47/11/02
2 ذي القعدة 1447
20 أبريل 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مئة وسبعة وستّون): جواز وضع الجزية على الرؤوس أو الأرض
قال صاحب الشرائع رحمه الله المحقق الحلي: «ويجوز وضعها على الرؤوس أو على الأرض»[1] ، وعلّق صاحب الجواهر في جواهر الكلام قائلًا: «بلا خلاف أجده فيه»[2] ، يُراجع أيضًا رياض المسائل[3] ، «بل ولا إشكالًا بعد الأصل» أصالة الجواز «والعمومات كتابًا وسنة وخصوص النصوص المتضمنة لإثبات كل منهما».
إذًا يجوز وضع الجزية على الرؤوس أي على كل رأس وكل فرد، أو على الأراضي، أو على المواشي، ولكن هل يجوز الجمع بينهما؟ بأن يضع الجزية على الرؤوس والأرض معًا؟ قولان في المسألة:
القول الأول: عدم جواز الجمع بينهما.
وقد ذهب إلى ذلك الشيخ الطوسي في النهاية إذ قال: «الإمام مخيّر بين أن يضعها على رؤوسهم أو على أرضهم، فإن وضعها على رؤوسهم فليس له أن يأخذ من أراضيهم شيئًا، وإن وضعها على أراضيهم فليس له أن يأخذ من رؤوسهم شيئًا»[4] .
ونحوه ما ذكره ابن إدريس الحلي في السرائر[5] ، وقد صرّح بذلك ابن حمزة في الوسيلة إذ قال: «ويضع الجزية على الرؤوس أو على الأرض ولا يجمع بينهما»[6] .
وظاهر هذه الأقوال الثلاثة للشيخ الطوسي وابن إدريس وابن حمزة في الوسيلة: عدم جواز الجمع في الجزية بين الرؤوس والأراضي، بل هذا هو ظاهر السيد ابن زهرة في الغنية[7] ، بل حكى العلامة الحلي في المختلف هذا القول عن القاضي ابن البراج واختاره العلامة الحلي[8] .
إذًا هذه أقوال خمسة تقول بعدم جواز الجمع بين الجزية على الرؤوس والأراضي معًا.
القول الثاني: جواز الجمع ابتداءً.
والقائل هو ابن الجنيد الإسكافي على ما حكى عنه العلامة الحلي في مختلف الشيعة[9] ، والتقي أبو الصلاح الحلبي في الكافي[10] ، وتبعهما أكثر المتأخرين كالعلامة الحلي في تحرير الأحكام[11] ، والشهيد الأول في الدروس الشرعية[12] ، والمحقق الكركي في جامع المقاصد[13] ، والشهيد الثاني في الروضة البهية[14] .
وقد رجّح المحقق الحلي في الشرائع القول الثاني فقال: «وقيل بجوازه ابتداءً وهو الأشبه» أي بأصول المذهب وقواعده، إذ دلّت الأدلة على أن تقدير الجزية يرجع إلى الإمام كمًّا وكيفًا، وهذا هو مقتضى الأصل في المسألة، وهو المناسب للصَّغار ولِما دلّ على مشروعية العقود بالتراضي.
هذا تمام الكلام في عرض الأقوال في المسألة.
أقول: الصحيح هو القول الثاني، إذ دلّت الأدلة على أنه لا حد للجزية قلة وكثرة، وأن تقديرها بيد الإمام المعصوم عليه السلام، فله أن يضع الجزية على الرؤوس فقط، وله أن يضع الجزية على الأراضي فقط، وله أن يضع الجزية على الرؤوس والأراضي معًا، وله أن يضع الجزية على الأراضي والرؤوس بنحو التشريك بحيث يكون قسم من الجزية في مقابل الرؤوس وقسم من الجزية في مقابل الأراضي، فالإمام عليه السلام يقدّر الجزية وفقًا للمصلحة التي يراها.
لكن قد يُقال: إن هذا يتعارض مع صحيحتَي محمد بن مسلم عن الإمام الصادق عليه السلام، إذ دلّ مضمونهما أن الإمام إذا أخذ الجزية على الرؤوس لا يأخذ الجزية على الأراضي، فيُستفاد منهما عدم جواز أخذ الجزية عليهما معًا.
