47/07/24
24 رجب 1447
14 يناير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وأربعة وخمسون): لو غنم المشركون أموال المسلمين وذراريهم ثم ارتجعت
الحربي لا يملك مال المسلم بالاستغنام كما يملك هو ماله بلا خلافٍ بين المسلمين، بل لعله من ضروريات الدين[1] .
إذاً لو غنم المشركون أموال المسلمين وذراريهم، وليس الكلام عن سرقة المشركين أموال المسلمين، فإنه من الواضح أنه لو استعيد المسروق ارتجع إلى صاحبه، فبحث السرقة خارج عن موطن بحثنا هنا وسيتم التطرق إليه. إنما الكلام لو غنم المشركون في الحرب أموال المسلمين وذراريهم، ثم رجعت أو ارتجعها المسلمون، فما هو حكمها؟
الجواب: يقع الكلام في مقامين:
المقام الأول: إذا كانت الغنيمة من الأحرار كما لو غنم المشركون أولاد المسلمين الأحرار.
المقام الثاني: إذا كانت الغنيمة من العبيد أو الأموال، كما لو غنم المشركون عبيد المسلمين أو أموالهم كبيوتهم أو دوابهم.
أما المقام الأول: وهو لو غنم المشركون أحرار المسلمين فهنا يوجد اتفاق على أن الأحرار لا سبيل لأحدٍ عليهم، قال صاحب الجواهر: «بلا خلافٍ أجده فيه، بل ولا إشكال»[2] . فهنا الحكم أن الأحرار يرجعون إلى أهلهم ولا يكونوا ضمن الغنيمة.
وهنا روايتان مهمتان:
الرواية الأولى: خبر هشام بن سالم، قال: سأل الصادق عليه السلام رجلٌ عن الترك يغيرون على المسلمين فيأخذون أولادهم فيسرقون منهم، أيرد عليهم؟ قال عليه السلام: «نعم، والمسلم أخو المسلم، والمسلم أحق بماله أينما وجده»[3] .
والمهم في خبر هشام بن سالم العموم الوارد في ذيله، وهو قوله عليه السلام: «والمسلم أحق بماله أينما وجده»، وهنا المال فيه عموم يشمل المقام الأول والمقام الثاني.
الخبر الثاني: مرسل هشام بن سالم، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: في السبي يأخذه العدو من المسلمين في القتال من أولاد المسلمين، أو من مماليكهم فيحوزونه، ثم إن المسلمين بعدُ قاتلوهم فظفروا بهم وسبوهم، وأخذوا منهم ما أخذوا من مماليك المسلمين وأولادهم الذين كانوا أخذوهم من المسلمين، كيف يصنع بما أخذوه من أولاد المسلمين ومماليكم؟
فقال: «أما أولاد المسلمين فلا يقامون في سهام المسلمين، ولكن يردون إلى أبيهم وأخيهم أو إلى وليهم بشهود، وأما المماليك فإنهم يقامون في سهام المسلمين فيباعون وتعطى مواليهم قيمة أثمانهم
من بيت مال المسلمين»[4] .
والفرق بين خبر هشام بن سالم ومرسله، أن المرسل فرق بين المقام الأول والمقام الثاني، فقال في المقام الأول وهو أحرار المسلمين أنهم يرجعون إلى أهلهم وذراريهم، بينما في المقام الثاني وهو أموال المسلمين أو عبيدهم فقد قالت الرواية: أنهم يكونوا ضمن سهام الغنيمة وتكون للغانمين، ويدفع ثمنهم إلى مالكهم الأصلي.
وهذا التفصيل بين المقام الأول والثاني في مرسلة هشام بن سالم يتنافى مع ما ورد في ذيل خبر هشام بن سالم من عموم، إذ قال: «والمسلم أحق بماله أينما وجده»، وهذا يشمل المقام الأول: الأحرار، ويشمل المقام الثاني: الأموال والعبيد.
إذاً، يوجد تنافي بين عموم خبر هشام بن سالم، وبين التفصيل الثاني الوارد في مرسل هشام بن سالم. لكن في المقام الأول يوجد بينهما اتفاق، وهو أن الغنيمة التي غنمها المشركون من المسلمين إذا كانت من قبيل المقام الأول وهو الأحرار، فهي إلى أهاليهم ترجع، ولا تكون ضمن الغنيمة.
ويكفينا عن الدليل الخاص كهاتين الروايتين التمسك بالعمومات، بل الضرورات، إذ من المعلوم عدم صيرورة المسلم الحر رقاً، بل لعله من ضروريات الدين، المسلم الحر لا يصبح عبداً ولا يصير رقاً.
هذا تمام الكلام في المقام الأول، واتضح أن الحكم فيه واحد من دون تفصيل. الغنيمة التي يغنمها المشركون من أحرار المسلمين إذا ارتجعها المسلمون فإنها لا تدخل ضمن الغنيمة بل ترجع الأحرار إلى أهاليهم. هذا تمام الكلام في المقام الأول.
المقام الثاني: إذا كانت غنيمة المشركين من المسلمين هي عبارة عن أموال المسلمين وعبيد المسلمين، فهنا يمكن أن يذكر قولان، بل يمكن أن يذكر تفصيل. فالغنيمة من الأموال والعبيد إما أن تشخص قبل قسمة الغنيمة وإما أن تشخص بعد قسمة الغنيمة. فإذا شخصت قبل قسمة الغنيمة فحكمها في المقام الثاني هو حكمها في المقام الأول.
يعني غنم المشركون بيت أحد المسلمين، سيارته، عبيده. ثم ارتجعها المسلمون، وجاء المسلم وأقام البينة على أن هذه سيارته، وهذا بيته، وهذا عبده، فحينئذٍ لا يدخل ما أقام عليه البينة في ضمن سهام الغنيمة، بل يرجع إلى مالكه وصاحبه. فالأموال والعبيد لأربابها قبل قسمة الغنيمة عند عامة العلماء[5] .
من دون غرامة شيء للمقاتلين فيرجع المال والعبد إلى مالكه ولا يدفع ثمنه إلى المقاتلين كغنيمة لهم، إذ هو لا يدخل ضمن قسمة الغنيمة، تمسكاً بالأصل وهو الاستصحاب، فالمسلم كنا على يقين من ملكه لعبده وداره وسيارته، وشككنا في خروجها عن ملكيته بدخولها في الغنيمة قبل القسمة فيجري الاستصحاب «لا تنقض اليقين بالشك»، ولم يدل الدليل على خروجها عن ملكه، فنتمسك بالاستصحاب.
والاستصحاب دليل فقاهتي وأصل عملي، وليس بدليل اجتهادي، والأصل أصيل حيث لا دليل، وحيث قد قام الدليل فإلى الأصل لا نميل، فهل يوجد دليل اجتهادي أو دليل محرز موافق للاستصحاب أو مخالف له لنأخذ به ونترك الاستصحاب؟
الجواب: يوجد دليل اجتهادي موافق للاستصحاب، وهو ما ورد من عمومٍ في ذيل خبر هشام بن سالم، قال: «المسلم أحق بماله أينما وجده»، والمؤيد الثاني والدليل الثاني: مرسل جميل عن الصادق عليه السلام في رجلٍ كان له عبدٌ فأدخل دار الشرك، ثم أخذ سبياً إلى دار الإسلام، فقال: «إن وقع عليه قبل القسمة فهو له، وإن جرت عليه القسمة فهو أحق به بالثمن»[6] .
إذاً مرسل جميل ذكر شقين، وفي الشق الأول نص على أنه قبل القسمة يرجع إلى مالكه، لكن بعد القسمة يدخل ضمن الغنيمة ويعطى المالك الثمن.
الدليل الثالث: خبر طربال، وخبر طربال مهم جداً إذ هو موافقٌ للأصول والقواعد. فلنقرر القاعدة: الأصل أن المسلم مالكٌ لماله وعبيده وأحراره، وباغتنام المشركين لها لا تخرج عن ملكه، فيكون مقتضى القاعدة: «إذا ارتجعها ترجع إليه» مطلقاً من دون تفصيل بين المقام الأول والمقام الثاني، ومن دون تفصيل بين الشق الأول في المقام الثاني والشق الثاني في المقام الثاني.
فلنتطرق للمقام الأول:
المقام الأول: إذا كانت الغنيمة أحراراً فإن الحر يرجع إلى أهله وذراريه.
المقام الثاني: إذا كانت الغنيمة من العبيد والأحرار:
الشق الأول: إذا أقيمت البينة قبل قسمة الغنيمة فإنها لم تدخل في سهام الغنيمة فترجع إلى أربابها وملاكها من المسلمين.
وأما الشق الثاني: لو قسمت الغنيمة قسم البيت والسيارة والعبيد، وبعد مدة جاء المسلم وأقام البينة: إن هذا بيتي وهذا عبيدي وهذه سيارتي. يصير مقتضى القاعدة: رجوع البيت والسيارة والملك إلى مالكه. وأما الشخص الذي حصل على البيت أو العبد أو السيارة من سهام الغنيمة يعطى ثمن هذه الغنيمة من بيت المال. هذا مقتضى القاعدة وليس العكس أن يبقى البيت والغنيمة والسيارة والعبد ويعطى للغانم من المسلمين ثم يؤخذ ثمنه ويعطى لمالكه الأصلي. هذا خلاف القاعدة الأولية.
وخبر طربال يؤيد هذا، وخبر طربال وإن كان ضعيفاً لكنه مجبور بعمل الأصحاب.
وأما القول الثاني وهو أنه يبقى هذه الغنيمة من بيت وسيارة وعبد إذا جاء المالك بعد القسمة، يبقى على ملك الغانمين، ويعطى ثمنه للمالك الأصلي والأولي، فلم يدل عليه إلا خبران، وهما: مرسل هشام بن سالم في ذيله في بيان الشق الثاني من المقام الثاني. وصحيح الحلبي.
وكلاهما لم يعمل بهما أحدٌ من الأصحاب لا صحيح الحلبي ولا مرسل هشام، وفي مقابله خبر طربال الموافق للقواعد والمجبور بعمل الأصحاب، وقد تدعى الشهرة عليه، وسنذكر الأقوال.
فلنرجع إلى خبر طربال المهم، المطربل بعمل الأصحاب، والمعارض بروايتين مهجورتين.
خبر طربال عن أبي جعفر عليه السلام المروي عن كتاب المشيخة، قال: سئل عن رجل كان له جارية، فأغار عليه المشركون فأخذوها منه، ثم إن المسلم بعدُ غزوهم فأخذوها فيما غنموا منهم. فقال عليه السلام: «إن كانت في الغنائم وأقام البينة أن المشركين أغاروا عليهم فأخذوها منه ردت عليه، وإن كانت قد اشتريت وخرجت من المغنم فأصابها ردت عليه برمتها» وفي نسخة: «ردت رقبتها وأعطي الذي اشتراها الثمن من المغنم من جميعه».
قيل له: فإن لم يصبها حتى تفرق الناس، وقسموا جميع الغنائم، فأصابها بعدُ؟
قال عليه السلام: «يأخذها من الذي في يده إذا أقام البينة، ويرجع الذي هي في يده إذا أقام البينة على أمير الجيش بالثمن»[7] .
الحق والإنصاف: أن رواية طربال موافقة لمقتضى الأصل، مقتضى الاستصحاب، ومقتضى القواعد. وأيضاً موافقة لما ورد في ذيل خبر هشام بن سالم: «والمسلم أحق بماله أينما وجده» يعني وجد قبل القسمة أو وجد بعد القسمة مطلقاً كان ما فقده ثم وجده من الأحرار أو من العبيد أو من الأموال.
الخلاصة: نحن نبني على أن المسلم إذا أقام البينة على ماله ارتجعه مطلقاً، وإذا أعطي لأحدٍ بعد قسمة الغنيمة هذا الغانم يرجع إلى أمير الجيش أو ولي الأمر لكي يعطى ثمن الحصة التي ارتجعها مالكها يعطى ثمنها من بيت مال المسلمين.
هذا موافق للقواعد ومعتضد بخبر طربال المجبور بعمل الأصحاب، وغير ذلك.
هذا قول وفي مقابله ما عن الشيخ الطوسي في النهاية: من إطلاق كون الأموال والعبيد للمقاتلة الغانمين مع غرامة الإمام لأربابها الأثمان من بيت المال[8] ، بل عن القاضي ابن البراج نفي البأس عن هذا القول المنسوب للشيخ الطوسي.
لكن لا يوجد في كتاب القاضي ابن البراج ما يدل عليه. نعم، نقل العلامة الحلي في المختلف[9] هذا القول عن القاضي ابن البراج. والغريب أن القاضي ابن البراج أفتى أولاً بما يوافق القول الأول الذي ذهبنا إليه، فأفتى بأن غير الأولاد من الغنائم مع بقاء عينه وثبوته بنحو البينة لمدعيه من المسلمين ردٌّ إليه.
إذاً حتى القاضي ابن البراج الذي أدعي أن كلامه موافق لإطلاق الشيخ الطوسي، وليس لتصريح الشيخ الطوسي، كلام القاضي ابن البراج موافق لمقتضى عموم خبر هشام بن سالم، وخبر طربال.
إذاً، خبر طربال، وعموم خبر هشام بن سالم، يدل على ماذا؟ على ارتجاع الغنيمة مطلقاً إلى مالكها الأصلي، في مقابل هذا القول دلت روايتان على أنه إذا أقام البينة بعد قسمة الغنيمة، فالمال يكون للغانم ويرجع بثمنه على المالك الأصلي.
دل على ذلك إطلاق مرسل هشام المتقدم، وصحيح الحلبي.
تتمة البحث وتفصيله يأتي عليه الكلام.
وصلى الله عليه محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.