« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الفقه

47/08/11

بسم الله الرحمن الرحيم

11 شعبان 1447
31 يناير 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مائة وسبعة وخمسون): أحكام أهل الذمة

 

وفيها بحوث وأمور:

مَن تُؤخَذ منه الجزية.

الجزية على وزن فِعْلة من جزى يجزي، يُقال: جزيتُ دَيْني إذا قضيتُه، جزيتُ دَيْني إذا قضيتُ الدَّيْن[1] .

ولعلّ منه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾[2] ، أي: لا تقضي نفس عن

نفس شيئًا، وإن كان الأقرب بحسب الظهور العرفي: لا تُغني نفس عن نفس شيئًا.

إذًا الجزية من الجزاء والقضاء في اللغة العربيّة.

وأمّا في الاصطلاح، فالجزية هي: الوظيفة المأخوذ من أهل الكتاب لإقامتهم بدار الإسلام وكفّ القتال عنهم.

إذًا في الاصطلاح، الجزية هي: ما يُؤخَذ من أهل الكتاب مقابل كفّ القتال عنهم أوّلًا، وإقامتهم بدار الإسلام ثانيًا.

ولا خلاف بين المسلمين، كما في منتهى المطلب للعلّامة الحلّي[3] ، فضلًا عن المؤمنين، كما في رياض المسائل[4] . في عنوان: تُؤخَذ ممّن يُقَرّ على دينه - أن يبقى على دينه - من اليهود والنصارى، فالقدر المتيقّن من أهل الكتاب صنفان، وهما: اليهود بأقسامهم، والنصارى بأقسامهم. ولعلّ هذا من ضروريّات المذهب أو الدِّين.

قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[5] .

ومن الواضح أنّ اليهود أنزل الله لهم التوراة على يد النبيّ موسى عليه السلام، وأنّ النصارى والمسيحيّين قد أنزل الله لهم الإنجيل على يد نبيّ الله عيسى ابن مريم، على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام.

وقد روت الخاصّة والعامّة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يوصي أمراء السرايا بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال، فإن أبَوا فإلى الجزية، فإن أبَوا قوتلوا[6] .

هذا تمام الكلام في أنّ أهل الكتاب تُؤخَذ منهم الجزية، وهم: اليهود والنصارى.

ويُلحَق بهما مَن له شبهة كتاب، وهم المجوس والسرّ في هذا التعبير - أنّ لهم شبهة كتاب - أنّهم كان لديهم كتاب فأحرقوه، وكان عندهم نبيّ فقتلوه، بخلاف اليهود والنصارى، فإنّ التوراة موجودة

لكنّها محرّفة، والإنجيل موجود لكنّه محرّف. فقد يُتوهَّم أنّ المجوس لم يكن لديهم نبيّ ولا كتاب، لذلك عُبِّر عنهم بأنّ لهم شبهة كتاب. فهم من أهل الكتاب.

قال صاحب الجواهر: “بلا خلاف أجده فيه، إلّا من ظاهر المحكيّ عن العُمّاني، فألحقهم بعُبّاد الأوثان وغيرهم ممّن لا يُقبَل منهم إلّا الإسلام. ولكن قد سبقه الإجماع بقسميه: المنقول والمحصَّل، ولحقه أيضًا الإجماع بقسمَيه: المنقول والمحصَّل، وتظاهرت النصوص بخلافه” - خلاف كلام ابن أبي عقيل العُمّاني[7] .

نفى الخلاف عن إلحاق المجوس بأهل الكتاب العلّامة في منتهى المطلب[8] ، ونقل العلّامة عن ظاهر العُمّاني مخالفة ذلك في كتاب مختلف الشيعة[9] ، ونقل الإجماع العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء[10] .

وممّن قال بهذا القول - إلحاق المجوس باليهود والنصارى -: الشيخ الطوسي في المبسوط[11] ، وابن إدريس الحلّي في السرائر[12] ، وابن حمزة في الوسيلة[13] ، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع[14] ، والعلّامة الحلّي في إرشاد الأذهان[15] .

أقول: لا شكّ ولا ريب في إلحاق المجوس باليهود والنصارى وصدق عنوان أهل الكتاب عليهم، وهذا واضح لمن راجع الروايات والفتاوى. فبمراجعة الأحاديث وكلمات الأصحاب تجد هذا من أوضح الواضحات.

قال العلّامة الحلّي في المنتهى ما نصّه:

“وتُعقَد الجزية لكلّ كتابيّ بالغ عاقل، ونعني بالكتابيّ: مَن له كتاب حقيقة: وهم اليهود والنصارى، ومَن له شبهة كتاب: وهم المجوس، فتُؤخَذ الجزية من هؤلاء الأصناف الثلاثة بلا خلاف بين علماء الإسلام” - أي إجماع من السُّنّة والشيعة وكلّ فِرَق المسلمين - “بلا خلاف بين علماء الإسلام في ذلك في قديم الوقت وحديثه، فإنّ الصحابة أجمعوا على ذلك، وعمل به الفقهاء القدماء ومَن بعدهم إلى زمننا هذا، من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر وغيرهم من أهل الأصقاع في جميع الأزمان” إلى آخر كلامه رحمه الله[16] .

وجاء في مرسل الواسطي: سُئل أبو عبد الله عليه السلام عن المجوس: أكان لهم نبيّ؟ فقال: «نعم، أما بلغك كتاب رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى أهل مكّة: أسلِموا وإلّا نابذتُكم بحرب، فكتبوا إليه: أن خُذ منّا الجزية ودَعْنا على عبادة الأوثان، فكتب إليهم صلّى الله عليه وآله: إنّي لستُ آخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب، فكتبوا إليه يريدون بذلك تكذيبه: زعمتَ أنّك لا تأخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب، ثمّ أخذتَ الجزية من مجوس هَجَر! فكتب إليهم رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّ المجوس كان لهم نبيّ فقتلوه، وكتاب أحرقوه، أتاهم نبيُّهم بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور»[17] .

وجاء في خبر الواسطي في تهذيب الأحكام، قال: سُئل أبو عبد الله عليه السلام عن المجوس، فقال: «كان لهم نبيّ فقتلوه، وكتاب أحرقوه، أتاهم نبيُّهم به في اثني عشر ألف جلد ثور، وكان يُقال له جاماست»[18] .

وفي رواية مَن لا يحضره الفقيه: «المجوس يُؤخَذ منهم الجزية؛ لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال: سُنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب. وكان لهم نبيّ اسمه داماست، وكتاب اسمه جاماست، كان يقع في اثني عشر ألف جلد ثور، فحرقوه»[19] .

(طبعًا المقدّمة كلام الصدوق: “المجوس يُؤخَذ منهم الجزية” - كلامه بنحو الجزم، يعني فتوى من الصدوق).

وذكر الشيخ الصدوق رحمه الله في كتاب الأمالي - المسمّى أيضًا المجالس - بسنده عن الأصبغ بن نُباتة ما نصّه: إنّ عليًّا عليه السلام قال على المنبر: «سَلوني قبل أن تفقدوني”، فقام إليه الأشعث فقال: يا أمير المؤمنين، كيف تُؤخَذ الجزية من المجوس ولم ينزل عليهم كتاب؟ فقال: “بلى يا أشعث، قد أنزل الله إليهم كتابًا وبعث إليهم نبيًّا»[20] .

وذكر المفيد في المقنعة عن أمير المؤمنين عليه السلام ما نصّه: «والمجوس إنّما أُلحِقوا باليهود والنصارى في الجزية والديات؛ لأنّه قد كان لهم فيما مضى كتاب»[21] .

وفي خبر عليّ بن دَعْبل المرويّ عن المجالس أيضًا، عن الرضا عن أبيه عن آبائه عن عليّ بن الحسين عليهم السلام: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «سُنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب» - يعني المجوس[22] .

(طبعًا لماذا سُمّي بالأمالي؟ لأنّه روايات كان يُمليها. ومَن الذي كتب أمالي الطوسي؟ ابنه الحسن الملقَّب بالمفيد الثاني. لذلك: أمالي المفيد، أمالي المرتضى، أمالي الطوسي. أمالي الصدوق يُعبَّر عنه بالمجالس؛ لأنّه يعقد مجلسًا ويُملي. هذي كانت سُنّة في الحديث). إلى غير ذلك من النصوص المنجبرة بعمل الأصحاب. هذه الروايات الخاصّة، فضلًا عن روايات العامّة. روايات من العامة والخاصة.

من العامّة ما رواه الشافعي بإسناده: إنّ فَرْوة بن نُوْفَل الأشجعيّ قال: “علامَ تُؤخَذ الجزية من المجوس وليسوا بأهل كتاب؟” فقام إليه المستورِد فأخذ بتلبيبه - قد يُعبَّر بتلابيبه، يعني: جَمَع ثيابه فوق الرقبة، باصطلاحنا: “زَنْطه”.

قال ابن الأثير في النهاية[23] : باب تَلَبَّبَ: “أخذ بتلبيبه وتلابيبه: إذا جمعتَ ثيابه عند صدره ونحره ثمّ جررتَه، وكذلك إذا جعلتَ في عنقه حبلًا أو ثوبًا ثمّ أمسكتَه به”.

الرواية تقول: “فقام إليه المستورِد فأخذ بتلبيبه، فقال: عدوّ الله! أتطعن على أبي بكر وعمر وعليّ أمير المؤمنين عليه السلام، وقد أخذوا منهم الجزية؟ فذهب به إلى القصر، فخرج عليّ عليه السلام فجلسوا في ظلّ القصر، فقال: أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه، وإنّ ملكهم سَكر فوقع على بنته أو أخته، فاطّلع عليه بعض أهل مملكته أنّه زنا بأخته أو بنته وهو سكران، فلمّا أضحى جاؤوا يُقيمون عليه الحدّ، فامتنع منهم ودعا أهل مملكته وقال: تعلمون دينًا خيرًا من دين أبيكم آدم عليه السلام؟ وقد ذُكر أنّه أنكح بَنيه بناته، وأنا على دين آدم. قال: فتابعه قومه وقاتلوا الذين يخالفونه حتّى قتلوهم، فأصبحوا وقد أُسرِيَ بكتابهم ورُفع من بين أظهرهم، وذهب العلم الذي في صدورهم، فهم أهل كتاب. وقد أخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وأبو بكر - وأراه قال: ورفع عمر - منهم الجزية”[24] .

ثمّ علّق صاحب الجواهر بحقّ[25] : “ولعلّ التعبير بشبهة الكتاب لعدم تحقّق ما في أيديهم الآن من الكتاب، بعد ما سمعتَ من النصوص أنّهم أحرقوه أو رُفع من بين أظهرهم، كالعلم الذي كان عندهم. وربّما كان في قوله صلّى الله عليه وآله: سُنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب، إشعار بذلك”[26] .

الخلاصة:

اتّضح أنّ الجزية تُؤخَذ من أهل الكتاب، ومَن بين أظهرهم كتاب بالفعل، وهم: اليهود - حيث عندهم التوراة وإن كانت محرّفة - والنصارى - حيث عندهم الإنجيل وإن كان محرّفًا.

وأمّا المجوس، فليس بين أظهرهم كتاب بالفعل الآن، لكن عندهم شبهة كتاب؛ لأنّه قد أنزل الله عليهم كتابًا فأحرقوه، وبعث لهم نبيًّا فقتلوه.

هذا تمام الكلام في بيان المراد من أهل الكتاب، وهم: اليهود والنصارى، ومَن عندهم شبهة كتاب، وهم: المجوس.

سؤال: هل يُلحَق الصابئة بأهل الكتاب أو لا؟

يوجد خلاف بين الفقهاء، فبعضهم قد ألحقه - كالسيّد القائد السيّد عليّ الخامنئي حفظه الله - وبعضهم لم يُلحقه.

البحث في لُحوق الصابئة بأهل الكتاب يأتي عليه الكلام.

وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

 


[1] . النهاية في غريب الحديث (ابن الأثير)، ج1/ص270؛ مجمع البحرين (الطريحي)، ج1/ص84.
[3] . منتهى المطلب (العلّامة الحلّي)، ج2/ص959 (الطبعة الحجريّة).
[4] . رياض المسائل (السيّد عليّ الطباطبائي)، ج8/ص35.
[6] . تُراجَع روايات الخاصّة: الكافي (الكليني)، ج5/ص29، باب وصيّة رسول الله صلّى الله عليه وآله في السرايا، ح8؛ تهذيب الأحكام (الشيخ الطوسي)، ج6/ص138، باب60 ما ينبغي لوالي الإمام، ح2؛ وسائل الشيعة (الحرّ العاملي)، ج15/ص59، باب15 من أبواب جهاد العدوّ، ح3. وأمّا روايات العامّة، تُراجَع: سنن أبي داود، ج3/ص37؛ سنن ابن ماجه، ج2/ص953؛ السنن الكبرى (البيهقي)، ج9/ص184؛ السنن الكبرى (النسائي)، ج5/ص207؛ مسند أحمد بن حنبل، ج5/ص352؛ مسند الشافعي، ص169؛ المصنّف (ابن أبي شيبة)، ج7/ص581؛ كنز العُمّال (المتّقي الهندي)، ج4/ص380.
[7] . جواهر الكلام (الشيخ محمّد حسن الجواهري)، ج22/ص396 (الطبعة القديمة)؛ ج21/ص227.
[8] . منتهى المطلب، ج14/ص63.
[9] . مختلف الشيعة (العلّامة الحلّي)، ج4/ص430.
[10] . تذكرة الفقهاء (العلّامة الحلّي)، ج9/ص279.
[11] . المبسوط (الشيخ الطوسي)، ج2/ص581.
[12] . السرائر (ابن إدريس الحلّي)، ج2/ص6.
[13] . الوسيلة (ابن حمزة)، ص200.
[14] . الجامع للشرائع (يحيى بن سعيد الحلّي)، ص234.
[15] . إرشاد الأذهان (العلّامة الحلّي)، ج1/ص350.
[16] . منتهى المطلب، ج2/ص959 (الطبعة الحجريّة).
[17] . الكافي، ج3/ص567، كتاب الزكاة، باب صدقة أهل الجزية، ح4؛ تهذيب الأحكام، ج4/ص113، كتاب الزكاة، باب30 الجزية؛ وسائل الشيعة، ج15/ص126، باب49 من أبواب جهاد العدوّ، ح1.
[18] . تهذيب الأحكام، ج6/ص175، ح279، باب النوادر من كتاب الجهاد؛ وسائل الشيعة، ج15/ص127، باب49 من أبواب جهاد العدوّ، ح3.
[19] . مَن لا يحضره الفقيه (الصدوق)، ج2/ص53، كتاب الزكاة، باب الخراج والجزية، ح1678؛ وسائل الشيعة، ج15/ص127، باب49 من أبواب جهاد العدوّ، ح5.
[20] . الأمالي (الصدوق)، المجلس الخامس والخمسون، ح1، ص280؛ وسائل الشيعة، ج15/ص128، باب49 من أبواب جهاد العدوّ، ح7.
[21] . المقنعة (الشيخ المفيد)، ص270، كتاب الزكاة، باب أصناف أهل الجزية؛ وسائل الشيعة، ج15/ص128، باب49 من أبواب جهاد العدوّ، ح8.
[22] . الأمالي (الطوسي)، ح770، ص305؛ وسائل الشيعة، ج15/ص128، باب49 من أبواب جهاد العدوّ، ح9.
[23] . النهاية في غريب الحديث، ج1/ص193، باب تَلَبَّبَ.
[24] . كتاب الأُمّ (الشافعي)، ج4/ص183؛ مسند الشافعي، ص170؛ السنن الكبرى (البيهقي)، ج9/ص189؛ كنز العُمّال، ج4/ص499؛ المغني (ابن قدامة)، ج10/ص569؛ الشرح الكبير، ج10/ص585؛ معرفة السنن والآثار (البيهقي)، ج7/ص115.
[25] . جواهر الكلام، ج22/ص400.
[26] . مسند الشافعي، ص209؛ السنن الكبرى (البيهقي)، ج9/ص189؛ المصنّف (عبد الرزّاق)، ج6/ص68؛ المصنّف (ابن أبي شيبة)، ج3/ص112؛ معرفة السنن والآثار، ج7/ص114؛ كنز العُمّال، ج4/ص502؛ الاستذكار (ابن عبد البرّ)، ج3/ص242.
logo