47/07/20
20 رجب 1447
10 يناير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وخمسون): ملك المرصد للجهاد رزقه من بيت المال بالقبض
المرصد للجهاد وهو من وقف نفسه للجهاد في سبيل الله، يستحق رزقه من بيت المال، لكنه لا يملكه إلا بقبضه، كما عن العلامة[1] ، وابن القطان[2] . قال صاحب الجواهر رحمه الله[3] : «بل لا أجد فيه خلافاً».
وفي المنتهى[4] والتذكرة[5] للعلامة الحلي، والمبسوط[6] للشيخ الطوسي، ما نصه: «أن الغزات على ضربين: المطوعة: وهم الذين إذا نشطوا غزوا، وإذا لم ينشطوا اشتغلوا بمعايشهم واكتسابهم، فهؤلاء لهم سهمٌ من الصدقات، وإذا غنموا في بلاد الحرب شاركوا. والثاني: هم الذين أرصدوا أنفسهم للجهاد، فهؤلاء لهم من الغنيمة الأربعة أخماس، ويجوز عندنا أن يعطوا أيضاً من الصدقة من سهم ابن السبيل، لدخولهم تحته».
لكنّ كلامه رحمه الله ليس بتامٍ في الذيل، إذ نمنع صدق عنوان ابن السبيل عليهم، فابن السبيل هو المسافر المنقطع في الطريق، ولا يصدق على من أرصد نفسه للقتال فضلاً عن المتطوع، فالأولى إعطائهم من سهم سبيل الله، أو من سهم الفقراء، أو غير ذلك من الوجوه التي تشكل مصارف بيت مال المسلمين.
إلى هنا اتضح أن المسلم قد يتطوع وهو ما يعرف في زماننا هذا بقوات التعبئة أو البسيج في إيران، وقد يرصد نفسه للقتال أي يقف نفسه للجهاد في سبيل الله كأن ينضم إلى الجيش أو الحرس، ورزقه من بيت المال ولا يملك رزقه إلا بقبض المال، فرزقه من بيت المال على نحو الاستحقاق، لكنه لا يثبت إلا بالقبض.
فرعٌ: إن حل وقت العطاء ثم مات قبل أن يقبض، قال الشيخ الطوسي رحمه الله: «كان لوارثه المطالبة به»[7] .
وقال صاحب الشرائع: «وفيه تردد». وبين صاحب الجواهر وجهي التردد، فقال: «ينشأ من أن له المطالبة به فيكون لوارثه ذلك، كحق الشفعة والخيار» أي أنّه يرث الاستحقاق، يكون من سائر الحقوق التي تورث، هذا وجه أن للوارث المطالبة. الوجه الآخر ليس له المطالبة، قال: «ومن أنه يملكه بقبضه، فإذا مات قبله امتنع الملك في حقه».
والأقوى عدم المطالبة لأن المرصد للجهاد إنما يستحق رزقه من بيت المال، ولا يمكله فعلاً إلا بقبضه، ولم يقبضه، فلم يثبت الملك حتى يستحق الوارث الميراث من هذا المال الذي لم يملكه، فالأقوى عدم المطالبة وفاقاً للمحقق الكركي[8] ، والشهيد الثاني[9] ، فالظاهر أن له الارتزاق من بيت المال كغيره ممن يرتزق، فلا يزيد عن كون المرصد مصرفاً من مصارف بيت المال، فكان المرصد كالفقير بالنسبة إلى الزكاة، ولا منافاة بين استحقاق المطالبة وعدم الملك، بل عدم استحقاق الوارث حتى لو مات بعد المطالبة.
فلو طالب المرصد بحقه من بيت المال ولم يعطى، ومات قبل أن يقبض، لم يحق لوارثه المطالبة بحقه لأنه لم يملكه.
ودعوى وجود فرق بين المرصد للجهاد وبين مستحق الزكاة، ونحوها من الحقوق هذه الدعوى لا دليل عليها، ومجرد كون المرصد شخصاً أو جماعةً معينة لا يقتضي كون الاستحقاق على نحو استحقاق الشفعة والخيار بحيث يكون قابلاً للتوريث.
إلى هنا اتضح أن المرصد للجهاد لا يملك مالاً في بيت المال. نعم، يستحق رزقه من بيت المال، ولا يملك رزقه من بيت المال إلا إذا قبضه.
وينبغي للإمام أو ولي أمر المسلمين اتخاذ ديوان فيه أسماء المرصدين وأسماء القبائل، ويكتب عطاياهم، ويجعل لكل قبيلة عريفاً ويجعل لهم علامة بينهم ويعقد لهم الألوية.
روى الزهري عن النبي صلى الله عليه وآله أنه عرف عام حنين، وقيل خيبر، على كل عشرةٍ عريفاً، وجعل يوم فتح مكة للمهاجرين شعاراً، وللأوس شعاراً، وللخزرج شعاراً، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُم شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارفوا﴾[10] . يراجع[11] .
وقد ذكر العلامة في المنتهى، أنه إذا أرادوا القسمة قدم الأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فالأقرب، فيقدم بني هاشم على بني المطلب، ثم يقدم بني عبد شمس أخي هاشم من الأبوين على بني نوفل أخيه من الأب، ثم يسوي بين عبدالعزى وعبد الدار، لأنهما أخوا عبد مناف، فإن استووا في القرب قدم أقدمهم هجرةً، فإن تساووا قدم الأسن، فإذا فرغ من عطايا قرابة النبي صلى الله عليه وآله بدأ بالأنصار وقدمهم على جميع العرب، فإذا فرغ من الأنصار بدأ بالعرب، فإذا فرغ من العرب قسم على العجم.
ثم قال العلامة الحلي ما نصه: «وهذا على الاستحباب دون الوجوب»[12] .
لكن يلاحظ عليه: أنه لا يوجد دليل ولا رواية ولا أثر خاص يدل على ذلك، بل العكس صحيح، فما حكي من فعل أمير المؤمنين عليه السلام، من التسوية بين الرعية يخالف ذلك. فقد جاء في بعض الروايات عن أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين ما يخالف ذلك، ففي خبر محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما ولي علي عليه السلام صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما إني والله ما أرزئكم من فيئكم هذا درهماً ما قام لي عذقٌ بيثرب فلتصدقكم أنفسكم، أفتروني مانعاً نفسي ومعطيكم»، قال: فقام إليه عقيل كرم الله وجهه فقال: فتجعلني وأسود في المدينة سواء، فقال: «اجلس ما كان هاهنا أحدٌ يتكلم غيرك، وما فضلك عليه إلا بسابقةٍ أو تقوى»[13] .
وفي خبر إسحاق الهمداني. ما الفرق بين هَمْدان وهَمَدان؟ هَمَدان بالفتح مدينة هَمَدان في إيران، هَمْدان قبيلة في اليمن، ومنها الحارث الهمداني. يقول أمير المؤمنين: يا حار همدان الحارث الهمداني.
يا حَارِ هَمْدَانَ مَنْ يَمُتْ يَرَنِي «مِنْ مُؤمِن اَوْ مْنافِق قُبُلاً»
وينسب إلى أمير المؤمنين هذا البيت ومعروف عند اليمانية:
وَلَوْ كُنْتُ بَواباً عَلَى بَابِ جَنَّةٍ لَقُلْتُ لَهَمْدَانَ: ادْخُلُوا بِسَلَامِي
والذين الآن يقاوم الاحتلال السعودي في اليمن قبيلة همدان.
عموماً، وفي خبر إسحاق الهمداني المروي عن كتاب الغارات: «إن امرأتين أتتا علياً عليه السلام عند القسمة إحداهما من العرب والأخرى من الموالي» يعني العبيد، طبعاً الموالي قد يقال: العبيد وقد يقال: العجم، يعني بقرينة المقارنة قد يستفاد العرب مقابلة العجم الموالي.
«فأعطى كل واحدةٍ خمسةً وعشرين درهماً وكراً من طعام، فقالت العربية: يا أمير المؤمنين إني امرأة من العرب وهذه امرأة من العجم» هذا واضح أن المراد بالموالي هنا العجم، فقال علي عليه السلام: «والله لا أجد لبني إسماعيل» بعد إسماعيل أبو العرب، أبو العرب المستعربة «والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلاً على بني إسحاق» بني إسحاق بعد من نسله يصير اليهود، لأن يعقوب بن إسحاب، وإسرائيل هو يعقوب سلام الله عليه»[14] .
وقد تظافرت النصوص أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقسم بين الناس بالسوية، حتى صار من أوصافه: «العدل بالرعية، والقسمة بالسوية»[15] .
لكن ليس المراد بالتسوية تسوية شخص ما عنده أولاد، وشخص عنده خمس عشرة أولاد، كل رأس يأخذ حصته من بيت المال، فالمراد عدم زيادة أحدهم على الآخر بدينه، أو بسبقه في الإسلام، أو نحو ذلك. أي هذه الامتيازات المعنوية لا تزيد من الحصص المادية، وليس المراد التساوي بين قليل العيال وكثيرهم ممن لا عمل له إلا الجهاد. وبين من نفقته المعتادة له مئة من المرصدين، ومن نفقته المعتادة له ألف، يختلف باختلاف البلاد وباختلاف الأشخاص.
قال حفص بن غياث: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وقد سئل عن بيت المال، فقال: «أهل الإسلام أبناء الإسلام أسوي بينهم في العطاء، وفضائلهم بينهم وبين الله، اجعلهم كبني رجل واحد لا يفضل أحدٌ منهم لفضله وصلاحه في الميراث، على آخر ضعيف منقوص. وقال هذا هو فعل رسول الله صلى الله عليه وآله في بدو أمره. وقال غيرنا: أقدمهم في العطاء بما قد فضلهم الله بسوابقهم في الإسلام، إذا كان بالإسلام قد أصابوا ذلك فأنزلهم على مواريث ذوي الأرحام بعضهم أقرب من بعض، وأوفر نصيباً لقرابة الميت، وإنما ورثوا برحمهم وكذلك كان عمر يفعله»[16] .
طبعاً أول من فرق في العطاء عمر بن الخطاب، ففرق بين العرب وبين العجم، وبين الأحرار وبين العبيد.
وقال ربيعة وعمارة في المروي عنهما وغيرهما في المجالس والأمالي للشيخ الطوسي، ما نصه: «إن طائفة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام مشوا إليه عند تفرق الناس عنه، وفرار كثير منهم إلى معاوية، فقالوا: يا أمير المؤمنين أعط هؤلاء وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، ومن يخاف عليه من الناس فراره إلى معاوية. فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: «أتأمروني أن اطلب النصر بالجور، لا والله ما افعل ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم، والله ولو كان مالهم لي لواسيت بينهم، فكيف وإنما هي أموالهم؟»[17] .
ونحوه خبر أبي مخنف المروي في الكافي[18] .
إلى غير ذلك من الروايات والتاريخ معهود، معروف بالنسبة إلى أمير المؤمنين أنه كان لا يفرق، وتدل هذه الروايات على إرادة عدم التفاضل من الجهات التي كان يلحظه غيره، وكان فعل رسول الله صلى الله عليه وآله على التسوية لا على التفاضل في العطاء.
الله يرحمه المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه ثورة الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية، يتكلم أنه لماذا بعد ستين سنة قتل حفيده سبطه، بعد ستين سنة من الهجرة يقتل الحسين، ما هي الأسباب التي أدت إلى قتل الحسين؟ يذكر عدة أمور مهدت، واحد منها مبدأ عمر في العطاء، لما عود الناس على التفاوت والتفاضل، ثم جاء عثمان وسار على نهجه، ثم جاء معاوية، هذه السيرة في التفاوت، أدت إلى أنه أي شخص يتقرب يكون له حصة الأسد وله عطاءه لذلك تجرؤوا على قتل ابن بنت رسول الله، ودخل على ابن زياد، قائلاً:
املَأْ رِكابي ذَهَباً أو فِضَّةً إِنِّي قَتَلْتُ السَّيِّدَ المِحَجَّبَا
قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ أُمّاً وَأَبَا «وخَيرَهُم إذ يُنسَبونَ نَسَبا»
قال: ما دمت تقر بأنك قتلت خير الناس أماً وأبا خذوه فاضربوا عنقه.
ينبغي التعجيل بقسمة ما في بيت المال في كل أسبوع، وهو المحكي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، خلافاً لعمر فإنه كان يؤخر قسمة بيت المال إلى سنة[19] .
وتأخيره مشكلٌ مع عدم وجود مصلحة تقتضي التأخير.
وينبغي للإمام أن يلحظ ذرية المجاهدين ويدر عليهم النفقة بعد موت آبائهم إلى أن يبلغوا فيكونوا من المرصدين للجهاد أو من غيرهم فيجري على كلٍّ حكمه. ولو مرض المرصد للجهاد مرضاً يرجى زواله كالحمى والصداع لم يخرج به عن أهل الجهاد ولا يسقط به عطاؤه. لكن إذا كان المرض عضالاً يمنعه من القتال، ولا يرجى زواله كالفالج، ونحوه مما يخرجه عن عنوان المقاتل فحينئذٍ هل يسقط عطاؤه؟ الأقوى عدم سقوط عطاءه بل يرتزق من بيت المال.
هذا تمام الكلام في حكم المرصد.
مسألة أخرى يأتي عليها الكلام، وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.