47/08/19
19 شعبان 1447
8 فبراير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة واثنان وستون): هل تسقط الجزية عن الشيخ الفاني والمقعد والأعمى؟
يمكن أن تُذكر أربعة أقوال في المسألة:
القول الأول: ما يُنسب إلى ابن الجنيد الإسكافي، فقد ذهب إلى سقوط الجزية عن الهمّ وهو الشيخ الفاني، وزاد عليه المقعد والأعمى[1] ، وتبعه المحقق الحلي في المختصر النافع[2] والعلامة الحلي في قواعد الأحكام[3] في خصوص الأول وهو الهمّ دون الأخيرَين: المقعد والأعمى اللذين لا يوجد موافق له فيهما، بل صرّح الشيخ الطوسي والقاضي ابن البرّاج وابن حمزة في الوسيلة والمحقق الحلي والعلامة الحلي أي الفاضلان وغيرهم بعدم السقوط عن المقعد والأعمى[4] .
إذاً، القول الأول هو سقوط الجزية عن الهمّ والمقعد والأعمى من أهل الكتاب.
القول الثاني: عدم سقوط الجزية وهو قول الأكثر، وهو الصحيح، ويمكن أن يُتمسَّك له بعموم الأدلة كآية الجزية، ولا يخصّص هذا العموم ما ورد في خبر حفص، إذ جاء في ذيله: «وكذا المقعد والأعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في أرض الحرب، فمن أجل ذلك رُفعت عنهم الجزية»، إذ أن هذا الخبر ضعيف أولاً ولا جابر له ثانياً، فلا يمكن الاعتماد عليه، بل يوجد مؤيد لعموم الأدلة إذ أن الجزية وُضعت للصغار والإهانة المناسبَين للكفر، في الأصناف الثلاثة: الهمّ والمقعد والأعمى.
إذاً اتضح إلى هنا أن المقعد والأعمى تشملهما عموم أدلة الجزية، ويبقى الكلام بالنسبة إلى الأول وهو الهمّ أي الشيخ الفاني، فهو مروي في خبر حفص وعمل به جملة من الأصحاب بخلاف المقعد والأعمى الواردين في الذيل، كما أن مقتضى الأصل موافق له إذ أن أصل البراءة الشرعية يقتضي عدم وجوب الجزية على الشيخ الفاني، فهذا شك في التكليف: هل تجب الجزية على الشيخ الفاني؟ مقتضى أصالة البراءة عدم وجوب الجزية على الشيخ الفاني، لكن الأصل أصيل حيث لا دليل، وحيث قد قام الدليل وهو عموم الأدلة، فإلى الأصل لا نميل.
كما أن عمل بعض الأصحاب بما ورد في خبر حفص من عدم وجوب الجزية على الهمّ والشيخ الفاني لا يصل إلى حدّ الانجبار، فيبقى العموم بلا معارض، فعمومات أدلة وجوب الجزية على الكتابي لا يعارضها الأصل ولا تعارضها فتاوى الأصحاب الذين عملوا بخبر حفص، ومن هنا يتضح القول الثاني وهو عدم وجوب...
القول الأول هو عدم وجوب الجزية على الأصناف الثلاثة، القول الثاني وجوب الجزية على الأصناف الثلاثة.
القول الثالث: التوقف في المسألة، وهو ما قد يظهر من المحقق الحلي في الشرائع والشهيد الأول في الدروس الشرعية[5]
وفخر المحققين ابن العلامة الحلي في إيضاح شرح القواعد[6] والمقداد السيوري في التنقيح الرائع لمختصر الشرائع[7] .
القول الرابع: التفصيل، فإذا كان الشيخ ذا رأي وقتال أُخذت منه الجزية، وإن لم يكن ذا رأي ولا يقوى على القتال فلا تؤخذ منه الجزية، وقد ذهب إلى ذلك الصيمري[8] والمحقق الكركي في جامع المقاصد[9] .
