47/07/22
22 رجب 1447
12 يناير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة واثنان وخمسون): اشتراط إذن الإمام عليه السلام في استحقاق السلب والنفل
لا يستحق أحدٌ سلباً ولا نفلاً في بدأة ولا رجعة إلا أن يشترط له الإمام عليه السلام أو نائبه بالحق. قال صاحب الجواهر: «بلا خلافٍ أجده فيه إلا ما سمعته من الإسكافي في السلب الذي تقدم الكلام معه فيه[1] »[2] ، فقد تقدم أن الإمام عليه السلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وله أن ينفل بما يراه من مصلحة. لكن الإسكافي على ما نقل عنه العلامة الحلي[3] : قد تمسك بعموم ما دلّ على قسمة الغنيمة بين المقاتلين، وما دل على أن النبي صلى الله عليه وآله جعل جعلاً لكل قاتلٍ في كل غزوة. فيتمسك بهذا العموم: وهو أنه لكل مقاتلٍ جعلاً بمقتضى جعل النبي صلى الله عليه وآله.
ونوقش فيه: بأن هكذا عموم والذي دلت عليه روايات الجمهور لم يثبت[4] . فهذا العموم الذي قد يستفاد من كتب العامة لم يثبت عند الخاصة، بل جميع الخاصة على خلاف هذا العموم، عدا ما نسب إلى ابن الجنيد الإسكافي. فعموم الخاصة على أن استحقاق السلب والنفل مشروطٌ بإذن الإمام عليه السلام، لا أن كل مقاتل يستحق السلب؛ لأنه قاتل فقط. ولا أنَّ كل مقاتل يستحق نفلاً وجعلاً بمقتضى مقاتلته فقط.
نعم، لأنه قد قاتل يثبت له سهمٌ في الغنيمة. فسهمه في الغنيمة يثبت؛ لأنه حضر القتال ولو قبل القسمة، ولا يشترط في ذلك إذن الإمام، المهم أنه قد حضر والقتال مشروع. لكن بالنسبة إلى استحقاق السلب وهو ما يؤخذ من على المقاتل، أو استحقاق النفل الذي هو جعلٌ وإعطاءٌ من الإمام عليه السلام فهذا مشروطٌ بالإذن.
ويدل على ذلك أولاً: الأصل، وهو الدليل الذي دل على أن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكذا الإمام المعصوم فهو بحكم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
ويمكن أيضاً التمسك بعموم الأدلة، كتاباً وسنةً.
ولنعرف النفل والبدأة الواردين في تعريف عدم استحقاق السلب والنفل في البدأة والرجعة إلا باشتراط إذن الإمام عليه السلام.
النفل: هو الجعل الذي يجعله الإمام من الغنيمة للمقاتلين، مشاعاً أو معيناً في مقابل عملٍ. فمن قام بالترصد للكفار كأن صار عيناً، أو مرصداً للكفار، ثم بعد ذلك نفل له الإمام عليه السلام شيئاً من الغنيمة، أي أعطاه وخصص له شيئاً من الغنيمة مقابل عملٍ قام به في المعركة والقتال، كان هذا نفل وهبة من الإمام عليه السلام للمقاتل.
وأما البدأة ـ بفتح الباء وسكون الدال ثم الهمزة المفتوحة ـ فقد يستفاد من عبارة الشيخ الطوسي في المبسوط أن تعريف البدأة لا خلاف فيه، بينما تعريف الرجعة يوجد فيه خلاف. لكن يستفاد من كلام العلامة الحلي في المنتهى أن البدأة مختلفٌ في مفهومها، كما أن الرجعة مختلفٌ في مفهومها.
والشيخ الطوسي خاتمة المتقدمين إذ توفي سنة 460 هجرية قمرية، والعلامة الحلي أبرز المتأخرين المتوفى سنة 726 هجرية قمرية.
