« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الفقه

47/07/23

بسم الله الرحمن الرحيم

23 رجب 1447
13 يناير 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مائة وثلاثة وخمسون): صور نفل الإمام عليه السلام للمقاتلين

 

من الواضح أن الغنيمة تقسم أسهماً على المقاتلين الذين حضروا المعركة وأدركوا ما قبل قسمة الغنيمة سواءً شاركوا في القتال بالفعل أو لم يشاركوا. لكن يثبت للإمام عليه السلام دفع السلب للمقاتل الذي سلب من قتله، ويثبت للإمام عليه السلام حق الجعالة، أن يجعل جعلاً على من فتح باباً أو فتح حصناً أو أوصل خبراً وما شاكل ذلك. وقد يطلق على هذه الجعالة التي يجعلها الإمام للمقاتل بأنها نفلٌ أي عطيةٌ من الإمام عليه السلام.

وصور وفروع النفل للغنيمة كثيرة، وتعرف هذه الصور مما ذكره الفقهاء في كتاب الجعالة؛ لأن معظم أفراد النفل للمقاتلين في كتاب الجهاد تندرج تحت عنوان "جعالة الإمام للمقاتلين". نعم، النفل أوسع في المشروعية من الجعالة؛ لأن الجعالة دل الدليل العام عليها، بينما النفل دل الدليل الخاص على مشروعيته فضلاً عن شموله للأدلة العامة المذكورة في كتاب الجعالة.

وقد ذكر صاحب الجواهر[1] فروعاً للنفل، ونقل بعضها عن كتاب المنتهى للعلامة الحلي. وقبل أن نذكر هذه الفروع والصور لابدّ أن ننوه إلى القاعدة العامة: وهو أنه إن وجد المعصوم أو نائبه الذي قام بالنفل وأمكن معرفة مقصده بالصراحة فهو المحكّم، وإن لم يمكن الوصول إلى ذلك، أو لا حاجة لمراجعة المعصوم أو نائبه إذ ما ذكره صريحٌ في مقدار وموضع النفل، أو ظاهرٌ ظهور واضحاً بحسب مفردات اللغة العربية والمحاورات العرفية، فيكون الأخذ بصراحة اللفظ أو ظهوره هو المحكّم من دون الحاجة إلى الرجوع إلى قائله.

وأما تحليل الكلام والمفردات والمحاورة بما لا يسهم في تشخيص الظاهر من اللفظ فهذا لا يفيد إذ هي تحليلات عقلية أو لحاظية اعتبارية قد لا تسهم في تشخيص مقتضى الظهور. نعم، هذه الحيثيات لو أسهمت في ترجيح الأظهر على الظاهر أو تنقيح الظاهر أخذ بها، والله العالم.

ولنشرع في الفروع أو الصور التي ذكرها صاحب الجواهر وذكر بعضها العلامة في المنتهى لنرى أن ما أفاداه هل هو تام وصحيح أو لا؟ وقد تختلف فيه الأنظار، والحجة هو ما قام عليه صراحة اللفظ أو ظهوره.

وإليكم صور وفروع نفل الإمام عليه السلام للمقاتلين:

الفرع الأول: لو قال الإمام أو نائبه ما نصه: «من دخل من باب المدينة فله درهمٌ» فاقتحم قومٌ من المسلمين فدخلوها استحق كل واحد منهم الدرهم، لصدق عنوان من دخل باب المدينة على كل واحدٍ منهم، فإنه شرطٌ لكل داخل.

بخلاف ما لو قال: «من دخله فله الربع» فدخله عشرةٌ مثلاً: فإنهم يشتركون في الربع لعدم قابلية العنوان للتعدد، إذ العنوان «من دخله» أي من دخل باب المدينة فله الربع، فهذا الربع لمن دخل وليس لكل من دخل. وعنوان من دخل يصدق على العشرة أو العشرين الذين دخلوا فيشتركوا في الربع.

ولو دخل واحدٌ ثم واحدٌ حال قيام الحرب، اشتركوا أيضاً في النفل؛ لأن عنوان من دخله يشمل من دخل على نحو التعاقب، ومن دخل دفعةً واحدة.

الفرع الثاني: لو قال الإمام: «من دخل باب المدينة فله جاريةٌ من المغنم»، فدخلوا ولم يكن فيه إلا جارية واحدة، فحينئذٍ يشترك الجميع في استحقاق هذه الجارية، فتقسم عليهم، فكل واحد يملك حصة من ملكيتها. بخلاف ما لو قال: جارية مطلقة، فقال هكذا: «من دخل باب المدينة فله جارية» ولم يقيدها بقوله: «من المغنم» فحينئذٍ يثبت لكل من دخل جارية لوحده، فيكون لكل واحدٍ من الداخلين جارية. وإذا لم توجد جارية في المغنم، فلكل واحد من الداخلين قيمة الجارية.

طبعاً إذا عندكم تأملات اشكلوا، بعد هذا ذكر الصور لنرى أن هذا الاستظهار العرفي صحيح أم لا؟ كان الله يذكره بالخير أستاذنا آية الله الشيخ صادق سيبويه يدرسنا كفاية الأصول، فيقول: «أنا أسألكم هسة (الآن) ذهني تشوش بالتدقيقات الأصولية، أنتوا أهل العرف شو تقولون هذا الاستظهار صحيح أم لا؟» هذا في الأصول الذي فيها دقة وعرف. هنا أيضاً في الفقه.

الفرع الثالث: ولو قال الإمام عليه السلام: «من دخل باب المدينة أولاً فله ثلاثة، ومن دخل ثانياً فله اثنان، ومن دخل ثالثاً فله واحد» فدخلوا على التعاقب، كان لكلٍ مسماه؛ لجواز التفاوت في النفل مع التفاوت في الخوف. إذ أن أول داخل يخاف أكثر من الداخل الثاني، والداخل الثاني يخاف أكثر من الداخل الثالث؛ لأن الدخول الأول مجهول فيجوز أن يعطيه أكثر يعطيه ثلاثة، فإذا دخلوا على نحو التفاوت، يثبت للأول ثلاثة وللثاني اثنين وللثالث واحد.

ولو دخلوا دفعةً واحدة ثلاثتهم، قال العلامة في المنتهى ما نصه: «بطل نفل الأول والثاني، وكان لهم جميعاً نفل الثالث؛ لأن الأول هو المتقدم، والثاني هو من تقدمه واحدٌ ولم يوجد، فيبطل نفلهما لانعدام الشرط وهو التفرد والمسابقة في الدخول، والثالث إذا سبق اثنان كان ثالثاً، وإذا قارنه اثنان كان ثالثاً أيضاً؛ لأن خوف الثالث فيما إذا قارنه اثنان فوق خوفه إذا تقدمه اثنان فيكون فعله أشق فاستحقاقه أولى»[2] .

وقد علق عليه صاحب الجواهر[3] بقوله: «وفيه نظر»، ولم يذكر وجه النظر. ولعل وجه الإشكال والنظر هو التفرقة بين عنوان الثالث، وبين عنوان من دخل ثالثاً. فعنوان الثالث يصدق على أي واحدٍ من الثلاثة سواءً دخل دفعة واحدة أو بنحو التعاقب، فيصدق عليه ثالث ثلاثة، ويصدق على الاثنين ثاني اثنين، وما ذكره العلامة في ترجيح الثالث هو مبني على عنوان الثالث. لكن ما ورد في نفل الإمام من دخل ثالثاً أي سبقه الأول والثاني. فلو دخل أولاً أو دخل ثانياً لا يصدق عليه أنه دخل ثالثاً.

وهكذا لو دخل الثلاثة بأجمعهم دفعة واحدة لا يصدق على من دخل أنه دخل ثالثاً، بل يصدق عليه أنه دخل وهو ثالث ثلاثة، ففرقٌ واضحٌ بين عنوان ثالث ثلاثة، وبين عنوان من دخل ثالثاً.

فلا يتم ما أفاده العلامة الحلي في المنتهى بالنسبة إلى إعطاء حصة الثالث، والله العالم.

الفرع الرابع: لو قال الإمام عليه السلام. هذا الفرع الرابع تطبيق لما ورد في الفرع الثالث، وهذا ذكره العلامة الحلي في المنتهى ما نصه: «ولو دخل اثنان أول مرة، بطل نفل الأول ونفل الثاني يكون لهما؛ لأن صفة الأولية انعدمت بالمقارنة بخلاف الثاني فإنه يصدق بالمسبوقية والمقارنة»[4] .

الله يرحمه أستاذنا المعظم الميرزا جواد التبريزي رحمه الله سألته أسئلة قبل ثلاثين سنة تقريباً، وهو يكتب كتاب، أنا توي جايه طالب في الحوزة أسئلة أسأله مال رسالة عملية، وهو من تواضعه وهو يألف كتب بحث الخارج، الله يرحمه هكذا رجوله هالشكل وخلي كتاب على رجوله ويكتب.

سألته سؤال أجاب، سألته أجاب ثم واصل الكتابة. سألته السؤال الثاني. رفع رأسه قال: الكلام هو الكلام والجواب هو الجواب، وواصل الكتابة. سألته السؤال الثالث، رفع رأسه قال: الكلام هو الكلام والجواب هو الجواب.

ثم قال: شافني أنا بعد ولد بعدني ولد عمري عشرين سنة، وهو قال: إذا عندك سؤال كتبه، وأعطي الاستفتاءات ونجاوبه إن شاء الله.

هنا الكلام هو الكلام، فرقٌ بين عنوان الثاني وبعنوان ثاني اثنين، يعني عنوان ثاني اثنين وعنوان من دخل ثانياً. وما ذكره العلامة الحلي يصلح لعنوان ثاني اثنين، وما ورد في كلام الإمام: «من دخل أولاً ومن دخل ثانياً» يشمل عنوان من دخل ثانياً، وفرق بين عنوان من دخل ثانياً هذا فيه تعاقب ما يشمل المقارنة وبين عنوان ثاني اثنين يصدق على الأول وعلى الثاني ثاني اثنين سواءً دخلا بالتعاقب أو دخلا بالمقارنة.

أيضاً في كلام العلامة يوجد إشكال في هذا المقطع الثالث، قال ما نصه: «ولو قال: من دخل هذا الحصن أولاً من المسلمين فله كذا»، فدخله ذمي ثم مسلمٌ استحق النفل، لأن جعل النفل موصوفاً بهذه الصفة فلا تمنع أولية الذمي، كالبهيمة لو دخلت». لأنه قال ماذا؟ «من دخل هذا الحصن أولاً من المسلمين»، فلو دخل في البداية بهيمة أو كافر لا يصدق عليه من دخل أولاً من المسلمين.

لكن هذا قد يناقش أيضاً باشتراط وجود قيدين:

القيد الأول: أن يكون الداخل أولاً بحيث لا يسبقه سابق من المسلمين أو غير المسلمين.

وثانياً: أن يكون مسلماً.

فهنا لو سبقه ذمي انتفى القيد الأول، من دخله أولاً، فدخل المسلم ثانياً وكان من المسلمين.

لكن قد يقال أن ما ذكره العلامة وجيه، يعني أول مسلمٍ داخل.

ثم قال: «أما لو قال من دخل هذا الحصن من المسلمين أولاً من الناس» يعني كان أول الناس مسلم، هذا ما يشمل إذا كان دخل قبله كافر، صار أول الداخلين كافر وليس بمسلم.

قال العلامة رحمه الله: أما لو قال: «من دخل هذا الحصن من المسلمين أولاً من الناس»، فدخل ذمي ثم مسلم لم يستحق النفل؛ لأنه ليس أولاً من الناس، بل ثانياً من الدخول منهم، أي من الناس».

الفرع الأخير: «ولو قال: «من دخل منكم خامساً فله درهم»، فدخل خمسة معاً، استحق كل واحدٍ النفل؛ لأنه أوجب النفل للخامس، وكل واحدٍ يصدق عليه أنه خامس، ولو دخلوا على التعاقب فالخامس آخرهم، فاستحق النفل خاصةً»[5] .

وفيه: إن الكلام هو الكلام، والجواب هو الجواب، ففرقٌ بين عنوان خامس خمسة الذي يصدق على الجميع من الأول إلى الخامس، وبين عنوان من دخل منكم خامساً، أي سبقه أربعة فكان هو الخامس، فما ورد في النفل والجعالة هو عنوان من دخل منكم خامساً. وهذا يصدق على خصوص الصورة الأخيرة الدخول بنحو التعاقب، وما يشمل الصورة الأولى الدخول بنحو التقارن بحيث ينطبق على جميع الخمسة الذين تقارنوا في الدخول، فجميع الخمسة الذين تقارنوا في الدخول يصدق عليهم خامس خمسة، لكن لا يصدق على كل واحدٍ منهم أنه دخل الحصن خامساً.

هذا تمام الكلام في صور نفل الإمام أو نائبه الخاص أو العام أو من خولوه لقيادة الجيش لمسلمٍ قاتل في المعركة أو حضر القتال.

يبقى الكلام في الحربي إذا غنم غنيمة من المسلمين واسترجعها المسلمون، فما هو حكمها؟ كما لو أسر الحربي أولاد المسلمين أو استولى على بيوتهم وأملاكم وجواريهم، ثم استرد المسلمون ذلك. فهل ترد على أربابها أم يوجد تفصيل في المسألة؟

يأتي بحثها ويأتي عليها الكلام إن شاء الله.

وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

 


[1] . جواهر الكلام، ج22، ص384.
[2] . منتهى المطلب، ج14، ص299.
[3] . جواهر الكلام، ج22، ص385.
[4] . منتهى المطلب، ج4، ص299.
[5] . منتهى المطلب، العلامة الحلي، ج14، ص299.
logo