« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الفقه

47/08/18

بسم الله الرحمن الرحيم

18 شعبان 1447

7 فبراير 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مائة وواحد وستون): إقرار الكتابي على دينه إذا التزم بشرائط الذمة

 

لو ادعى أهل حرب أنهم من الفِرَق الثلاث، أي اليهود أو النصارى أو المجوس، فادعوا أنهم أهل كتاب وبذلوا الجزية، لم يُكلَّفوا البينة وأُقِرُّوا على دينهم، كما صرح بذلك الشيخ الطوسي[1] ، وابن القطان[2] ، والعلامة الحلي في مختلف كتبه[3] .

قال صاحب الجواهر[4] : «بل لا أجد فيه خلافًا، ولعله لكون الدين أمرٌ قلبي لا يُعرف إلا من قِبَل صاحبه، وشعاراته الظاهرة ليست جزءًا منه، بل قد تتعذر إقامة البينة عليه».

وقد يقال: إنَّ قبول دعواهم من دون حاجة إلى بينة قد يُشعر به أمر النبي صلى الله عليه وآله لأمراء السرايا بقبول الجزية ممن يبذلها، مع أنه لا بينة عادلة منهم تشهد على أنهم من أهلها، فليس إلا دعواهم، بل الظاهر أن فعل النبي صلى الله عليه وآله كان كذلك، فقد ذُكر في وصية النبي صلى الله عليه وآله لأمراء السرايا بطلب الجزية منهم، فإن أجابوا وإلا فنابذوهم[5] .

لكنَّ هذا الاستدلال لا يخلو من مناقشة، إذ ما ذُكر إنما هو فعل النبي، والفعل لا إطلاق له، ولا يكشف عن أن النبي اكتفى بدعواهم عن مطالبتهم بالبينة، فلعله رأى مصلحة في ذلك قد خفيت علينا.

فالعمدة هو ما ذكره صاحب الجواهر رحمه الله من أن الدين أمر قلبي ولا يُعلم إلا من قِبَل الشخص الذي يدين بذلك الدين. وقد يؤيد هذا الكلام بعدم الخلاف في ذلك، فلم يشترط أحد البينة، بل اكتفوا بمجرد دعوى الكافر أنه كتابي.

ومن المعلوم جريان حكم كل دين على من أقر بأنه من أهله: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم».

نعم، لو ثبت خلاف دعواهم، كما لو ادعوا أنهم يهود أو مسيح أو مجوس، ومن الواضح أنهم كانوا يعبدون الكواكب أو الشمس والقمر، أو شهد شاهدان عادلان على أنَّ من أقر بأنه يهودي أو مسيحي إنما هو وثني، أو أقروا بأجمعهم على أنهم من الوثنية ثم ادعى بعضهم أنه يهودي أو مسيحي، فإذا ثبت بالدليل خلاف الدعوى انتقض العهد.

وإذا انتقض العهد لا حاجة إلى ردهم إلى مأمنهم، إذ هم كفار حربيون وادعوا أنهم من أهل الكتاب لحقن دمائهم، فلا تُقبل شهادتهم، وبالتالي يجوز اغتيالهم؛ لأنهم كفار حربيون لم يثبت ما يحقن دماءهم.

ولو أقر البعض من الحربيين بأنه من أهل الكتاب دون البعض الآخر، جرى حكم أهل الكتاب على المُقِر دون غيره ممن لم يُقِر.

وقد أطلق المحقق الحلي رحمه الله قائلاً: «ولو ادعى أهل حرب أنهم منهم وبذلوا الجزية لم يُكلَّفوا البينة وأُقِرُّوا». وهذا الكلام مطلق يشمل حتى ما يخالف ظاهر حالهم، فلو كان ظاهر حاله أنه يعبد الصنم ويسجد للصنم والوثن، وادعى أنه يهودي أو مسيحي أو مجوسي، فإن إطلاق عبارة المحقق الحلي في الشرائع يشمله، وهكذا عبارة العلامة[6] وابن القطان[7] .

فهذه العبائر مطلقة، تقتضي قبول دعوى الكفار الحربيين وإن ظهر من حالهم عدم كونهم من أهل الكتاب، ولو باتخاذ شعار غير شعار الدين الذي أقروا به.

ولعل الوجه في ذلك: أن الدعوى أقوى من ظاهر الحال في الدلالة على الدين، فالدعوى إقرار النفس، والدين في القلب، وإقراره على دين معين أقوى في الدلالة على دينه من ظاهر الحال والشعارات.

لكن الأخذ بإطلاق هذا الكلام لا يخلو من إشكال، بل منع، خصوصًا بعد تجاهرهم، كما لو ادعى أنه موحد يهودي أو نصراني وكان يتجاهر بعبادة الأصنام وشيَّد معبدًا للأوثان، ولم يستعمل شعار المسيحيين من صليب وغير ذلك، ولم يستعمل شعار اليهود من نجمة داود وغير ذلك، فهنا لعل دعواه إنما كانت للتخلص من القتل وغير ذلك مما يجري على الكفار من غير أهل الكتاب.

لذلك التقييد أوفق، بأن تكون العبارة هكذا: «لو ادعى أهل حرب أنهم منهم وبذلوا الجزية

لم يُكلَّفوا البينة وأُقِرُّوا ما لم يظهر منهم خلاف ذلك أو ما ينافي ذلك».

هذا تمام الكلام في أن أهل الكتاب يُقَرُّون على دينهم وتُؤخذ منهم الجزية. فهل تثبت الجزية على جميع أفراد أهل الكتاب أم أن الجزية تسقط عن بعض أفراد أهل الكتاب؟

القدر المتيقن ثبوت الجزية على الرجال البالغين من أهل الكتاب، ومن هنا يقع البحث في من تسقط عنهم الجزية.

والقدر المتيقن منه ثلاثة، وهم الصبيان والمجانين والنساء، فلا تؤخذ الجزية من الصبيان والمجانين الذين جنونهم مُطبِق والنساء، كما صرح به غير واحد[8] .

قال صاحب الجواهر[9] : «بل لا أجد فيه خلافًا، بل في المنتهى ومحكي الغنية والتذكرة الإجماع عليه»[10] .

إذاً يوجد إجماع منقول على عدم أخذ الجزية من الأصناف الثلاث، أي المجانين والصبيان والنساء.

فالدليل الأول: الذي قد يستدل به هو الإجماع.

الدليل الثاني: قد يستدل خبر حفص بن غياث، والذي رواه المشايخ الثلاثة: الكليني والصدوق والشيخ الطوسي، وقد ينجبر بعمل الأصحاب الذين ذكروا.

سأل حفص أبا عبد الله عليه السلام عن النساء: كيف سقطت الجزية عنهن ورُفعت عنهن؟ فقال: «لأن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن قتل النساء والولدان في دار الحرب إلا أن يقاتلن، فإن قاتلن أيضًا فأمسك عنهن ما أمكنك ولم تَخَفْ خللاً، فلما نهى عن قتلهن في دار الحرب كان ذلك في دار الإسلام أولى، ولو امتنعت أن تؤدي الجزية لم يمكن قتلها، فلما لم يمكن قتلها رُفعت الجزية عنهن، ولو امتنع الرجال أن يؤدوا الجزية كانوا ناقضين للعهد وحلَّت دماؤهم وقتلهم، لأن قتل الرجال مباح في دار الشرك، وكذلك المُقعَد والأعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في أرض الحرب، فمن أجل ذلك رُفعت عنهم الجزية»[11] .

كما يُستدل على رفع الجزية عن الصبيان والمجانين بحديث رفع القلم: «رُفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق».

وقول الإمام الصادق عليه السلام في خبر طلحة: «جرت السنة أن لا تؤخذ الجزية من المعتوه ولا من المغلوب على عقله»[12] .

ويقع الكلام في المراد بالمعتوه: هل المراد به المجنون جنونًا مُطبِق، أو المراد به الأحمق؟

ويقع الكلام في المراد بالأحمق: هل المراد بالأحمق الأحمق شرعًا، وهو الذي لا يضع الشيء في موضعه كالذي يُفرِّط في أمواله؟ فعنده عقل لكن لا يُحسن التصرف، تُعطيه أموالاً فيُبذِّرها ولا يُبقي شيئًا. هذا الأحمق شرعًا هو الذي لا يحتفظ بالمال ولا يضع الشيء في موضعه.

بينما الأحمق عُرفًا هو السفيه الذي لا يزن الأمور، أي ناقص العقل. ومن الواضح أن الأحمق شرعًا لا يُقال له معتوه، هو عاقل لكن ليس لديه تدبير ولا يُحسن التصرف.

لكن لا يبعد أن يصدق لفظ المعتوه على الأحمق عُرفًا، أي ناقص العقل، لأن الجنون فنون، ومن فنونه المعتوه.

إذًا، لعل المراد من المعتوه في هذا الخبر ما عن المبسوط والنهاية والوسيلة والسرائر من زيادة الأبله، يعني بله عنده، زيادة البَلَه، زيادة البلاهة[13] .

فعرَّفوا المعتوه بمن عنده زيادة في البَلَه. لكن السيد علي الطباطبائي في رياض المسائل[14] فسَّر المعتوه هنا بمن لا عقل له، أي المجنون.

إلا أن المراد بالمعتوه هو ضعيف العقل، كما صرح به المجلسي[15] والطريحي[16] . بل ضعيف العقل هو المراد مما في الوسيلة لابن حمزة من التعبير بالسفيه، الذي هو في العُرف عبارة عن الأحمق[17] .

وليس المراد السَّفَه الشرعي، وهو الذي لا يُحسن التصرف ولا يُتقن التدبير، فالسفيه الشرعي لا خلاف في عدم سقوط الجزية عنه لعموم الأدلة، عموم أدلة أخذ الجزية عن أهل الكتاب يشمل السفيه الشرعي.

نعم، السفيه بمعنى ضعيف العقل لا يبعد سقوط الجزية عنه باعتبار كونه في الحقيقة قسمًا من

الجنون الذي هو فنون، ولا يجوز قتله بسبب ضعف عقله، فتسقط عنه الجزية أيضًا.

إلى هنا اتضح أن الجزية تثبت على الرجل البالغ من أهل الكتاب، وتسقط عن أصناف ثلاثة، وهم الصبيان والمجانين والنساء.

فهل تسقط عن أصناف ثلاثة أُخر؟ وهم: الهَرِم، أي الشيخ الكبير، والمُقعَد، والأعمى؟

توجد أقوال ثلاثة: فهناك من أثبت الجزية عليهم، وهناك من نفى الجزية عنهم، وهناك من توقف وتردد.

وسيأتي إن شاء الله تعالى أن الصحيح هو ثبوت الجزية عليهم، لشمول العمومات للأصناف الثلاثة، خصوصًا ما ورد في تعليل أخذ الجزية من أن فيه صَغارًا: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[18] ، يعني ذلة.

وهذا الرجل عاقل، سواء كان شيخًا كبيرًا كما في الصنف الأول، أو مُقعَدًا كما في الصنف الثاني، أو أعمى كما في الصنف الثالث. هؤلاء الثلاثة عقلاء ورفضوا الدخول في الإسلام، تشملهم عمومات أخذ الجزية عن الكتابي وهو صاغر، ولا يوجد دليل يوجب رفع اليد عن هذه العمومات.

تفصيل البحث يأتي إن شاء الله تعالی.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


[1] . المبسوط (الشيخ الطوسي): ج1/ص582، كتاب الجزية فيمن تؤخذ منه.
[2] . معالم الدين (ابن القطان): ج1/ص305.
[3] . قواعد الأحكام (العلامة الحلي): ج1/ص508؛ تحرير الأحكام: ج2/ص201؛ مختلف الشيعة: ج4/ص434؛ تذكرة الفقهاء: ج9/ص290.
[4] . جواهر الكلام (صاحب الجواهر): ج22/ص409.
[5] . مسند أحمد بن حنبل: ج5/ص352؛ سنن أبي داود: ج1/ص588.
[6] . تحرير الأحكام (العلامة الحلي): ج2/ص201.
[7] . معالم الدين (ابن القطان): ج1/ص305.
[8] . المبسوط (الشيخ الطوسي): ج1/ص584؛ الوسيلة (ابن حمزة): ص204؛ الجامع للشرائع (يحيى بن سعيد): ص235؛ الإرشاد (العلامة الحلي): ج1/ص351.
[9] . جواهر الكلام: ج22/ص411.
[10] . منتهى المطلب: ج2/ص963 (الطبعة الحجرية)؛ تذكرة الفقهاء: ج9/ص292؛ غنية النزوع (ابن زهرة الحلبي): كتاب الجهاد/ص202. ظاهر عبارته الإجماع.
[11] . الكافي (الكليني): ج5/ص28؛ من لا يحضره الفقيه (الصدوق): ج2/ص52؛ تهذيب الأحكام (الشيخ الطوسي): ج6/ص156.
[12] . وسائل الشيعة: ج15/ص65، باب18 من أبواب جهاد العدو، الحديث الثالث.
[13] . المبسوط (الشيخ الطوسي): ج1/ص584؛ النهاية (الشيخ الطوسي): ج1/ص444؛ الوسيلة (ابن حمزة): ص205؛ السرائر (ابن إدريس الحلي): ج1/ص473.
[14] . رياض المسائل (السيد علي الطباطبائي): ج8/ص38.
[15] . ملاذ الأخيار (المجلسي): ج9/ص420.
[16] . مجمع البحرين (الطريحي): ج6/ص343، مادة بله.
[17] . الوسيلة (ابن حمزة): ص204.
[18] . سورة التوبة: 29.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo