47/08/26
26 شعبان 1447
15 فبراير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وخمسة وستون): هل تسقط الجزية عن المجنون الأدواري؟
ذكرنا أن المجنون المطبق لا جزية عليه بلا خلاف ولا إشكال. وأما المجنون الأدواري الذي يفيق وقتًا ويجن في وقت آخر، فقد ذُكرت فيه عدة أقوال، تطرقنا إلى ثلاثة منها.
القول الأول: للشيخ الطوسي في المبسوط والخلاف، إذ قال: يُعمل بالأغلب، فإن كان في أغلب السنة مفيقًا أُخذت عليه الجزية، وإن كان في أغلب السنة أو الأيام مجنونًا سقطت عنه الجزية.
القول الثاني: للعلامة الحلي رحمه الله، إذ قال بالتفصيل فقال: إذا كان الجنون غير مضبوط فإنه يُعمل
بالأغلب، كما في المنتهى والتذكرة والتحرير.
وأما إذا كان جنونه مضبوطًا بأن يُعلم مثلًا أنه يجن خمسة أيام ويفيق يومين، ففيه احتمالان: الأول الأخذ بالأغلب، الثاني تلفيق أيام الإفاقة.
القول الثالث: وهو قول الشهيد الثاني في المسالك: إن المجنون لا جزية عليه مطلقًا، إلا أن تتحقق له إفاقة سنة متوالية لإطلاق النصوص[1] .
والتحقيق: الأخذ بالصدق العرفي، فالمجنون الأدواري الذي يفيق تارة ويجن تارة أخرى ماذا ينظر إليه العرف؟ فإن صدق عليه أنه معتوه أي ضعيف العقل، فحينئذ تسقط عنه الجزية، فقد دلت الرواية المعتبرة على سقوط الجزية عن المعتوه. لكن لو لم يصدق عليه أنه معتوه وبقي سنة كاملة من دون جنون بحيث نظر إليه العرف أنه كتابيّ بالغ عاقل، فحينئذ تشمله عمومات أخذ الجزية من أهل الكتاب.
فالمدار على الصدق في تشخيص أن المجنون الأدواري معتوه أو لا؟ فإن ثبت أنه معتوه سقطت عنه الجزية، وإن لم يصدق عليه أنه معتوه يُلحظ ما إذا بقي سنة كاملة عاقلًا ولم يجن، فحينئذ تجب عليه الجزية؛ لأن عمومات أدلة الجزية تشمله.
وهذا ما ذهب إليه سيد أساتذتنا السيد أبو القاسم الخوئي أعلى الله في الخلد مقامه، ووافقه عليه سيدنا الأستاذ السيد محمود الهاشمي الشاهرودي رحمه الله[2] .
فقال السيد الخوئي: «مسألة تسعة وستين: تقدم عدم وجوب الجزية على المجنون مطبقًا، وأما إذا كان أدواريًّا فهل تجب عليه أو لا؟ فيه تفصيل وجوه. وعن شيخ الطائفة الشيخ الطوسي قدس سره اختيار التفصيل، بدعوى أنه يُعمل في هذا الفرض بالأغلب، فإن كانت الإفاقة أكثر وأغلب من عدمها وجبت الجزية عليه، وإن كان العكس فبالعكس.
ولكن هذا التفصيل بحاجة إلى دليل، ولا دليل عليه. فالعبرة حينئذ إنما هي بالصدق العرفي، فإن عُدّ لدى العرف معتوهًا لم تجب عليه الجزية، وإلا وجبت. ففي معتبرة طلحة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «جرت السنة أن لا تؤخذ الجزية من المعتوه ولا من المغلوب عليه عقله»[3] . نعم، لو أفاق حولًا كاملًا وجبت الجزية عليه في هذا الحول على كل حال»[4] .
ويمكن أن يُستدل على عدم وجوب الجزية على المجنون الأدواري بدليل آخر ثابت عند السيد الخوئي، لكنه قابل للمناقشة عندنا، وهو التمسك بخبر حفص، إذ أن خبر حفص دل على سقوط الجزية عن المجنون، ويمكن أن يُتمسك بإطلاق المجنون.
وخبر حفص ليس بمعتبر، لكن يوجد له طريق آخر معتبر وهو طريق الشيخ الصدوق إلى حفص، فالسيد الخوئي رحمه الله يرى رواية حفص معتبرة بالنظر إلى الطريق الثاني وهو طريق الصدوق إلى حفص.
فإذا ثبت أن رواية حفص معتبرة، والسيد الخوئي يبني على أن موضوع الحجية للخبر هو الوثاقة، وأن الشهرة العملية ليست جابرة ولا كاسرة، فعمل الأصحاب بالخبر الضعيف لا يجبر ضعف الخبر الضعيف، إذ أنه من ضم اللا حجة إلى اللا حجة. فالخبر الضعيف ليس بحجة، وعمل الأصحاب ليس بحجة، فيكون ضم الشهرة العملية إلى الخبر الضعيف هو من ضم اللا حجة إلى اللا حجة، فيبقى الخبر الضعيف على وهنه. كما أن إعراض الأصحاب عن الخبر الصحيح والمعتبر ليس بكاسر لقوة الخبر، إذ أن موضوع الحجية قد تحقق وهو كون المخبر ثقة، وإعراض الأصحاب لا يوجب وهن الخبر بعد أن تحقق موضوع الحجية وهو الوثاقة.
بخلاف ما نبني عليه وهو حجية الخبر الموثوق وفاقًا للقدماء والشيخ الأعظم الأنصاري، وما ينسب للسيد علي السيستاني، من أن موضوع الحجية هو الوثوق وليس خصوص كون المخبر ثقة. نعم، من أبرز أمارات الوثوق كون المخبر ثقة، وهذا لا يعني أن موضوع حجية الخبر هو خصوص الوثاقة، بل موضوع الحجية هو الوثوق، والوثاقة من أبرز علامات الوثوق.
وبالتالي تكون الشهرة جابرة كاسرة وفاقًا للمشهور، لأن الخبر إذا كان ضعيفًا وعمل به الأصحاب، فحينئذ يحصل الوثوق والاطمئنان باعتبار الخبر. وبالعكس، لو كان الخبر صحيح السند وأعرض عنه الأصحاب، فحينئذ يُسلب الوثوق عن هذا الخبر.
وخبر حفص قد عمل به الأصحاب في صدره، وهذا يثبت سقوط الجزية عن المجانين والصبيان والنساء، ولم يعمل الأصحاب بذيله، إذ ورد فيه سقوط الجزية عن الشيخ الكبير الفاني والمقعد والأعمى.
ومن هنا ذهب السيد الخوئي رحمه الله إلى سقوط الجزية عن المقعد والأعمى والشيخ الهرم الفاني من أهل الكتاب، لأنه يرى اعتبار خبر حفص. ولم نذهب إلى سقوط الجزية عنهم، لأنهم وإن وردوا في خبر حفص، لكن ذيل خبر حفص لم يعمل به الأصحاب، وهذا الخبر كان بمسمع ومرأى منهم.
فتكون النتيجة: سقوط الجزية عن النساء والمجانين مطلقًا والصبية، وعدم سقوط الجزية عن الشيخ الكبير الفاني الهرم والمقعد والأعمى. نعم، المجنون بالجنون الأدواري لو خرج عن صدق عنوان المجنون أو المعتوه، فحينئذ تثبت الجزية في حقه، والله العالم.
قال السيد الخوئي: «مسألة ستة وستين: الأقوى أن الجزية لا تؤخذ من الصبيان والمجانين والنساء، وذلك لمعتبرة حفص بن غياث التي تدل على كبرى كلية، وهي أن أي فرد لم يكن قتله في الجهاد جائزًا لم توضع عليه الجزية. فقد سأل أبا عبد الله عليه السلام عن النساء: كيف سقطت الجزية عنهن ورُفعت عنهن؟ قال: فقال: «لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل النساء والولدان في دار الحرب… إلى أن قال: ولو امتنعت أن تؤدي الجزية لم يمكن قتلها، فلما لم يمكن قتلها رُفعت الجزية عنها… إلى أن قال: وكذلك المقعد من أهل الذمة والأعمى والشيخ الفاني والمرأة والولد في أرض الحرب، فمن أجل ذلك رُفعت عنهم الجزية»[5] . وتدل على ذلك في خصوص المجانين معتبرة طلحة بن زيد الآتية… إلى أن يقول: وأما الشيخ الهمّ والمقعد والأعمى، فالمشهور بين الأصحاب أنه تؤخذ الجزية منهم لعموم أدلة الجزية وضعف رواية حفص، ولكن الأقوى عدم جواز أخذها منهم، فإن رواية حفص وإن كانت ضعيفة في بعض طرقها، إلا أنها معتبرة في بعض طرقها الأخر وهو طريق الصدوق إليه، وعليه فلا مانع من الاعتماد عليها في الحكم المزبور»[6] ، انتهى كلامه زيد في علو مقامه.
وهنا أشير إلى نكتة بالنسبة إلى كلمات السيد الخوئي: ففي كلماته الأخيرة في أواخر عمره الشريف أكثر من التعبير بـ «معتبرة»، بخلاف كلماته في بداية شبابه، فقد كان يعبر بـ «صحيحة» أو «حسنة» أو «موثقة»، فكان يركز كثيرًا على صحة السند أو ضعفه وبيان وجه الصحة من أنه صحيح أو حسن أو موثق. لكن في أواخر عمره يعبر بـ «معتبرة» وأن «هذه الرواية ليست بمعتبرة».
وهذا منهج القدماء من تقسيم الحديث إلى صحيح وضعيف، أي معتبر وليس بمعتبر. وهذا لا يعني أنه تراجع عن مبناه وهو حجية خبر الثقة، ولكن هناك دعوى من أن أكثر أسانيد الكتب الأربعة صحيحة السند، ولا نقول جميعها، أكثرها صحيح السند، لأنه إما من ناحية سلسلة السند معتبر، أو من ناحية اعتضاد هذه الأخبار بالقرائن.
لذلك نجد الشيخ المفيد في المقنعة، وابن إدريس الحلي في السرائر، والشريف المرتضى، يرون حجية خصوص الأخبار القطعية، وفي الاستدلال يستدلون بروايات الكتب الأربعة، مع أنهم لا يرون حجية أخبار الآحاد. فالخلاف في الكبرى، وأما في الصغرى فروايات الكتب الأربعة كانوا يرونها من الأخبار القطعية.
إلى هنا اتضح أن المجنون الأدواري تسقط عنه الجزية إذا صدق عليه أنه معتوه، وتثبت عليه الجزية لو أفاق سنة. فلو أفاق حولًا وجبت عليه الجزية، ولو جن بعد ذلك، كما صرح به غير واحد، كالشيخ الطوسي في المبسوط[7] والعلامة في القواعد[8] ، بل لعله لا خلاف فيه ولا إشكال، لما عرفته من عموم الأدلة الذي مقتضاه أزيد من ذلك، كما سمعت، على حد تعبير صاحب الجواهر[9] .
وكل من بلغ من صبيان أهل الكتاب يُؤمر بالإسلام أو بذل الجزية، فإن امتنع صار حربيًّا بلا خلاف[10] .
والسر في ذلك: أن عموم الأدلة يشمل الصبي بعد بلوغه، فالأولاد يلحقون بالأب ما داموا في الصغر وقبل البلوغ، فإذا بلغوا احتاجوا إلى عقد جديد. خلافًا لأحمد بن حنبل، فقال: إنهم يدخلون فيه ولا يحتاجون إلى تجديد[11] . وفيه: أن الصبي في كنف أبيه ما لم يبلغ، فإذا بلغ شملته عمومات أخذ الجزية من أهل الكتاب.
فإن بلغ الصبي واختار الجزية عقد معه الإمام الجزية على حسب ما يراه إمام المسلمين، ولا اعتبار بجزية أبيه. فإذا حال الحول من وقت العقد أخذ منه الإمام ما شرط عليه، ولا يدخل حول الابن
في حول الأب فضلًا عن غيره، بل له حول وسنة مستقلة.
ولو بلغ الصبي سفيهًا لا يتقن ولا يحسن التصرف على وجه يُحجر عليه في المال واختار عقد الجزية، ففي المنتهى للعلامة: «كان له ذلك، وليس للولي المنع، لأن الحجر لا يتعلق بحقن دمه وإباحته… إلى أن قال: ولو أراد عقد الأمان ببذل جزية كثيرة، فالوجه عندي أن للولي المنع، لأنه يمكن حقن دمه بالأقل»[12] .
وقد ناقشه صاحب الجواهر بحق، إذ أنه سفيه محجور عليه مطلقًا، فلا بد من إذن وليه في الأول والثاني.
من هنا قال صاحب الجواهر: «قلت: بل المقتضى القواعد عدم نفوذ العقد الأول أيضًا إلا بإذن الولي، ضرورة كونه عقدًا بمال، والفرض الحجر عليه فيه. نعم، قد يقال بإلزام الولي لو امتنع، باعتبار كون صلاحه صلاح بلاد الإسلام» – يعني قد يُلزم الولي لمصلحة الولد ومصلحة بلاد المسلمين[13] .
فرع في الأخير: لو صالح الإمام قومًا على أن يؤدوا الجزية عن أولادهم غير البالغين، فإن كان المراد الزيادة في جزية الآباء على وجه تكون الجزية في أموال الآباء ولا تتعلق الجزية بالأبناء، فهذا صحيح. وإلا، لو كان المراد أنه تثبت الجزية على الأولاد، فحينئذ يكون هذا الصلح باطلًا.
فهو يكون بنحو ما ذكرناه بالنسبة إلى اشتراط أخذ الجزية على النساء، فهذا الشرط فاسد، لأن هذا الشرط لا يحلل الحرام، فلا يجوز أخذ الجزية على النساء ولا يجوز أخذ الجزية على الصبيان.
هذا إذا اختار الصبي الذي بلغ الجزية. وإذا اختار الحرب، رُدّ الصبي البالغ إلى مأمنه، ولا يجوز قتله واغتياله، لأنه كان داخلًا في أمان أبيه.
هذا تمام الكلام في بيان من تسقط عنه الجزية ومن تثبت عليه الجزية، وأما البحث في كمية الجزية وتحديدها فهذا ما يأتي عليه الكلام بعد تعطيل شهر رمضان، إن بقينا أحياء. صلى الله على محمد وآله الأخيار.