أقول: ظاهر هاتين الصحيحتين، بل صحيحة ثالثة أيضًا لابن مسلم، هو تعدد الجزية؛ أي أن الإمام إذا أخذ جزية واحدة على أساس الرؤوس لا يصح أن يأخذ جزية ثانية على أساس الأراضي، لأن الجزية واحدة لا تتعدد. فهذه الجزية الواحدة إما أن تُؤخذ على أساس الرؤوس وإما أن تُؤخذ على أساس الأراضي، ولا تعدد في الجزية.
فإذا تم الاتفاق بين الإمام عليه السلام وأهل الذمة على جزية معيّنة واحدة وجب الوفاء بالعهد والشرط، وبالتالي لا يصح أن تُؤخذ جزية أخرى. ولعل هذا هو السر في قولهم بجواز الجمع ابتداءً، أي أنه قبل أن تدفع أول جزية يجوز الجمع بين الجزية على الرؤوس والأراضي معًا، لكن إذا ابتدء بجزية على الرؤوس فقط أو بجزية على الأراضي فقط، فإنه لا يصح بعد ذلك أخذ جزية أخرى.
فالمراد بجواز الجمع ابتداءً: أي أنه تؤخذ جزية واحدة، وأن الجزية لا تتعدد.
ومن هنا يتضح إمكان الجمع بين القول الأول والقول الثاني؛ إذ أن الأعلام الخمسة: الطوسي، وابن إدريس، وابن حمزة، والقاضي ابن البراج، والعلامة في المختلف، حينما ذهبوا إلى التخيير وعدم جواز الجمع يحمل عدم جواز الجمع على تعدد الجزية. بينما القول الثاني لابن الجنيد الإسكافي وأبي الصلاح الحلبي، الذي يرى إمكان الجمع ابتداءً لا استمرارًا، ناظرٌ أيضًا إلى وحدة الجزية وعدم تعددها، فيكون الاختلاف بين القولين مجرد اختلاف لفظي.
وهذا ما أشار إليه ابن فهد الحلي في المهذب البارع[15] .
وسنقرأ جميع هذه النصوص وكلمات الأعلام لنرى أنه يمكن الجمع بينها، والزبدة والخلاصة: أن تقدير الجزية مرجعه إلى الإمام عليه السلام، والجزية واحدة لا تتعدد، فإذا أخذ الإمام جزية واحدة على الرؤوس والأراضي معًا بنحو التقسيم أو غير ذلك جاز له ذلك، وتشمله عمومات الأدلة «المؤمنون عند شروطهم»[16] ، ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾[17] ، وهذا راجع إلى تقديره واتفاقه مع أهل الذمة، فهو يتفق معهم بما فيه الغبطة والمصلحة وبما يحقق الصَّغار والذلة لهم.
من هنا رجّح صاحب الجواهر أعلى الله في الخلد مقامه القول الثاني[18] .
إذاً القول الثاني الذي يرى جواز الجمع في الجزية بين الرؤوس والأراضي لا ينافيه صحيح محمد بن مسلم الأول عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قلت له: أرأيت ما يأخذ هؤلاء من الخمس من أرض الجزية ويأخذون من الدهاقين جزية رؤوسهم، أما عليهم في ذلك شيء موظف؟
قال عليه السلام: «كان عليهم ما أجازوا على أنفسهم، وليس للإمام أكثر من الجزية، إن شاء وضع الإمام على رؤوسهم وليس على أموالهم شيء، وإن شاء فعل أموالهم وليس على رؤوسهم شيء».
فقلت: هذا الخمس؟
فقال: «إنما هذا شيء كان صالحهم عليه رسول الله صلى الله عليه وآله»[19] .
فهذا الحديث ظاهر في أن المراد عدم جواز أخذ الإمام من الرؤوس أو الأرض بعد العقد منهم على أحدهما، المجمع عليه نقلًا وتحصيلًا، بل هو مقتضى الوفاء بالعقد والشرط كما ذكر ذلك صاحب الجواهر رضوان الله عليه[20] .
وهذا أيضاً ظاهرٌ من صحيح محمد بن مسلم الثاني قال: سألتُه عن أهل الذمة ماذا عليهم فيما يحقنون به دماءهم وأموالهم؟
قال: «فإن أخذ من رؤوسهم الجزية» لاحظ الماضي فإن أخذ يعني الجزية تمت «فلا سبيل له على أرضهم، وإن أُخذ من أرضهم فلا سبيل له على رؤوسهم»[21] .
بل لو راجعنا صحيح محمد بن مسلم الأول وتأملنا في قوله عليه السلام: «عليهم ما أجازوا على أنفسهم»، فإن هذا يُظهر منه صحة العقد معهم عليهما، فيها عموم، عليهم ما أجازوا على أنفسهم؛ فقد يجيزون على أنفسهم الجزية في الاثنين معًا: في الرؤوس والأراضي معاً.
