبعين ما نصّه: «إذا أسلم الذمي قبل تمامية الحول أو بعد تماميته وقبل الأداء سقطت عنه؛ بسقوط موضوعها، فإن موضوعها حسب ما في الآية الكريمة وغيرها هو الكافر، فإذا أصبح مسلمًا ولو بعد الحول سقطت الجزية عنه ولا عليه تأديتها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون هو الداعي لقبوله الإسلام أو يكون الداعي له أمرًا آخر». انتهى كلامه زيد في علو مقامه.
هذا هو مقتضى التحقيق: الحكم عدمٌ عند عدم موضوعه.
وقد يُستدل على انتفاء الجزية بأدلة قابلة للخدشة والمناقشة كدعوى الإجماع والشهرة العظيمة، فقد يُقال بعدم حجية الإجماع المنقول وعدم حجية الشهرة.
وقد يُستدل على ذلك بالحديث النبوي، فيُقال: إنه ضعيف لأنه قد ورد عن طريق العامة.
ولا بأس بذكر هذه الأدلة التي ذكرها صاحب الجواهر، فقد ذكر نبويين مستغنيين عن البحث في سنديهما بسبب شهرتهما نقلًا وعملًا:
أحدهما: «الإسلام يجبّ ما قبله»[18] .
والآخر: «ليس على المسلم جزية»[19] .
المعتضدين بالإجماع المنقول.
وقد يُستدل أيضًا بنبوي ثالث وهو: «لا ينبغي للمسلم أن يؤدي الخراج» - يعني الجزية[20] .
وقد يُستدل على سقوط الجزية بإسلام الذمي بقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾[21] .
وبأن وضع الجزية إنما هو للصَّغار والذلة والإهانة لترغيبهم في الإسلام، والمسلم منزّه عن الصَّغار والإذلال والإهانة.
كما قد يُستدل بأن دليل وجوب إعطاء الجزية ظاهر في الإعطاء، ومن المعلوم عدمه في المسلم.
فإذا تمت هذه الأدلة المحرزة والنقلية من الكتاب والسنة فهي أدلة اجتهادية، لا تصل النوبة إلى الأدلة الفقاهتية كالاستصحاب، فيُقال: إن الكافر الذمي كان على يقين من وجوب الجزية عليه، وبعد إسلامه قبل الحول أو بعد الحول وقبل الأداء يشك في بقاء وجوبها عليه، فيجري الاستصحاب: لا تنقض اليقين بالشك، فإذا تمسكنا بالأدلة المحرزة والاجتهادية فتكون حينئذ حاكمة على الاستصحاب الذي هو أصل عملي أو دليل فقاهتي.
والتحقيق أنه لا تصل النوبة إلى الاستصحاب نظرًا لتغير الموضوع، فوجوب الجزية المتيقن موضوعه الكافر الذمي، والشك في بقاء وجوب الجزية موضوعها المسلم الذي كان ذميًا، فتغيّر الموضوع فلا يجري الاستصحاب. وبتغير الموضوع لا يجري الاستصحاب، ولا نحتاج إلى الاستدلال بالآيات والروايات، فينتفي الحكم تلقائيًا: الحكم عدمٌ عند عدم موضوعه.
ومن هنا يُعلم بطلان هذه الدعوى وهي أن الجزية من الديون التي لا يجبّها الإسلام.
ويُدفع هذه الدعوى ظهوره في جبّ الإسلام ما كان يقتضيه الكفر، والجزية وإن كانت كالدين إلا أنها من مقتضيات الكفر الذي جبّه الإسلام.
النتيجة النهائية: إذا أسلم الذمي قبل أداء الجزية سقطت عنه نظرًا لتغير الموضوع، فموضوع وجوب الجزية هو الكافر الذمي وقد انتفى، فينتفي الحكم بانتفاء موضوعه، والله العالم.
فرعٌ آخر: لو مات الذمي بعد الحول وهو ذمي… يأتي عليه الكلام.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، وارحمنا بمحمد وآل محمد، واستر علينا.