47/08/01
1 شعبان 1447
21 يناير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وستة وخمسون): فروعٌ في الغنيمة
ذكرنا حكم ما يغنمه المشركون من أموال المسلمين وذراريهم ثمّ يرتجعها المسلمون، وقلنا إنّ الصحيح في ذلك هو أنّها ترجع إلى أربابها المسلمين مطلقاً، سواء كانت أولاداً أو أموالاً، أو عبيداً قبل القسمة أم بعد القسمة، وهذه التفاصيل تختصّ بخصوص ما يؤخذ من المشركين غنيمةً، أي أنّه لو حصل قتال بين المسلمين والكفّار الحربيّين وارتجع المسلمون ما أخذه الكفّار الحربيّون من المسلمين.
ولكن توجد فروع أخرى، وهو أن يأخذ المسلمون من الكفّار بنحو السرقة أو الهبة أو الشراء أو الإيجار أو العارية أو غير ذلك، ثمّ يتّضح أنّ ما أخذه المسلم من الكافر إنّما هو ملك لمسلم آخر وليس ملكاً لهذا الكافر الذي اشترى منه أو وهبه هذا المال، فما هو حكمه؟
فقد مضى حكم ما لو أخذ مال المسلم من الكافر على وجه الاغتنام بالجهاد، أمّا إذا أخذ سرقة أو هبة أو شراء أو نحو ذلك، فلا شكّ ولا إشكال في عوده إلى مالكه من دون غرامة شيء إلى المسلم وإن كان جاهلاً، كما لو اشترى من الكافر أو قبل هبة الكافر ووهبه بيتاً أو باعه بيتاً واتّضح أنّ هذا الكافر قد استولى على هذا البيت بالغصب من مسلمٍ أو السرقة منه، فحينئذ لا شكّ ولا ريب أنّ هذا البيت يعود إلى مالكه المسلم الأصليّ تمسّكاً بالعموم الوارد في ذيل خبر هشام بن سالم: «المسلم أحقّ بماله أينما وجده»[1] .
وبناء على هذه الضابطة وما تقدّمها تترتّب فروع[2] نذكرها تباعاً:
الفرع الأوّل: لو علم الأمير بمال المسلم قبل القسمة، كأن علم أنّ هذا الفرس أو هذه السيّارة الموجودة في الغنيمة هي لمسلم قد أخذها منه أو غنمها منه الكافر الحربيّ، لكنّ أمير الجيش قام بقسمة الغنيمة وجعل هذا البيت أو السيّارة أو الفرس سهماً لمسلم آخر، فحينئذ يجب على أمير الجيش ردّ ما دفعه كسهم في الغنيمة إلى مالكه الأصليّ، وكان صاحب الملك الأصليّ أحقّ بملكه بغير شيء، أي من دون دفع ثمنه إلى المسلم الذي أعطي هذا الفرس كسهم له في الغنيمة.
والسرّ في ذلك: بطلان القسمة من أصلها، إذ أنّ أمير الجيش يعلم أنَّ ما قسمه كغنيمة فيه ما لا يدخل في الغنيمة، فلا بدّ أن يدفعه إلى المالك الأصليّ ولا يدخله في الغنيمة، فهذه القسمة باطلة، ويرجع المال إلى مالكه الأصليّ ولا يدفع ثمنه إلى المسلم الذي دفع له كغنيمة.
فرعٌ: لو أسلم المشرك الذي في يده مال المسلم، أخذ منه بغير قيمته؛ لأنّه قد استولى على مال المسلم وهو كافر، وإسلامه لاحقٌ، وما في يده إنّما كان لمسلم آخر، فيرجع المال إلى مالكه الأصليّ وهو المسلم الأوّل، ولا يستحقّ الكافر الذي أسلم شيئاً.
فرعٌ آخر: لو دخل مسلم دار الحرب فسرقه أو نهبه أو اشتراه ثمّ أخرجه إلى دار الإسلام، فصاحبه أحقّ به ولا يلزمه قيمته، وكلّ تصرّف فيه ببيع أو عتق أو نحوهما باطل مع عدم الإجازة من المالك الأصليّ.
والفرق بين الإذن والإجازة أنّ الإذن سابقٌ على المعاملة والإجازة لاحقة للمعاملة، فيرجع المال إلى مالكه الأصليّ وهو المسلم، نعم، لو أجاز، أي كانت إجازته لاحقة لهذا التصرّف وأمضت هذا التصرّف فهو، وإلّا فالمال يرجع إلى مالكه الأصليّ.
فرعٌ آخر: لو غنم المسلمون من المشركين شيئاً عليه علامة الإسلام فلم يعلم صاحبه، فهو غنيمة لظاهر اليد مع احتمال صحّة الغنيمة، ولا عبرة برسم الكتابة عليه.
والسرّ في ذلك: وجود تعارض بين العلامة على الغنيمة التي تشير إلى أنّها لمسلم وقد وقعت في يد الكافر الحربيّ، وبين يد المسلم على المال إذ أنّه وضع يده على المال كغنيمة من الكافر الحربيّ، فهنا تقدّم أمارية اليد؛ لأنّنا نحتمل صحّة الغنيمة، وتقدّم على العلامة؛ إذ أنها مجرّد علامة لا تثبت أنّ هذا المال لمسلم سابق، فنتمسّك بظاهر الحال وأمارية اليد، فتجري على هذا المال أحكام الغنيمة.
فرعٌ: لو أسر العبد والغلام من الكفّار الحربيّين وأقرّ الغلام أنّه غلام مسلم وليس غلاماً لكافر، ففي قبول كلامه تردّد أو منع بعد أن أخذ من بلاد الشرك، وخصوصا إذا كان من يد مشرك، فهنا يوجد تعارض بين ظاهر الحال وهو أنّ هذا العبد أسر من بلاد الشرك والكفّار الحربيّين فهو غنيمة، وبين إقراره الذي مفاده أنّه لمسلم، فيقدّم ظاهر الحال وتترتّب عليه آثار الغنيمة ولا يؤخذ بإقراره.
فرعٌ آخر: المسلم قد يملك العين كما لو ملك دابّةً أو داراً، وقد يملك المنفعة كما لو استأجر دابّة أو أخذها عارية وما شاكل ذلك، والمسلم في مطالبته بملكه لا فرق بين ملكه للعين وبين ملكه للمنفعة، فلو غنم المسلمون من المشركين الحربيّين دابّة وما شاكل ذلك واتّضح أنّها كانت لمسلمٍ ملك منفعتها بنحو الإيجار أو العارية ولم يملك عينها، فحينئذ يحقّ للمسلم أن يطالب بها وأن يرتجعها، إذاً لا فرق في مطالبة المسلم بماله المأخوذ من يد المشرك بين كونه مستأجرا لمسلمٍ فغنمه المشرك أو مستعاراً أو لم يكن كذلك.
فرعٌ: لو دخل حربيّ دار الإسلام بأمان فلا يوجد عقد وعهد بين الكفّار والمشركين، لكنّ المسلمين أعطوا هذا الحربيّ أماناً، فدخل دار الإسلام واشترى عبداً مسلماً ثمّ لحق بدار الكفر فغنمه المسلمون، كان العبد المشترى باقياً على ملك البائع المسلم الذي باعه.
والسرّ في ذلك: فساد البيع والمعاملة، قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾[3] ، ولا سبيل لهذا المشرك الحربيّ على هذا العبد المسلم، فالمعاملة باطلة عاطلة، ومقتضى فساد المعاملة بقاء ملكيّة العبد على البائع الأوّل ولم ينتقل ملك العبد إلى الكافر الحربيّ الذي اشترى.
نعم، الظاهر وجوب ردّ ثمن العبد على الكافر؛ لأنّ الكافر قد أخذ العبد المسلم من البائع المسلم حال الأمان ولم يأخذه في حال الحرب كغنيمة، فحينئذ يردّ إليه ماله، وبالتالي لو تلف العبد في يد الكافر فيكون مقتضى القاعدة أنّ للسيّد المسلم قيمة العبد؛ لأنّ العبد المسلم لا يزال على ملكيّة البائع المسلم، فله قيمة ماله، وأيضا يثبت للكافر الحربيّ المال الذي دفعه كثمنٍ في مقابل شراء العبد المسلم.
ومن هنا فإنّهما يتردّان الفضل، أي أنّ العبد يُقيَّم، فإن كانت قيمة العبد أرفع من المال الذي دفعه الكافر فحينئذ يدفع الكافر ما زاد من القيمة على المال الذي دفعه، وإن كانت قيمة العبد أقلّ من الثمن الذي دفعه الكافر فحينئذٍ يدفع البائع المسلم ما نقص إلى المشتري الكافر.
الخلاصة: مقتضى فساد المعاملة ملكية العبد وبقاء ملكيّة العبد على البائع، فإذا مات العبد تثبت القيمة لمالكه المسلم، وبما أنّ هذه معاملة جرت في ظرف الأمان فحينئذ مال الحربيّ محترم، فالثمن الذي دفعه يثبت له، ومقدار التفاوت بين قيمة العبد والثمن الذي دفعه الكافر، هذا مقدار التفاوت يدفع لمن ثبت له، والله العالم.
الفرع (الأخير): لو أبق عبد المسلم إلى دار الحرب، أي أنّه فرّ من دار الإسلام إلى دار الكفر، فأخذه الكفّار الحربيّون، وحينئذ لم يملكوه بإباقه، لما عرفت من أنّ ملكيّة العبد المسلم تبقى ولا ترتفع بغنيمة الكفّار له فضلاً عن فراره وإباقه باختياره، خلافاً لمالك -أي مالك بن أنس- وأحمد -أي أحمد بن حنبل- وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة النعمان، ومحمّد -لعلّه محمّد بن إدريس الشافعيّ صاحب كتاب الأمّ أو أحد فقهاء العامّة-[4] .
هذا تمام الكلام في الحرب بين المسلمين والمشركين كالوثنيّين والكفّار الحربيّين.
والكافر إمّا حربيّ أو أهل الكتاب، وانتهينا من بحث الغنيمة التي تؤخذ من الكافر الحربيّ، فإنّه يخيّر بين الدعوة إلى الإسلام أو القتال، ولا ثالث في البين، بخلاف أهل الكتاب، فإنّهم يخيّرون بين ثلاثة: إمّا الدخول في الإسلام، وإمّا دفع الجزية مع البقاء على دينهم، وإمّا القتال، فإذا لم يدخلوا في الإسلام ولم يرضوا بدفع الجزية فحينئذ يكون القتال.
إذا التخيير ثنائيّ في الكافر الحربيّ، وثلاثيّ في أهل الكتاب وأهل الذمّة كاليهود والنصارى والمجوس، إن شاء الله نتكلّم عن أهل الذمّة إن بقينا أحياء.
في الختام: بما أنّنا تعرضنا إلى بعض آراء العامّة، نشير إلى نكتتين مهمّتين في فقه المرجع الأعلى السيّد حسين البروجرديّ أعلى الله في الخلد مقامه.
النكتة الأولى: كان السيّد البروجرديّ يؤكّد على أهمّيّة دراسة تاريخ المسألة، فأيّ مسألة وأيّ فرع يُلحظ: متى وردت هذه الروايات المذكورة فيها؟ هل كانت في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله أو عهد الوصيّ أو عهد أيّ من الأئمّة عليهم السلام؟
فبعض الأئمّة ظروف التقيّة فيهم شديدة كالإمام الكاظم عليه السلام، أو الأئمّة المتأخّرين كالإمام الهادي والإمام الحسن العسكريّ عليهما السلام.
فدراسة تاريخ المسألة مثل فقه أرباح المكاسب: هل هذا كان فعليّا في زمن النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله أو زمن أمير المؤمنين، أو أنّه أصبح فعليّا في زمن الإمام الجواد عليه السلام والأئمّة المتأخّرين؟
دراسة تاريخ المسألة مهمّ في استنباط حكم المسألة، لنرى أنّ هذا الحكم هل هو حكم شرعيّ أو حكم مولوي؟ أي أنّ الإمام عليه السلام حينما أفتى وحكم، هل هو قام في مقام بيان الحكم الشرعيّ؟ يعني تصدّى كمشرّع، أو كان في مقام بيان الحكم المولوي؟ أي أنّه تصدّى كحاكم.
مثل قول النبيّ صلى الله عليه وآله: «لا ضرر ولا ضرار»، هل هو في مقام بيان الحكم الشرعيّ؟ لا يوجد حكم يلزم منه الضرر كما عليه أكثر الفقهاء، أو أنّه تصدّى كحاكم في مقام بيان الأمر المولوي؟ «لا ضرر ولا ضرار» يعني هنا حكم حكما مولوياً أنّه: يا سمرة بن جندب لا تضر بهذا الأنصاريّ، كما فهم سيّدنا الإمام الخمينيّ رضوان الله عليه.
إذاً، دراسة تاريخ المسألة مهمّ جدّا، لذلك استقصاء كلمات المتقدّمين مهمّ جدّا، والروايات في أيّ عصر من عصور الأئمّة صدرت، هذا مهمّ جدّا.
النكتة الثانية ـ وبها نختم ـ : دراسة فقه العامّة؛ لأنّ فقه السلطان وفقه العامّة كان فقه دولة وسلطان، والأئمّة عليهم السلام كانوا في مقام تصحيح فقه العامّة وتوجيه الناس.
فروايات أهل البيت وكلمات الأئمّة بعضها كان بمثابة الحاشية على المتن وبمثابة التعليقة على المتن، والمتن هو فقه علماء العامّة الذين دعمهم السلطان كدعم المنصور الدوانيقيّ لمالك بن أنس وجعله إمام أهل المدينة في مقابل الإمام الصادق عليه السلام.
لذلك كثير من الروايات لمّا يسأل الإمام يقول: «ماذا يقول الناس؟» والمراد بالناس فقهاء العامّة، فأنت كيف تعرف الحاشية والتعليقة من دون أن تعرف المتن؟
إذاً دراسة كلمات العامّة مهمّة في معرفة أنّ هذه الرواية هل صدرت في ظرف التقيّة أو لا.
هاتان نكتتان مهمّتان:
• الأولى: دراسة تاريخ المسألة.
• الثانية: دراسة أقوال العامّة لمعرفة الظروف المحيطة بروايات أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
هذا تمام الكلام في فروع الغنيمة، أحكام أهل الذمّة يأتي عليها الكلام إن شاء الله.
وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.