47/08/14
14 شعبان 1447
3 فبراير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وستون): مصاديق وقبائل أهل الكتاب في الجزيرة العربية
ذكرنا أنّ القدر المتيقّن من أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، ويُلحق بهم المجوس والصابئة. وقد يظهر من بعض النصوص أنّ حكم اليهود والنصارى لا يشمل من تنصّر بعد النسخ، أي بعد البعثة المحمّديّة للنبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله. من هنا يقع الكلام في التطبيقات والمصاديق من القبائل العربيّة في الجزيرة العربيّة آنذاك، فهل كانت يهوديّة أو نصرانيّة في الجاهليّة وقبل بعثة النبيّ؟ أم أنّها تنصّرت أو تهوّدت أو تمجّست بعد بعثة النبيّ صلّى الله عليه وآله؟ وهذا يقودنا إلى بحث في الصغريات.
لعلّ بني تغلب بن وائل، وهم من العرب من ربيعة بن نزار - نزار عنده ولدان: ربيعة ومُضَر - مُضَر بقوا في الحجاز، مكّة والمدينة، والنبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله مُضريّ من مُضَر. وربيعة انتقلوا إلى شرق الجزيرة العربيّة ومنها البحرين التي كانت تُسمّى جزيرة أوال، لذلك تجد عائلة الربيعي، هذه نسبة إلى ربيعة بن نزار. ولذلك تجد السادة النُّجَباء إلى الآن يُسمّون أولادهم نزار ومُضَر، هؤلاء من أجداد النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله.
فبنو تغلب في الجاهليّة انتقلوا إلى النصرانيّة كما صرّح بعض أصحابنا، وبالتالي يصدق عليهم أنّهم أهل كتاب قبل النسخ لأنّهم تنصّروا في الجاهليّة. بل قال أيضًا: انتقل أيضًا من العرب إلى ذلك - أي النصرانيّة - قبيلتان أُخريان وهما تَنوخ وبَهراء[1] .
وبناءً على تنصّرهم في الجاهليّة، يتّجه أخذ الجزية منهم لأنّهم نصارى قبل النسخ. وقد حُكي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه أخذ الجزية منهم[2] .
لكن المحكيّ عن عمر بن الخطّاب عدم أخذ الجزية منهم لرأيٍ رآه أو أُشير به عليه، وذلك لِما قيل من أنّه دعاهم إلى إعطاء الجزية فأبَوا وامتنعوا وقالوا: نحن أعراب لا نؤدّي الجزية، فخُذ منّا الصدقة كما تأخذ من المسلمين. فامتنع عمر من ذلك، فلحق بعضهم بالروم، فقال له النعمان بن عُروة: إنّ القوم لهم بأسٌ وشدّة، فلا تُعِن عدوّك بهم، وخُذ منهم الجزية باسم الصدقة. فبعث عمر في طلبهم وردّهم، وضعف عليهم الصدقة، وأخذ منهم في كلّ خمس من الإبل شاتَين، وأخذ مكان العُشر الخُمس، ومكان نصف العُشر العُشر، يعني الضِّعف[3] .
ومن الواضح عدم حجّيّة فعل عمر بن الخطّاب، فليس بمعصوم، وفعله ليس بحجّة في حقّنا. كما أنّ عنوان الجزية لا يصدق على من لم تجب عليه الصدقة والزكاة، بل حتّى لو وجبت عليه الصدقة وكانت الصدقة لا تصل ولا تبلغ إلى مقدار الجزية، فإنّه في هذه الحالة لا يصدق عليه أنّها جزية، ولعلّه لوجود فارق بين الصدقة والجزية.
روى العامّة والجمهور عن عمر بن عبد العزيز - وهو من نسل عمر بن الخطّاب من جهة الأجداد والأمّ - أنّه لم يقبل من نصارى تغلب إلّا الجزية، وقال: لا والله إلّا الجزية، وإلّا فقد آذنتُكم بحرب[4] .
إلى هنا تحدّثنا عن أمر مهمّ، وهو أنّ الجزية تُؤخذ ممّن تنصّر في الجاهليّة. وأمّا من تنصّر بعد النسخ وبعد ظهور الإسلام، فهنا يوجد خلاف. قول يقول: أنّه ما تشمله الجزية. وقد استظهر صاحب الجواهر ذلك، قال: بل الظاهر عدم إلحاق حكم اليهود والنصارى لِمن تهوّد أو تنصّر بعد النسخ،
بل عن ظاهر التذكرة والمنتهى الإجماع عليه[5] . وفي مقابل ذلك قولٌ سيأتي إن شاء الله.
توجد مسألة أخرى: لو خالفوا الشرط، كما ينقل أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله بالنسبة إلى بني تغلب أخذ منهم الجزية بشرط أن لا يُنصّروا أبناءهم، وقد خالفوا الشرط ونصّروا أبناءهم، فحينئذٍ يستحقّوا القتل ولا يؤخذ منهم الجزية.
لذلك نُقل عن الإسكافيّ أنّه قال: لو وجد المسلمون قوّة واجتمعوا على القيام بالحقّ في بني تغلب، لم يُقِرّوا على النصرانيّة، لِما رُوي من تركهم الشرط الذي شرط رسول الله صلّى الله عليه وآله عليهم أن لا يُنصّروا أولادهم. ولِما رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «لئن بقيتُ لنصارى بني تغلب لأقتلنّ المقاتلة ولأسبينّ الذرّيّة، فإنّي أنا كتبتُ الكتاب بين النبيّ صلّى الله عليه وآله وبينهم على أن لا يُنصّروا أبناءهم، فليست لهم ذمّة، ولأنّهم قد صبغوا أولادهم ونصّروهم»[6] ، ونقل قول ابن الجنيد الإسكافي العلامة الحلّيّ[7] .
وأرسل الشيخ الصدوق عن الإمام الرضا عليه السلام: «أنّ بني تغلب أنِفوا من الجزية وسألوا عمر أن يعفيهم، فخشي عمر أن يلحقوا بالروم، فصالحهم على أن يصرف ذلك عن رؤوسهم ويضاعف عليهم الصدقة، فعليهم ما صالحوا عليه ورضوا به إلى أن يظهر الحقّ»[8] .
وعن عليّ عليه السلام أنّه قال: «لئن تفرّغتُ لبني تغلب ليكوننّ لي فيهم رأي، لأقتلنّ مقاتلتهم ولأسبينّ ذراريهم، فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمّة حين نصّروا أولادهم»[9] .
لكن ما ذكرناه في هذه الروايات من أنّ أمير المؤمنين أراد قتلهم لإخلالهم بشروط الذمّة أمرٌ آخر يختلف عمّا نحن فيه، وهو أنّه من تنصّر بعد النسخ لا تُؤخذ منه الجزية. ففي هذه الروايات عدم أخذ الجزية للإخلال بالشرط وهو عدم تنصير الأولاد. وما نحن فيه عدم أخذ الجزية ممّن تنصّر بعد النسخ وبعد بعثة النبيّ صلّى الله عليه وآله، فهذه الروايات أجنبيّة عن بحثنا.
نعم، استدلّ العلّامة الحلّيّ في مختلف الشيعة بهذه الروايات الدالّة على عدم أخذ الجزية من بني تغلب لإخلالهم بالشرط، استدلّ على عدم أخذ الجزية من بني تغلب للتنصّر بعد النسخ، والحال إنّه اختار ما نقله عن ابن الجُنَيد الإسكافيّ من أنّهم تركوا الشرط. فالعلّامة في المختلف اختار ما حكاه عن ابن الجُنَيد من أنّهم أخلّوا بالشرط ولا يستحقّون الجزية.
ثمّ بعد ذلك العلّامة الحلّيّ حكى ونقل عن ابن الجُنَيد الإسكافيّ والشيخ في الخلاف: جواز إقرار من بدّل دينه بدين يُقَرّ أهله عليه كاليهوديّة والنصرانيّة[10] ، بل عن الخلاف الإجماع على ذلك[11] . بل عن الشيخ الطوسيّ في المبسوط نسبته إلى ظاهر المذهب[12] . كما أنّ العلّامة الحلّيّ اختار أيضًا هذا القول في مختلف الشيعة [13] .
إلى هنا ذكرنا قولَين: لكن الكلام في هذين القولين عمّن تهوّد أو تنصّر في الجاهليّة قبل النسخ، فهذا يصدق على أنّه من أهل الكتاب. ومن تنصّر أو تهوّد وصار من أهل الكتاب بعد النسخ، هذا فيه خلاف. وأمّا غير اليهوديّ وغير النصرانيّ، فهذا لا يشمله عنوان أهل الكتاب إلّا المجوس للدليل الخاصّ، والصابئة على مبنانا للآيات الكريمة.
ومن هنا فإنّ ما عن أبي حنيفة والشافعيّ وأحمد بن حنبل من اتّباع عمر على فعله في غير محلّه: عدم أخذ الجزية منهم، والحال أنّ بني تغلب تنصّروا في الجاهليّة، فلا بدّ من أخذ الجزية منهم[14] .
ومن الواضح أنّ هذا الفعل مخالف للكتاب والسنّة.
كما أنّ المحكيّ عن أبي حنيفة من قبول الجزية من جميع الكفّار إلّا العرب في غير محلّه[15] .
كما أنّ ما نُقل عن أحمد بن حنبل من قبول الجزية من جميع الكفّار إلّا عَبَدة الأوثان من العرب، هذا أيضًا في غير محلّه[16] .
وأيضًا ما نُقل عن مالك بن أنس من قبول الجزية من جميع الكفّار إلّا من مشركي قريش، هذا ليس بتامّ[17] .
والسرّ في ذلك: أنّ أقوال الأئمّة الأربعة - أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس ومحمّد بن إدريس الشافعيّ وأحمد بن حنبل - في أخذ الجزية من جميع الكفّار عدا العرب أو المشركين، مخالف للكتاب والسنّة. عمومات الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾[18] ، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾[19] ، ﴿اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾[20] ، هذه العمومات تشمل جميع فِرَق الكفّار، ويُستثنى منهم خصوص أهل الكتاب بمقتضى الآية - آية الجزية [21] من سورة التوبة.
نعم، الفِرَق الثلاث وهم اليهود والنصارى والمجوس، إذا التزموا بشرائط الذمّة، أُقِرّوا على دينهم سواء كانوا من العرب أو العجم، لا فرق في ذلك. قال صاحب الجواهر: بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل في المنتهى والمسالك ومحكيّ التذكرة الإجماع عليه[22] .
إذًا يوجد إجماع على أنّ اليهود والنصارى والمجوس إذا التزموا بشرائط الذمّة، أُخذت منهم الجزية وأُعطوا الأمان ولهم السكنى في دار الإسلام.
فالدليل الأوّل على أخذ الجزية منهم وإقرارهم على دينهم هو الإجماع، وهذا الإجماع - إن قيل بحجّيّته - فهو حجّة بعد إطلاق الكتاب والسنّة.
وأخذ النبيّ صلّى الله عليه وآله من نصارى نجران - وقد كانوا عربًا – فنصارى نجران قُرب اليمن، أصل العرب. كما دلّ على أنّ النبيّ أخذ من نصارى نجران الجزية ما ورد في سنن أبي داود[23] ، وسنن البيهقيّ[24] ، ومعرفة السنن والآثار[25] .
فما عن أبي يوسف - وهو صاحب أبي حنيفة، وأبو يوسف أين مدفون؟ في حَرَم الإمام الكاظم. أبو حنيفة مدفون في الأعظميّة في بغداد، والإمام الكاظم سلام الله عليه مدفون بالكاظميّة، سُمّيت باسمه، في بعض غُرَف الحَرَم مدفون أبو يوسف صاحب أبي حنيفة النعمان - فعن أبي يوسف عدم أخذ الجزية من الأعراب، وهذا واضح الفساد[26] ، بل ردّه غير واحد حتّى من فريقه ومن أتباع أبي يوسف وأبي حنيفة النعمان، ردّوه بماذا؟ بالإجماع على خلاف هذا الرأي والنظام[27] .
نعم، ورد في خبر دعائم الإسلام عن عليّ عليه السلام أنّه قال: «لا تُقبل من عربيّ جزية، وإن لم يُسلموا قوتلوا»[28] .
بعد من تسمع مستدرك الوسائل في الغالب الرواية ضعيفة. قال بعضهم: أنّ المحدّث النوريّ قد جمع ما تركه صاحب الوسائل، فصاحب الوسائل ركّزت الروايات الصحيحة، لكنّ المحدّث النوريّ على مسلكه جمع أيضًا الروايات الأخرى، وأكثرها ضعيف. لكنّ هذه الروايات الضعيفة قد تُشكّل استفاضةً أو تواترًا؛ هي ضعيفةٌ — يعني لم يقم الدليل على حجّيتها — لا أنّها مكذوبةٌ أو موضوعة، أي قام الدليل على بطلانها وفسادها. فالرواية الضعيفة قد تُشكّل تواترًا أو استفاضةً.
لكنّ هذه الرواية — رواية الدعائم — مُرسَلة، ويُحتمَل فيها إرادة مَن تنصَّر من العرب جديدًا.
هذا تمامُ الكلام بالنسبة إلى بني تغلب.
وأمّا دعوى بعض أهل الذمّة وهم أهل خيبر سقوط الجزية عنهم بكتاب من النبيّ صلّى الله عليه وآله، فهذا لم يثبت[29] . بل الثابت خلافه. بل عن أبي العبّاس ابن سُرَيج أنّهم طُولبوا بالجزية فأخرجوا كتابًا ذكروا أنّه خطّ عليّ كتبه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، وفيه شهادة سعد ومعاوية، وكان تاريخه بعد موت سعد - وفي نسخة الجواهر: فأخرجوا كتابًا ذكروا أنّه خطّ معاذ كتبه عن رسول الله، وفيه شهادة سعد ومعاوية، وكان تاريخه بعد موت معاذ وقبل إسلام معاوية - فعُلم بطلانه[30] .
هذا تمام الكلام في بعض الفِرَق من النصارى كتغلب، ومن اليهود كأهل خيبر.
تتمّة الحديث تأتي، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.