ونتمسك أيضاً بالعمومات الدالة أن تقدير الجزية يرجع إلى الإمام عليه السلام.
ومن هنا يتضح ضعف الاستدلال بصحيح محمد بن مسلم الأول والثاني على خصوص القول الأول، بل يظهر من هاتين الروايتين أن المراد عدم جواز تعدد الجزية.
قال العلامة الحلي في المختلف بعد أن اختار القول الأول عدم جواز الجمع، واستدل للقول الثاني بما نصه: «بأن الجزية لا حد لها فجاز أن يضع قسطًا على أرضهم». ثم قال: «والجواب: ليس النزاع في تقسيط جزية على الرؤوس والأرض، بل في وضع جزيتين عليهما»[22] .
وظاهر كلامه المفروغية عن جواز تقسيط الجزية على الرؤوس والأموال معاً، وإن النزاع إنما هو في خصوص الجزيتين.
وقال العلامة الحلي في المنتهى: «ويتخير الإمام في وضع الجزية، إن شاء على رؤوسهم وإن شاء على أرضهم، وهل يجوز أن يجمع بينهما فيأخذ منهم عن رؤوسهم شيئًا وعن أرضهم شيئًا؟ قال الشيخان وابن إدريس: لا يجوز ذلك، وقال أبو الصلاح: يجوز الجمع بينهما، وهو الأقوى عندي»[23] .
وكلامه كالصريح في كون النزاع في توزيع الجزية على الأرض والرؤوس. وإن شئت سميتها جزيتين.
لكن على معنى إيقاع العقد عليهما ابتداءً، يعني يوقع العقد على الرؤوس والأراضي ابتداءً بحيث يحصل رضا من الإمام ومنهم، فهذا جائز. هذا ما يصير جزيتين هذا جزية واحدة، لا على وجه التعدد.
ولعل هذا هو المراد من الابتداء في عبارة المحقق الحلي رضوان الله عليه.
إذاً صحيحة محمد بن مسلم الأولى والثانية ناظرة إلى تعدد الجزية، لا صورة وحدتها.
وقد ذهب إلى هذا الفهم والرأي سيد أساتذتنا السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله في منهاج الصالحين[24] ، والسيد عبد الأعلى السبزواري في مهذب الأحكام[25] ، والسيد محمد صادق الروحاني في فقه الصادق[26] .
فلو راجعنا أبحاث هؤلاء الفقهاء لوجدنا أنهم قد حملوا صحيحة محمد بن مسلم الأولى والثانية على تعدد الجزية، فنتمسك بالعمومات الدالة على أن الجزية أمرها إلى الإمام عليه السلام.
قال ابن فهد الحلي في المهذب البارع: «ويظهر لي أن النزاع لفظي، لأن عقد الجزية إن تضمن تعيين أحدهما لم يجز تعديته إلى غيره إجماعًا، وإن لم يتضمن التعيين جاز للإمام أن يأخذ منهما ومن أحدهما لعدم المانع، ولأن الجزية إذا لم تكن مقدّرة لم يكن لقصرها على أحد المذكورين معنى، لأنه جاز أن يأخذ من الرؤوس ما يمكن أن يأخذ منهما ويزيد عليه، إذ ليس لها قدر معين لا يجوز تخطيه»[27] .
إذاً النتيجة النهائية: نتمسك بالأصول والعمومات التي تدل على أن أمر الجزية إلى الإمام عليه السلام.
نعم، لو أن الإمام تعاقد معهم على جزية على الرؤوس فقط، أو على الأراضي فقط، لم يجز له أن يأخذ جزية أخرى على الرؤوس أو الأراضي، لأن هذا خلف للعهد وخلف الوفاء بالشرط.
فإذا فرض تعيين الجزية في الأراضي خاصة أو على الرؤوس خاصة في ابتداء عقد الذمة اتجه عدم جواز تغييره وتبديله لعموم الوفاء بالعقد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾[28] ، الرواية: «المؤمنون عند شروطهم»[29] .
هذا تمام الكلام في جواز وضع الجزية على الرؤوس أو الأرض أو الماشية أو غير ذلك، فتقدير الجزية راجع إلى الإمام عليه السلام بما يحقق المصلحة للإسلام والمسلمين، والصَّغار والذل للكفار وأهل الذمة، والله العالم.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.