« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الفقه

47/08/21

بسم الله الرحمن الرحيم

21 شعبان 1447

10 فبراير 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مائة وأربعة وستون): عدم ثبوت الجزية على النساء من أهل الكتاب

 

قال المحقق الحلي رحمه الله في شرائع الإسلام ما نصه: «ولو قُتل الرجال قبل عقد الجزية فسئل النساء إقرارهن ببذل الجزية قيل: يصح، وقيل: لا، وهو الأصح، ولو كان بعد عقد الجزية كان الاستصحاب حسنًا»[1] ، انتهى كلامه زيد في علو مقامه.

مقتضى العمومات ثبوت الجزية على الكتابي، والقدر المتيقن منه هو الرجل البالغ العاقل، فلا يشمل النساء والصبيان والعبيد، وقد مضى الكلام في أدلة عدم ثبوت الجزية على النساء، ومن هنا يتضح أنه لو تم اشتراط الجزية على النساء لم يصح عقد الصلح، وأنه لو قُتل الرجال في المعركة بأجمعهم قبل عقد الجزية وبقي النساء وطلبوا الأمان وقالوا: سنبذل الجزية مقابل الأمان، فإنه لا يصح أخذ الجزية منهم؛ لأن هذا الشرط أخذ الجزية من المحلَّل للحرام، إذ يحرم أخذ الجزية على النساء قبل العقد.

ثم قال المحقق الحلي رحمه الله: «ولو كان بعد عقد الجزية كان الاستصحاب حسنًا»، ووقع الخلاف في تفسير عبارة المحقق الحلي في الشرائع، فما المراد بالاستصحاب والمستصحب هنا؟

قال المحقق الثاني الشيخ علي بن عبد العالي الكركي في حاشيته ما نصه: «المراد بالاستصحاب هنا استصحاب العقد الذي وقع مع الرجال، والقول به ضعيف، فالأصح بطلانه»[2] .

أي أنه كان يوجد عقد بين المسلمين وأهل الكتاب، وفي هذا العقد كانت الجزية على الرجال، ثم سئل النساء إقرارهن ببذل الجزية بعد عقد الجزية، وشككنا في بطلان العقد السابق الذي وقع مع الرجال، فهنا يجري الاستصحاب: لا تنقض اليقين بالشك، فنستصحب ثبوت الجزية على الرجال. هكذا فهم المحقق الثاني الشيخ علي بن عبد العالي الكركي، وتبعه في هذا الفهم الشهيد الثاني في المسالك، إذ قال: «المراد بالاستصحاب هنا استصحاب العقد الذي وقع مع الرجال وإثبات الجزية على النساء، وما حسَّنه المصنف غير واضح، فإنه كما يمتنع إقرارهن بالجزية ابتداءً فكذا استدامةً للعقد السابق، فالمنع في الموضعين أقوى»[3] .

وعلَّق على كلامهما صاحب الجواهر بحق في جواهر الكلام قائلًا: «قلت: لا ينبغي التأمل في فساد ذلك على هذا التقدير، بل المصنف أجلُّ من أن ينسب إليه ما لا ينسب إلى أصاغر الطلبة»[4] . هذا واضح أنه لا تثبت الجزية على النساء لا قبل العقد ولا بعد العقد، هذا شرط باطل سواء كان قبل العقد أو بعد العقد، فإذا هذا الشرط باطل لا معنى لاستصحاب العقد السابق الواقع على الرجال.

هذا واضح، ولعله لذا قال شارح الترددات: «إن معنى الاستصحاب استدامة الأمان للنساء من غير ضرب جزية عليهن، حيث قد ثبت لهن الأمان مع الرجال ضمنًا، فيجب الوفاء، وفي نسخة: فيستحب الوفاء»[5] .

وما ورد في إيضاح ترددات الشرائع متين لا غبار عليه، إذ إن العقد السابق مع الرجال يثبت الأمان للرجال صريحًا وللنساء ضمنًا، فالأمان ثابت في ذلك العقد، فإذا شككنا في بقاء الأمان للنساء استصحبنا بقاء الأمان بمقتضى العقد السابق، فالمراد بهذا الاستصحاب استدامة الأمان لا استدامة الجزية وإثبات الجزية على النساء.

لكن الشهيد الثاني في المسالك علَّق على ما ورد في إيضاح ترددات الشرائع قائلًا: «هذا التوجيه غريب، فإن السياق إنما هو في بذل الجزية لا في الأمان خاصة»[6] .

أقول: إن ما أفاده الشهيد الثاني في المسالك موافق لظاهر عبارة المحقق الحلي في الشرائع، لكن لا بد من رفع اليد عن هذا الظاهر؛ لأنه لا يُتصور في حق المحقق الحلي أن يريد ذلك، فهذا واضح ولا ينسب حتى إلى أصاغر الطلبة كما يقول صاحب الجواهر، فيتعين رفع اليد عن ظاهر عبارة المحقق الحلي وأن يُقال: إن المراد هو إثبات الأمان للنساء لا الجزية، وهذا الحمل أقصى ما فيه قصور عبارة المحقق الحلي عن ذلك، ولا ضير في ذلك، والله العالم.

هذا تمام الكلام في سقوط الجزية عن النساء مطلقًا، فلا تؤخذ الجزية من نساء أهل الكتاب.

المورد الثاني: العبد، فلا تؤخذ الجزية من عبيد أهل الكتاب، لكن لو أُعتق العبد الذمي مُنع من البقاء والإقامة في دار الإسلام إلا بقبول الجزية، فإذا أُعتق العبد الذمي يخير بين الدخول في الإسلام أو البقاء في دار الإسلام مع دفع الجزية، فإن لم يقبلهما، لم يقبل الإسلام ولم يقبل دفع الجزية، يُعطى الأمان حتى يخرج لأنه كان في ضمن الأمان، فيُعطى الأمان حتى يخرج.

إذًا لو أُعتق العبد الذمي فإنه يُمنع من الإقامة في دار الإسلام إلا بقبول الجزية، كما صرَّح به غير واحد كالشيخ الطوسي في المبسوط[7] ، والعلامة الحلي في تحرير الأحكام[8] ، وابن القطان في معالم الدين[9] ، بل عن التذكرة للعلامة الحلي نفي الخلاف فيه، نفي الخلاف صيغة من صيغ الإجماع مرتبة من مراتب الإجماع[10] . بل قال العلامة الحلي: «هو مذهب عامة العلماء إلا ما روي عن أحمد بن حنبل من الإقرار بغير جزية»[11] .

ولا ريب في ضعف ما ذهب إليه أحمد بن حنبل من إقرار العبد المعتَق بغير جزية، إذ أن عموم الأدلة يشمله ﴿حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾[12] . غاية ما في الأمر كان يوجد مانع من إعطاء الجزية وهو الرقية، وقد ارتفع المانع فيثبت العموم.

ومقتضى عموم الأدلة من ثبوت الجزية على الكتابي عدم الفرق في المعتَق بين كون مسلمًا أو كافرًا، خلافًا لمالك إذ قال: «لا جزية على العبد المعتَق إذا كان المعتِق مسلمًا لأن الولاء شعبة من الرق»[13] . أي أن هذا العبد المعتَق والذي تحرر يثبت لمولاه المسلم الذي أعتقه ولاء العبد، والولاء شعبة من الرق. وهذا مجرد استحسان، إذ أن هذا الذي تحرر وأُعتق هو الآن حر وليس بعبدٍ حتى يُستحسن ويُقال: إن ولاء العتق شعبة من شعب الرقية.