إذاً يستفاد من كلامهما وجود اختلاف في مفهوم الرجعة، فهذا موطن الوفاق بين كلاميهما، وموطن الاختلاف هو أنه يستفاد من كلام الشيخ الطوسي في المبسوط أن مفهوم البدأة لا خلاف فيه، بينما مفهوم الرجعة يوجد فيه اختلاف. ولا معنى لدراسة مفهوم البدأة والرجعة إذا كان هذا المصطلح قد ورد في كلام المؤرخين والباحثين أو الفقهاء المتأخرين؛ إذ أنه اصطلاح والاصطلاح عبارة عن اعتبار، والاعتبار سهل المؤونة يتوقف على اعتبار المعتبر وجعل الجاعل ووضع الواضع.
نعم، تكون الثمرة في بحث هذا المفهوم لو ورد في الروايات الشريفة، وهذا مما استفدناه في بحث أستاذنا المعظم سماحة آية الله الشيخ محمد باقر الإيرواني حفظه الله إذ علق على تتبع الشيخ الأنصاري رحمه الله لكلمات المتأخرين، فقال الشيخ الإيراواني حفظه الله: «إن التتبع في كلمات المتأخرين كالعلامة الحلي ومتأخري المتأخرين كصاحب الجواهر، وصاحب الرياض، والشيخ يوسف البحراني صاحب الجواهر، هذا التتبع جيدٌ، لكنه ليس بلازم. واللازم والمهم هو تتبع الروايات أولاً، وكلمات المتقدمين ثانياً، كالكليني في الكافي، والصدوق في كتبه، والمفيد، والشريف المرتضى، والشيخ الطوسي رحمه الله ومن قارب عصره من تلامذته كالقاضي ابن البراج الطرابلسي. وأما التتبع في كلمات المتأخرين كالعلامة الحلي ومن جاء بعده فهذا جيد لكنه ليس بلازم لبعدهم عن عصر صدور النص، بخلاف المتقدمين الذين كانوا قريبين من عصر صدور النص».
وبعد بيان هذه الضابطة ننقل كلا النقلين:
النقل الأول عن أبرز المتقدمين وهو الشيخ الطوسي شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460، إذ قال في المبسوط ما نقله، والمبسوط أول كتاب تفريعي في الفقه الإمامي؛ لأن جملة عابوا على الشيعة أنهم ليس لديهم كتاب فقهي تفريعي، فكتب الشيخ الطوسي كتاباً في التفريعات المختلفة، فكان المبسوط.
والشيخ الطوسي لماذا صار شيخ الطائفة؟ لأنه كتب كتب متعددة وكل واحد فريد في نوعه وتخصصه. فكتب في الفقه التفريعي المبسوط، وكتب في الفقه الفتوائي الروائي كتاب النهاية، النهاية عبارة عن نصوص متون روايات. وكتب في تعارض الروايات وطريقة حلها الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، وكتب في الفقه الاستدلالي بالروايات كتاب تهذيب الأحكام في شرح المقنعة لأستاذه المفيد.
يقول السيد الإمام رضوان الله عليه: «لا تستعجل في ترك الدرس، وعليك بالمواظبة على الحضور»، وكان شيخ الطائفة الطوسي يحضر درس أستاذه السيد الشريف المرتضى وعمره اثنين وخمسين سنة، والحال إنه كتب تهذيب الأحكام وعمره قرابة ستة وعشرين سنة؛ لأن الشيخ الطوسي حضر عند المفيد، والمفيد توفي سنة 413 هجرية قمرية. في هذا السن هو الشيخ الطوسي شرع في شرح المقنعة وأستاذه موجود، قال: «قال أستاذنا أطال بقاءه» يعني شرع في شرح تهذيب الأحكام وعمره ستة وعشرين سنة إلى الجزء الثالث، ثم في الجزء الرابع قال: «قال أستاذنا رحمه الله».
يقول: شيخ الطائفة صار شيخ الطائفة لكثرة تتبعه ودراسته، التهذيب الذي هو أحد الكتب الأربعة شرع في كتابته وعمره ستة وعشرين سنة، ما تصدى للمرجعية إلا بعد عمره اثنين وخمسين، إلى عمره اثنين وخمسين يحضر عند المفيد، وزميله من كان في درس المفيد؟ الشريف المرتضى. ستة وعشرين سنة، وستة وعشرين سنة، اثنين وخمسين سنة، بعد ضعف هذه السنوات تصدى إلى المرجعية ولم يستعجل.
صار عنده خبرة في الفقه، وفي الأصول كتابه عدة الأصول إلى الآن مهمة، العدة في الأصول.
وهكذا في المجالس والأمالي، كتب الأمالي تلميذه الحسن بن محمد الطوسي الذي يلقب بالمفيد الثاني، وهكذا في العقائد كتب تلخيص الشافي، تلخيص لكتاب أستاذه الشافي في الإمامة للشريف المرتضى، وهكذا تجد الشيخ الطوسي مثلاً في غيبة الإمام المهدي كتب كتاب الغيبة. كل كتب الشيخ الطوسي التي وصلتنا أساسية.
المهم خرجنا عن البحث يبدو عند المرض نخرج قليلاً ويصير إلمامة تاريخية توضيحية أفضل.
نرجع الشيخ الطوسي هكذا عرف البدأة في المبسوط قال: «السرية الأولى التي يبعثها إلى دار الحرب إذا أراد الخروج إليهم، والرجعة هي السرية التي يبعثها بعد رجوع الأولى، وقيل: إن الرجعة هي السرية التي يبعثها بعد رجوع الإمام إلى دار الإسلام، والبدأة لا خلاف فيها»[5] .
ومقتضى كلام الشيخ الطوسي وجود اتفاق على معنى البدأة يعني السرية التي يبدأ بها الإمام عند قتال الكفار، لكن الخلاف في معنى الرجعة هل يستند الرجوع إلى المقاتلين أو يستند الرجوع إلى الإمام؟ يعني هل الرجعة هي السرية التي تخرج بعد رجوع الدفعة الأولى من المقاتلين؟ فيلحظ الرجوع بلحاظ المقاتلين، أو يلحظ الرجوع بلحاظ الإمام؟ الإمام عليه السلام ذهب إلى دار الحرب، لما رجع إلى دار الإسلام وأرسل سرية يقال لها: رجعة.
إذاً، يوجد اختلاف في مفهوم الرجعة تستند الرجعة إلى رجوع المقاتلين أو رجوع الإمام؟ أما البدأة لا خلاف فيها فهي السرية التي يبدأ بها الإمام عليه السلام. هذا كلام الشيخ الطوسي في المبسوط، والمبسوط من أقوى كتب الفقه التفريعي عند المتقدمين. بعد، ومن أقوى الكتب الفقهية التفريعية عند المتأخرين هو كتاب "منتهى المطلب في تحقيق المذهب" للعلامة الحلي، ويليه كتابه الآخر "التذكرة" تذكرة الفقهاء، قال العلامة الحلي في المنتهى[6] والتذكرة[7] ، نذكر هذا النص يستفاد منه وجود خلاف في مفهوم البدأة وفي مفهوم الرجعة، قال ما نصّه: «قد قيل في البدأة والرجعة تأويلان، أحدهما أن البدأة أول سرية والرجعة الثانية ـ وهذا موافق لكلام الشيخ الطوسي ـ ، ثم قال: والثاني أن البدأة سرية عند دخول الجيش إلى دار الحرب، والرجعة عند قفول الجيش، وهو أظهر الوجهين».
وذكر الشيخ الطوسي[8] ، والعلامة[9] ، عن حبيب بن مسلم الفهري: «شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة» انتهى كلامه. سؤال: أيهما أكثر الربع أم الثلث؟ الثلث.
هنا يأتي السؤال: لماذا الرجعة حصتها أكثر من البدأة؟ هنا تأتي لحاظات أنه في البدأة توجد مباغته، العدو لا يعلم، فالضرر أقل. بينما في الرجعة العدو متأهب فالضرر أكثر.
قال في المنتهى ما نصه: «ولعل الزيادة للمشقة، فإن الجيش في البدأة ردءٌ للسرية تابعٌ لها، والجيش مستريح، والعدو خائف، وربما كان غافلاً. وفي الرجعة لا ردء للسرية لانصراف الجيش، والعدو مستيقظ على حذرٍ»، هنا المراد بالردء المدافع والحامي، في البدأة قوة إسناد من الجيش، في الرجعة يضعف هذا الإسناد.
والظاهر عدم اختصاص النفل بالسرية، فيجوز للإمام النفل لبعض الجيش أو لشخص معين لبلاءه أو لمكروه يتحمله دون سائل الجيش كما يجوز أيضاً بعد الخمس وقبله.
ولنذكر الضابطة بقطع النظر عن التفاصيل: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾[10] فله أن يهب بما يرى فيه المصلحة، وله أن ينفل، ويقوم مقامه الإمام عليه السلام، ويقوم مقام الإمام نائب الإمام عليه السلام، وبناءً على ولاية الفقيه المطلقة أو العامة، فإن ولي الأمر أو قائد الجيش المخول من قبل ولي الأمر له أن ينفل وله أن يحدد مقدار النفل من ربع أو ثلث أو نصف غير ذلك، وتحمل هذه الربع والثلث لا على التعيين بل على التقدير؛ لأن ما ورد إنما هو فعل وحكاية الفعل لا إطلاق له، وإنما يثبت الجواز ولا يثبت التعيين.
إذاً لا فرق بين النبي صلى الله عليه وآله والإمام في ذلك فإن جميع ما كان للنبي فهو للإمام لاشتراكها بالعصمة عند الشيعة الإمامية، بل لا يبعد جوازه أيضاً لوالي الجيش من قبلهما إذا كانت ولاية على وجه تشمل ذلك وله صلاحية التعيين.
لذلك يجوز للإمام أو نائبه أو المخول أن ينفل أزيد من الثلث وأزيد من الربع وإن كان الذي وقع الثلث فما دون في المروي من طرق العامة[11] ، حددوا الثلث. لكن لا يحمل على التعيين، بل يحمل أن الإمام نفل والنبي نفل بمقدار الثلث لا أزيد لعدم اقتضاء المصلحة لأزيد من ذلك، فالمدار على تقدير الإمام للمصلحة.
كما أن النفل وهبة الإمام لا يخص نوعاً من المال فيجوز في الدارهم والدنانير، كما يجوز في المعين والمشاع، ويجوز في المعلوم والمجهول، ويجوز في اليسير والقليل والكثير.
الخلاصة: هذا موكولٌ إلى تحديد الإمام للمصلحة، فله أن يجعل النفل للسرية أو السريتين، قبل الغنيمة أو بعد الغنيمة، خلافاً للعامة الذين حددوا فيه خصوص الثلث وذكروا تفاصيل[12] . ومن هنا فإن العامة ذكروا عدة فروع تعرف من خلال بحث الجعالة.
لكن البحث هنا في النفل أوسع من البحث في الجعالة؛ لأن البحث في النفل في كتاب الجهاد يبحث مشروعية خاصة، وهي: خصوص الجعل بنحو النفل في الجهاد في سبيل الله، ونذكر الضابطة العامة.
لو نفل الإمام عليه السلام أو نائبه بالحق أو من خوله نفلاً، ووقع الاختلاف في فهم مراده، فهنا يوجد طريقان:
الطريق الأول: الوصول إليه لاستعلام مراده، وهنا يتعين المراد وكفى الله المؤمنين القتال.
الطريق الثاني: أنه لا يمكن التوصل إلى مراده، فحينئذٍ يؤخذ بأصالة الظهور بحسب مقتضى الألفاظ في اللغة العربية، والمحاورات العرفية، ولا مجال لعدة تدقيقات عقلية لاستنطاق كلام الإمام أو نائبه بالحق، بل المدار كل المدار على صراحة اللفظ فإن لم يكن صريحاً فعلى أصالة الظهور.
ولا عبرة بإدخال اعتبارات ولحاظات عقلية قابلة للنقض والإبرام، وهذه اللحاظات والتفصيلات وردت في منتهى المطلب للعلامة الحلي[13] ، فتراجع وقد بينا الضابطة: إما الوصول للإمام أو نائبه لمعرفة المراد صريحاً، فإن لم يمكن يؤخذ بمقتضى الظهور والمحاورات العرفية، وما خالفها يترك، والله العالم.
وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.