ولعل الوجه في هذا التفصيل هو ترتّب الجزية على القتال وجواز قتله، فإذا كان يمكنه أن يقاتل ويجوز قتله كما لو كان هذا الشيخ الهرم قادراً على القتال أو قادراً على إبداء الرأي في القتال فحينئذ تثبت عليه الجزية، وأما إذا لم يكن قادراً على القتال وليس بذي رأي فإنه لا تثبت عليه الجزية، فيكون معيار الجزية هو إمكانية القتال. وهذا ما يُستفاد من خبر حفص كما يُفهم أيضاً من المحكي من كلام ابن الجنيد الإسكافي.
لكن خبر حفص ضعيف ولا جابر له على العموم، فالأقوى أي الأوفق بالأدلة هو عدم السقوط،
إذ إننا نتمسك بعمومات أدلة وجوب الجزية عن الكتابي.
النتيجة النهائية: الصحيح هو عدم سقوط الجزية عن الشيخ الفاني والمقعد والأعمى من أهل الكتاب، نظراً لشمول عمومات أدلة الجزية لهم من دون معارض.
يبقى الكلام في المملوك، فهل المملوك الكتابي سواء كان لمسلم أو كافر هل تجب عليه الجزية؟ قولان في المسألة: ذهب الأكثر إلى سقوط الجزية عنه وهو الصحيح، وذهب الشيخ الصدوق رحمه الله على ما يظهر منه إلى وجوب الجزية على المملوك.
ولنتطرق إلى الأقوال والأدلة:
القول الأول: سقوط الجزية عن المملوك، وقال بذلك الشيخ الطوسي في المبسوط[10] بل هو المشهور كما ذكر العلامة الحلي في منتهى المطلب[11] وذكر ذلك أيضاً في مختلف الشيعة[12] ، وصرّح بسقوط الجزية عن المملوك العلامة الحلي في قواعد الأحكام[13] وإرشاد الأذهان[14] .
ويمكن أن تُذكر عدة أدلة:
الدليل الأول: التمسّك بالأصل وهو أصالة البراءة، فهذا شك في التكليف ومقتضى أصالة البراءة عدم وجوب الجزية على المملوك.
الدليل الثاني: التمسّك بالنبوي: «لا جزية على العبد»[15] .
الدليل الثالث: إن المملوك مال فلا يُستحقّ عليه ماله.
وهذه الأدلة الثلاثة قابلة للمناقشة، إذ أن الأصل أصيل حيث لا دليل، فالبراءة دليل فقاهتي، لا يعارض الدليل الاجتهادي إن ثبت، والحديث النبوي ضعيف فلا يمكن الأخذ به، وما ذُكر من أن العبد مالٌ فلا يُستحقّ عليه مال مجرد استحسان لا يصلح للاستدلال.
الدليل الرابع: إن المملوك كَلٌّ على مولاه، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ إلى أن يقول تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ﴾[16] ، هو يعتمد على مولاه لا مال له ولا شيء له.
الدليل الخامس: إن المملوك لا يقدر على شيء، وهذا يُستفاد من قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾[17] ، فاقد الشيء لا يُعطيه.
الدليل السادس: إن المملوك لا يقتل فلا جزية عليه كما ذُكر في خبر حفص.
وفيه: إن خبر حفص ضعيف ولا جابر له، فلا نسلّم بأن الجزية تترتب على إمكانية القتال وعدمه.
لكن القول الأول وهو سقوط الجزية عن المملوك هو الصحيح وهو الأقوى، إذ أن العبد كَلٌّ على مولاه ولا يقدر على شيء وفقاً لمفاد الآيتين الكريمتين، فلا يثبت عليه شيء ولا تثبت عليه جزية سواء كان العبد لمسلم أو لكافر.
القول الثاني: عدم سقوط الجزية عن المملوك الكتابي، وهو قول الصدوق في المقنع[18] - والمعروف أن كتاب المقنع للصدوق هو كتاب فتاوى وهي عين الروايات نصّها نصّ الروايات، كما أن كتاب النهاية للشيخ الطوسي كتاب فتوى ولكن نصّه هو نصّ الروايات الشريفة - ويُستفاد هذا القول أيضاً من ظاهر كتاب من لا يحضره الفقيه للصدوق، إذ أن الصدوق قد أورد الرواية التي سننقلها الدالة على سقوط الجزية عن المملوك، وقد ذكر الصدوق في مقدمة من لا يحضره الفقيه: «وجميع ما فيه مستخرج من نُسخٍ مشهورة عليها المعوّل» إلى آخره، ثم ذكر أيضاً «أفتي به»، ذكر أنه يُفتي بجميع ما ورد في من لا يحضره الفقيه، فتُستفاد الفتوى هي كتاب من لا يحضره الفقيه رسالة عملية للشيخ الصدوق.
وتبعه في عدم السقوط العلامة الحلي في تحرير الأحكام[19] تمسّكاً بعموم أدلة الجزية ولخبر أبي الدرداء وفي المصدر: أبي الورد عن الباقر عليه السلام قال: سألته عن مملوك نصراني لرجل مسلم عليه جزية؟ قال: «نعم»، قلت: فيؤدّي عنه مولاه المسلم الجزية؟ قال: «نعم، إنما هو ماله يفتديه إذا أُخذ يؤدي عنه»[20] .
لكن هذا الخبر ضعيف السند ولا جابر له، ويمكن أن يُعتضد هذا الخبر الضعيف بالمروي من طرق العامة والجمهور عن علي عليه السلام أنه قال: «لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا مما في أيديهم لأنهم أهل خراج، فيبيع بعضهم بعضاً، ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد أن أنقذه الله منه»[21] ، وهذا الخبر العامي ظاهر في ثبوت الجزية التي يؤديها سيد المملوك عنه ويلحقه بذلك الصغار والذلة، لكنَّ هذا الخبر لا حجية له.
وقد يُؤيَّد بعدة أمور منها: أن المملوك مشرك فلا يستوطن دار الإسلام بغير عوضٍ كالحرّ، وبأن المملوك أولى بدفع الجزية من سيده، فلو كان السيد كتابياً عليه أن يدفع الجزية فمملوكه أولى بذلك - وهذه الأولوية ليست قطعية، هذا مجرد استحسان - ملاكات الأحكام نحن لا ندركها.
وقد يُقال: إن المملوك من أهل الجهاد فلا تسقط عنه؛ لأنها عوض حقن الدم.
وهذه كلها مجرد استحسانات والتفاتات لا ترقى إلى مقام الدليل، يكفي أن أصل الدليل ضعيف وهو خبر حفص ولا جابر له، فجميع هذه الأمور والنصوص المذكورة ضعيفة، والوجوه مجرد استحسانات لا تنهض للدليلية.
النتيجة النهائية: سقوط الجزية عن المملوك، لكن لو التزمنا وقلنا بأن الجزية تثبت على المملوك فيكون مقتضى الدليل عدم الفرق بين كون المملوك لمسلم أو لذمي، خلافاً لبعض الجمهور ففرّق بينهما محتجّاً بأخذ الجزية حينئذ من المسلم الذي هو مولاه[22] .
وفيه: إن الجزية لا بأس بها إذ هي عن حقن دم العبد، وهذا الملاك - حقن دم العبد - لا يُفرَّق فيه بين كون المملوك لمسلم أو لذمي، مضافاً إلى ما في الرواية عن الإمام الباقر «وإلى ما تقدّم في أرض الذمي الذي تكون الجزية عليه على أرضه لا على رأسه، إذا اشتراها المسلم منه يؤدي ذلك وإن كان فيه عليه عيبٌ» كما أشارت إليه النصوص السابقة، بل مقتضى الأدلة - لو سلّمنا أن الجزية تثبت على المملوك - مقتضاها عدم الفرق بين أفراد العبيد حتى المبعّض منهم، فالعبد الذي مثلاً نصفه حرّ ونصفه عبد هو يؤدي نصف الدية عن نفسه بلحاظ نصف الحرية، ومولاه يؤدي نصف الجزية بلحاظ نصف المملوكية، فالعبد المبعّض يؤدي قدر ما فيه من الحرية، ويؤدي مولاه قدر ما فيه من الرقية.
هذا لو التزمنا بثبوت الجزية على المملوك، والصحيح بل الأقوى عدم ثبوت الجزية على المملوك، والله العالم.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.