فحينئذ يُلزَم العبد المعتَق سواء كان مولاه مسلمًا أو كافرًا بالإسلام أو بأداء الجزية، فإن أبى ولم يُسلم ولم يعطِ الجزية أُلحق بمأمنه لأنه قد دخل بشبهة الأمان ولو مع سيده، أي أنه ضمن سيده، وسيده له الأمان، هو أيضًا في ضمنه له الأمان، خلافًا للإسكافي إذ نُسب إليه أنه يُحبَس لما في إلحاقه من الإعانة على المسلمين والدلالة على عوراتهم، ونقل عنه هذا القول العلامة في مختلف الشيعة[14] .

وفيه: إنه اجتهاد لا دليل عليه.

وكذا الكلام لو كان العبد المعتَق من أهل دين، لا تُقبل منهم الجزية، خلافًا للإسكافي أيضًا، فلا يُقال بحبسه؛ لأنه إذا ألحق بغير المسلمين قد يُعين على المسلمين ويدل على عوراتهم.

هذا اجتهاد لا دليل عليه. هذا تمام الكلام بالنسبة إلى العبد المعتَق.

المورد الثالث: وآخر ممن تسقط عنه الجزية هو المجنون، والقدر المتيقن منه هو المجنون المطبِق، ووقع الخلاف في المجنون الأدواري، فله دوران: دور إفاقة ودور جنون. أما المجنون المطبِق فلا جزية عليه بلا خلاف ولا إشكال، يشمله حديث رفع القلم: «رُفع القلم عن المجنون حتى يفيق»[15] ، وغير ذلك من الأدلة.

لكن لو كان المجنون أدواريًّا بأن كان يفيق وقتًا ويجن في وقت آخر قيل، والقائل الشيخ الطوسي في المبسوط والخلاف: «يُعمَل بالأغلب، فتُؤخذ الجزية منه إن كانت الإفاقة أغلب، بأن يجن يوماً ويفيق يومين مثلًا، وتسقط عنه مع العكس»[16] .

ولم يتطرق الشيخ الطوسي رحمه الله إلى دور التساوي، فلعله يفيق يومًا ويجن يومًا آخر، أو يفيق نصف السنة ويجن نصف السنة، فما هو الحكم بالنسبة إلى المجنون الأدواري الذي لم تكن له حالة غالبة بل كانت أحواله متساوية؟ فلم يتطرق الشيخ الطوسي إلى ذلك، كما أن ما ذكره من أنه يُؤخذ بالأغلب لم يذكر مستنده ودليله، فقد يُقال: لا يُعرف له مستند ينطبق على مذهب الإمامية.

وإن وافقه عليه العلامة الحلي في كتبه الثلاثة: المنتهى والتذكرة والتحرير إذا كان جنونه غير مضبوط[17] .

إذًا العلامة قسَّم المجنون الأدواري إلى قسمين: جنونه مضبوط، يعني مثلًا يفيق يومين ويجن يومًا، يفيق خمسة أيام ويجن خمسة أيام، هذا مضبوط، ففي المضبوط يُؤخذ بالأغلب. وأحيانًا جنونه غير مضبوط: أحيانًا يجن خمسة أيام ويفيق يومين، وأحيانًا يجن ثلاثة أيام ويفيق خمسة أيام، غير مضبوط.

وأما المضبوط مثل أن يجن يومًا ويفيق يومين أو أقل من ذلك أو أكثر إلا أنه مضبوط، ففي المنتهى فيه احتمالان: أحدهما الاعتبار بالأغلب أيضًا، والثاني تلفيق أيام إفاقته، وفيه احتمالان أيضًا: أحدهما تلفيقها حولًا وتُؤخذ منه؛ لأن أخذها منه قبل أخذٌ لها قبل الحول فلم يجز كالصحيح، والثاني أخذها منه في آخر كلّ حولٍ بقدر ما أفاق. قال: «وكذا الاحتمالان لو كان يجن ثلث الحول ويفيق ثلثيه أو بالعكس».

أما لو استوت إفاقته وجنونه، مثل أن يجن يومًا ويفيق آخر، أو يجن نصف حول ويفيق في الآخر، فإنّ إفاقته تُلفَّق لتعذر اعتبار الأغلب هنا لعدمه فيتعين الاحتمال الآخر. ثم قال: «ولو جُن نصف الحول ثم يفيق إفاقة مستمرة، أو يفيق نصفه ثم يجن جنونًا مستمرًّا، فعليه في الأول من الجزية بقدر ما أفاق من الحول إذا استمرت الإفاقة بعد الحول، وفي الثاني لا جزية عليه؛ لأنه لم يتم الحول مفيقًا»[18] .

وخلاصة ما ذهب إليه العلامة الحلي في المنتهى أن المجنون جنونًا أدواريًّا إما أن يكون جنونه مضبوطاً أو يكون غير مضبوط، إذا كان جنونه غير مضبوط فيُؤخذ بالأغلب فذكر احتمال واحد، وأما إذا كان جنونه مضبوط يوجد احتمالان: الاحتمال الأول الأخذ بالأغلب، الاحتمال الثاني التلفيق.

لكن هذا التفصيل وهذا التحديد لم يدل عليه دليل ولا قاعدة يُركن إليها، كما أن الحول هنا ليس كحول الزكاة. ومن هنا قال صاحب الجواهر: «وجميعه كما ترى لا يرجع إلى دليل ولا إلى قاعدة يُركن إليها، على أن الحولية لم تُذكر هنا شرطًا على حسب الحول في الزكاة»[19] .

ولعله لذلك قال في المسالك: «الأقوى أن المجنون لا جزية عليه مطلقًا إلا أن يتحقق له إفاقة سنة متوالية لإطلاق الأخبار»[20] . ولعله إليه يرجع ما في فوائد الشرائع للمحقق الكركي من أن: «الأصح عدم الجزية عليه»[21] .

إذًا المجنون المطبَق لا جزية عليه بلا خلاف، بينما المجنون الأدواري فيه خلاف، فقال بعض بثبوت الجزية عليه وقال بعض آخر بعدم ثبوت الجزية عليه، الصحيح في المسألة وتحقيقها يأتي الكلام عليه.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


[1] . شرائع الإسلام (المحقق الحلي).
[2] . فوائد الشرائع (المحقق الكركي): ج11 / ص92. من سلسلة آثار المحقق الكركي.
[3] . مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام (الشهيد الثاني): ج3 / ص69. أحكام أهل الذمة.
[4] . جواهر الكلام (الجواهري): ج22 / ص422.
[5] . إيضاح ترددات الشرائع: ج1 / ص258. كتاب الجهاد.
[6] . مسالك الأفهام: ج3 / ص70.
[7] . المبسوط (الطوسي): ج1 / ص587.
[8] . تحرير الأحكام (العلامة الحلي): ج2 / ص204.
[9] . معالم الدين (ابن القطان): ج1 / ص305.
[10] . تذكرة الفقهاء (العلامة الحلي): ج9 / ص299.
[11] . منتهى المطلب (العلامة الحلي): ج2 / ص965. (الطبعة الحجرية).
[12] . سورة التوبة: 29.
[13] . المغني (ابن قدامة): ج10 / ص590؛ الشرح الكبير: ج10 / ص597؛ العزيز في شرح الوجيز: ج11 / ص501.
[14] . مختلف الشيعة (العلامة الحلي): ج4 / ص439.
[15] . حديث رفع القلم.
[16] . المبسوط (الطوسي): ج1 / ص587؛ الخلاف (الطوسي): ج5 / ص544.
[17] . منتهى المطلب (العلامة الحلي): ج2 / ص964. (الطبعة الحجرية).تذكرة الفقهاء (العلامة الحلي): ج9 / ص295.تحرير الأحكام الشرعية (العلامة الحلي): ج2 / ص203.
[18] . منتهى المطلب، أحكام أهل الذمة: 2/964.
[19] . مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام (الشهيد الثاني): ج3 / ص70.
[20] . جواهر الكلام (الشيخ محمد حسن النجفي): ج22 / ص425.
[21] . فوائد الشرائع: 11/92.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo