47/08/12
12 شعبان 1447
1 فبراير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وثمانیة وخمسون): هل الصابئة من أهل الكتاب؟
قولان في المسألة:
القول الأوّل: دخول الصابئة تحت عنوان أهل الكتاب أو من لهم شبهة كتاب
وذهب إلى ذلك ابن الجنيد الإسكافي[1] ، والشافعي في أحد قوليه[2] ، وأحمد بن حنبل ومالك على تفصيل يأتي.
القول الثاني: عدم إلحاق الصابئة بأهل الكتاب
وذهب إلى ذلك الشيخ المفيد رحمه الله[3] ، والشيخ الطوسي قدّس الله سرّه[4] ، والشيخ الطبرسي في مجمع البيان[5] ، والقُمّي في تفسير القمّي[6] ، وكذلك الجصّاص في أحكام القرآن[7] ، والقرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن[8] .
فلا بدّ من النظر في أدلّة القولين لتحقيق الصحيح منهما.
أقوال المعاصرين
وأمّا أعلام العصر، فقد ذهب السيّد أبو القاسم الخوئي رحمه الله في منهاج الصالحين[9] إلى أنّ الأظهر أنّ الصابئة من أهل الكتاب، وتبعه على ذلك شيخنا الأستاذ الميرزا جواد التبريزي في منهاجه[10] ، وسيّدنا الأستاذ السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي في منهاجه[11] .
وخالفهم شيخنا الأستاذ الشيخ حسين الوحيد الخراساني حفظه الله في تعليقته على المنهاج، فقال: “يوجد إشكال في إلحاقهم بحكم أهل الكتاب”[12] .
تفصيل الأقوال
القول الأوّل: إنّ الصابئة من أهل الكتاب
فعن ابن الجنيد الإسكافي التصريح بأخذ الجزية منهم والإقرار على دينهم، وقد نقل عنه هذا القولَ العلّامةُ الحلّي في مختلف الشيعة[13] .
وإلحاق الصابئة بأهل الكتاب إمّا لأنّهم دين مستقلّ عن اليهوديّة والنصرانيّة والمجوسيّة، فيكون دينًا رابعًا من الأديان التي ينطبق عليها عنوان أهل الكتاب، وإمّا لإلحاق الصابئة بأحد الأديان الثلاثة، كما عليه جملة من العامّة.
قال الشيخ محمّد حسن الجواهري رحمه الله[14] : “ولا بأس به إن كانوا من إحدى الفِرَق الثلاثة”.
فعن أحد قولَي الشافعي: أنّهم من أهل الكتاب، وإنّما يخالفونهم في فروع المسائل لا في أصولهم[15] .
وعن ابن حنبل وجماعة من أهل العراق: أنّهم جنس من النصارى[16] .
وعن ابن حنبل أيضًا: أنّهم يُسبِتون، فهم من اليهود[17] .
وعن مجاهد: هم من اليهود أو النصارى، وقال السُّدِّي: هم من أهل الكتاب، وكذا السامِرة[18] .
وعن الأوزاعي ومالك: أنَّ كلّ دين بعد دين الإسلام سوى اليهوديّة والنصرانيّة مجوسيّة، وحكمهم حكم المجوس[19] . وعن عمر بن عبد العزيز: هم مجوس[20] . وعن الشافعي أيضًا وجماعة من أهل العراق: حكمهم حكم المجوس[21] .
هذه الأقوال على اختلافها تُدرِج الصابئة تحت اليهود أو النصارى أو المجوس، وبالتالي يصدق عليهم عنوان أهل الكتاب؛ لكون الصابئة فرقةً من فِرَق الديانات الثلاث التي ثبت أنّهم أهل كتاب.
لذلك قال صاحب الجواهر: "وحينئذٍ يتّجه قبول الجزية منهم".
وحينئذٍ أي إذ أدرجناهم تحت اليهود أو النصارى أو المجوس. وسيتّضح إن شاء الله تعالى أنّ الصابئة دين مستقلّ ولا يندرج تحت اليهود أو النصرانيّة أو المجوسيّة.
وهم موجودون إلى يومنا هذا في العراق، وعادةً يرتدون الثياب البيضاء ويغتسلون من النهر، ولربّما اشتُقّ الصابئة من “الصابئ” أي المُغتسِل. فهم يقولون بالطهارة، ولهم دين خاصّ ومراسم خاصّة.
ولكن قيل عنهم: إنّهم يقولون إنّ الفَلَك حيّ ناطق، وإنّ الكواكب السبعة السيّارات آلهة[22] .
فمن بعض العقائد التي تُنسَب إليهم ربّما يُدّعى أنّهم عَبَدة الكواكب. وهذا لا ينفي أنّهم أهل كتاب، فلربّما كان لهم كتاب وحرّفوا دينهم، كما هو الحال عند اليهود في التوراة والمسيح في الإنجيل، والمجوس الذين أحرقوا كتاب نبيّهم وقتلوه.
القول الثاني: إنّ الصابئة ليسوا أهل كتاب
فعن تفسير القمّي[23] ، وغيره كأحكام القرآن للجصّاص[24] ، وتفسير القرطبي[25] . أنّهم ليسوا أهل كتاب، وإنّما هم قوم يعبدون النجوم.
وبناءً على ذلك: عدم قبول الجزية منهم.
ولعلّه لذلك صرّح الفاضل العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة[26] بعدم قبول الجزية منهم، حاكيًا له عن الشيخين - والمراد بالشيخين: المفيد والطوسي.
وقد تتبّع وليّ أمر المسلمين السيّد عليّ الحسيني الخامنئي حفظه الله الكلماتِ في رسالة شريفة طُبعت ضمن ثلاث رسائل تحت عنوان “ثلاث رسائل في الجهاد: الأمان والصابئة والمهادنة”[27] . والرسالة التي في الصابئة تقع في صفحة مائة وثلاثة وستّين.
ونقل كلام المفيد في المقنعة[28] ، وكلام الشيخ الطوسي في الخلاف[29] ، وكلام الطبرسي في مجمع البيان[30] ، وكلام القمّي في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي[31] .
واستخلص من كلامهم عدّة أمور بعد أن قارن كلامَهم بكلام مقابلهم - وهو كلام ابن الجنيد الإسكافي الذي نقله العلّامة في المختلف وأثبت أنّهم أهل الكتاب - فذكر صفحة مائة وستّة وستّين ما نصّه:
“والذي يتحصّل من الأقوال: أوّلًا: أنّه ليس في المسألة إجماع من أصحابنا، وذلك لمخالفة ابن الجنيد رحمه الله. وثانيًا: إنّ الموضوع في هذه المسألة ممّا لم يُنقَّح من قِبَل فقهائنا، لا بالفحص الخارجي بالتتبّع في أحوال منتحلي هذه النحلة واستماع عقائدهم منهم أو فهمها من كتبهم وأسفارهم، ولا بمقاربة ما قيل عنهم بتاريخهم” إلى آخر كلامه حفظه الله وأيّده وأطال في عمره ومتّع المسلمين بطول بقائه.
نعم، قد يُدّعى أنّ الصابئة قسم من النصارى، وهم يقولون بهذه المقالة - عبادة النجوم والكواكب - وإن زعموا أنّهم على دين المسيح، فتكون الجزية مقبولة من جميع النصارى على اختلاف مذاهبهم وفِرَقهم، كاليعقوبيّة والنسطوريّة والملكيّة والفرنج والروم والأرمن وغيرهم ممّن يدين بالإنجيل وينتسب إلى عيسى عليه السلام، وإن اختلفوا في الأصول والفروع. وكذلك اليهود والمجوس. هذا تمام الكلام في عرض القولين.
تنقيح الأصل في المسألة
وقبل ترجيح الرأي الصحيح، لا بدّ من تنقيح الأصل في المسألة، ونتكلّم في أمرين:
الأمر الأوّل: مقتضى الأصل العملي
وهو الاستصحاب، ولو باستصحاب العدم الأزلي. فالأصل عدم كون الإنسان من أهل الكتاب وإثبات أنّه من اليهود أو النصارى أو المجوس، يحتاج إلى دليل. فإذا شككنا في أنّ شخصًا كتابيّ أو لا، استصحبنا عدم الكتابيّة. فالأصل العملي - وهو الاستصحاب - يقتضي سلب الكتابيّة عن الشخص المشكوك.
وقد ناقش في هذا الأصل السيّد القائد في رسالته[32] ، وتُراجَع، ولا داعي لإطالة البحث في المقام.
الأمر الثاني: التمسّك بالعمومات
وهنا نتمسّك بالعمومات الآمرة بقتل المشركين كما في سورة التوبة الآية الخامسة: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾[33] ، ولا نخرج عن هذه العمومات إلّا بالقدر المتيقّن، وهو مَن صدق عليهم عنوان أهل الكتاب. وهذا عنوان أُخِذ كشرط في قبول الجزية.
فإذا شككنا في كافر أنّه كتابيّ أو غير كتابيّ، يمكن أن نتمسّك بهذه العمومات الآمرة بقتل المشركين، ولا نرفع اليد عن هذه العمومات إلّا إذا ثبت أنّه كتابيّ. والحال إنّ الصابئ مشكوك في كتابيّته، فنتمسّك بالعمومات الآمرة بقتل المشركين.
وقد ناقش السيّد القائد الخامنئي حفظه الله أيضًا في التمسّك بهذه العمومات، قائلًا: إنّها ناظرة إلى مجتمع مكّة والمدينة في ذلك الوقت[34] . ولا نريد إطالة البحث؛ فإنّه يحتاج إلى وقت طويل إذا دخلناه.
وعن صريح الغُنْية للسيّد ابن زُهرة[35] ، وظاهر المحكيّ عن المفيد[36] : الإجماع على عدم كون الصابئة من أهل الكتاب.
ثمّ يعلّق صاحب الجواهر: “لكنّ الموجود في زماننا منهم في دار الإسلام يُعامَلون معاملة أهل الكتاب، وإن كان هو من حُكّام الجَوْر، فلا يُعتَمد عليه في كشف الأمر الشرعي”[37] .
فيبدو أنّ صاحب الجواهر كان في العراق، وكانت الدولة آنذاك تتعامل مع الصابئة في العراق معاملة أهل الكتاب.
وقال العلّامة في المنتهى: “قد كانت النصرانيّة في الجاهليّة في ربيعة وغسّان وبعض قُضاعة واليهودية في حِمْيَر وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكِنْدة، والمجوسيّة في بني تميم، وعبادة الأوثان والزندقة في قريش وبني حنيفة”[38] .
هذا تمام الكلام في بيان القولين في المسألة.
والصحيح: إلحاق الصابئة بأهل الكتاب، ويمكن أن يُستدَلّ على ذلك بوجهين:
الأوّل: التمسّك بالآيات الكريمة.
الثاني: النظر إلى أقوال ومعتقدات الصابئة.
وكلا هذين الوجهين قد يُثبِت أنّ الصابئة من أهل الكتاب أو مُلحَقون بهم. وقد ذكر هذين الوجهين السيّد القائد في ثلاث رسائل الجهاد[39] .
أمّا الوجه الأوّل: وهو ما يُستفاد من الآيات الكريمة التي ذُكر فيها اسم الصابئة
وقد ذُكرت في ثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[40] .
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا - هذا وجه الشاهد - فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[41] .
وفي هاتين الآيتين:
1. أوّلًا: ذُكر أنّ عقائد الصابئة تشتمل على الإيمان بالله واليوم الآخر.
2. الثاني: أنّ مَن آمن منهم بالله واليوم الآخر وقرن ذلك بالعمل الصالح، وهو من أهل النجاة. وهذا لا يكون إلّا في صورة صحّة هذا الدين وكونه نازلًا من قِبَل الله تعالى؛ وإلّا ما يصدق على عمله أنّه عمل صالح، يعني هذا دين مَرْضيّ.
3. وثالثًا: أنّ الأديان الثلاثة مستقلّة بعضها عن بعض، على ما هو الظاهر المتبادَر من تعدادها. ذُكرت اليهوديّة والمسيحيّة والصابئة، فهي أديان مستقلّة.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[42] .
وفي هذه الآية يوجد تصنيف ثلاثيّ:
1. الأوّل: مَن آمن بالله.
2. الثاني: أهل الكتاب.
3. الثالث: الذين أشركوا.
وفي الصنف الثاني - أهل الكتاب - ذُكر: الذين هادوا (وهم اليهود) والصابئين والنصارى والمجوس. فهذه الأصناف - هذه الديانات الأربعة - تندرج تحت عنوان أهل الكتاب.
هذا تمام الكلام بإيجاز في هذا الوجه، ولعلّه هو الوجه الذي ارتضاه السيّد أبو القاسم الخوئي رحمه الله في منهاج الصالحين[43] ، قال: “تُؤخَذ الجزية من أهل الكتاب، يرتفع عنهم القتال والاستعباد، ويُقَرّون على دينهم، ويُسمَح لهم بالسكنى في دار الإسلام آمنين على أنفسهم وأموالهم، وهم: اليهود والنصارى والمجوس بلا إشكال ولا خلاف، بل- عادةً في مواطن الخلاف - بل الصابئة أيضًا على الأظهر؛ لأنّهم من أهل الكتاب على ما تدلّ عليه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾”.
هنا الآية لم تُصرّح بأنّهم أهل كتاب، لكن وجه التمسّك: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أنّ هذا دين يرتضيه الله تبارك وتعالى.
هذا تمام الكلام في الوجه الأوّل.
الوجه الثاني: التمسّك بما ذُكر وقد ذُكر في المضامين المنقولة عن كتبهم
كتبًا يعتبرونها سماويّة وينسبونها إلى أنبياء الله، كما نُقل عمّا يُسمّى “كَنْزَا رَبَّا” أي “الكنز الكبير”، فإنّه يشتمل على عقائد كعقيدة التوحيد والمَعاد، وتسمية الحقّ المتعال بالأسماء الحسنى والصفات العُليا.
ويدّعون أنّ هذا الكتاب هو كتاب يحيى، أو كتاب شيث وصُحُف آدم، أو كتاب إدريس، بحسب اختلاف على ما يُنقَل عنه. وعادةً ما ينسبونهم إلى كتاب يحيى وصُحُف آدم.
إذًا، عندهم نبيّ وعندهم كتاب. بناءً على ذلك، يمكن إدخالهم تحت عنوان مَن عندهم كتاب.
وسيأتي إن شاء الله أنّ عنوان “أهل الكتاب” في الاستخدام القرآني يصدق على اليهود والنصارى فقط، لكنّ لفظ “الكتاب” في القرآن الكريم لم يُذكَر في خصوص اليهود والنصارى. لفظ “الكتاب” أُطلِق على الكتاب السماوي النازل من الله عزّ وجلّ في القرآن الكريم، لكنّ لفظ “أهل الكتاب” ورد في خصوص اليهود والنصارى.
تتمّة الحديث تأتي.
وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين.