47/07/10
10 رجب 1447
31 ديسمبر 2025
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وتسعة وأربعون): كراهة تأخير قسمة الغنيمة في دار الحرب
المشهور بين الأصحاب شهرةً عظيمةً هو كراهة تأخير قسمة الغنيمة في دار الحرب إلّا لعذرٍ، كخوف هجوم المشركين وغير ذلك. بل لم يُحكَ الخلاف في كراهة تأخير التقسيم إلّا من الإسكافي[1] . فجعل الإسكافي الأولى هو القسمة في دار الإسلام وإن جازت القسمة في دار الحرب، محتجًّا بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قسم غنائم خيبر والطائف بعد خروجه من ديارهم إلى الجِعرانة[2] . والمعروف في المصادر هو غزوة حُنَين بدل غزوة خيبر. والجِعرانة هي إحدى مواقيت الإحرام أو ما يُذكَر في حدود مكّة.
لكن ما نُسب إلى ابن الجُنَيد الإسكافي لا يدلّ على ما ذكره من الأولوية وأنّ الأولى أن تُقسّم في دار الإسلام؛ لأنّ ما ذكره إنّما هو حكاية فعل النبيّ وحكاية عن حاله، والفعل ليس له إطلاق، فلربّما أخّر النبيّ تقسيم الغنيمة إلى الجِعرانة لعذرٍ، هذا أوّلًا. وثانيًا: هو معارَضٌ بما رواه الشيخ الطوسي في المبسوط من أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قسم غنائم بدر بشِعبٍ من شِعاب الصفراء قريبٌ من بدر، وكان ذلك دار حربٍ[3] .
بل روى العامّة والجمهور عن أبي إسحاق الفزاري قال: قلت للأوزاعي: هل قسم رسول الله صلّى الله عليه وآله شيئًا من الغنائم بالمدينة؟ قال: لا أعلمه، إنّما كان الناس يبتغون غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوّهم، ولم يُنقَل عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في غزاتٍ قطّ أصاب فيها غنيمة إلّا خمسة وقسّمة قبل أن يقفل،
ومن ذلك غزات بني المصطلِق وهوازن وخيبر[4] .
إذًا يوجد قولان:
القول الأوّل: تقسيم الغنيمة في دار الحرب.
القول الثاني: المنسوب لابن الجُنَيد، تقسيم الغنيمة في دار الإسلام.
ولعلّه لِمَا ذُكر في هذا النقل عن العامّة أو غيره، قال الشهيد الأوّل: «والمختار الأوّل» - أي: التقسيم في دار الحرب - ومستنده فعل النبيّ صلّى الله عليه وآله، فإنّه كان كذلك يفعله - أي: يقسم في دار الحرب - رواه عنه العامّة والخاصّة[5] .
وقد ذكر الشهيد الأول[6] أنّ كراهة تأخير قسمة الغنيمة في دار الحرب هو المشهور شهرة عظيمة.
والتحقيق: أنّ ما ذُكر وما نُسب إلى فعل النبيّ من تقسيم الغنيمة في دار الحرب لا دار الإسلام لا يدلّ على كراهة تأخير قسمة الغنيمة، بل يدلّ على رجحان تقسيم الغنيمة في دار الحرب، فاستمرار فعل النبيّ، وما ذُكر من أنّه كان دائمًا يقسم الغنيمة في دار الحرب، يدلّ على رجحان تقسيم الغنيمة في دار الحرب، بعد معلوميّة جواز تأخير تقسيم الغنيمة، إذ نُقل في نقلٍ آخر أنّه قسّمها وأخّرها إلى الجِعرانة.
فجواز تأخير التقسيم لا خلاف فيه. قال صاحب الجواهر[7] : «بلا خلافٍ أجده بيننا؛ للأصل وغيره» - الأصل: أصالة الإباحة والجواز - بل لعلّه مقتضى الجمع بين ما سمعته من حكاية فعله، إذ حُكي عن النبيّ فعلان: الأوّل: التأخير إلى الجِعرانة، الثاني - وهو الغالب -: التقسيم في دار الحرب. مقتضى الجمع: جواز التأخير، وجواز التقديم والأولويّة للتقديم؛ لأنّ استمرار فعل النبيّ وغالب فعل النبيّ على التقسيم في دار الحرب، فهذا يُثبت الرجحان ولا يُثبت كراهة تأخير التقسيم. إذًا لم تثبت كراهة التأخير في التقسيم، بل ثبت رجحان التقديم في دار الحرب.
خلافًا للحنفيّة، فلا يجوز التقسيم عندهم إلّا في دار الإسلام، لوجهين:
الأوّل: عدم تماميّة ملك الغنيمة للمقاتلين إلّا بالدخول في دار الإسلام مع الغنيمة، لكنّه ضعيفٌ؛ لأنّ ملك الغنيمة إنّما يتمّ بحيازة الغنيمة وتحقّق القهر، فالملك متحقّقٌ.
الوجه الثاني: لأنّ لكلّ واحدٍ من الغانمين أن يستبدّ بالطعام والعَلَف في دار الحرب
فلا تجوز القسمة كحالة بقاء الحرب[8] .
وفيه: الفرق بين حالتين في الحرب: بين حالة بقاء الحرب وعدم انتهائها، وهنا لم يثبت للغانمين فيها حقّ التملّك ولا تحصل القسمة، وبين حالةٍ أخرى وهي حالة انتهاء الحرب، إذ ثبت فيها تملّك الغنيمة بحيازتها وتحقّق قهر العدوّ وانقضاء الحرب.
فالوجه الثاني فيه قياسٌ مع الفارق، إذ أنّ الاستبداد بالطعام والعَلَف في دار الحرب وعدم جواز القسمة كحالة بقاء الحرب، هذا إنّما هو في خصوص حالة استمرار الحرب وعدم انتهائها، وهنا لا ملكيّة للغنيمة ولا حيازة، فكيف يُقاس على هذه الحالة الحالة الثانية التي نبحثها في المقام، وهي حالة بعد انتهاء الحرب وقبل القسمة، إذ أن المقاتلين يملكون الغنيمة بحيازتها وبتحقّق القهر والغلبة وانتهاء الحرب؟
بل لعلّ احتمال عدم جواز التأخير في الحرب مع إرادة الغانمين حقوقهم، ولعلّ هذا هو الوجه الأقوى، إذ أنّ المقتضي موجود والمانع مفقود. فمقتضي التملّك موجود وهو حيازة الغنيمة وانتهاء الحرب، والمانع من تأخير قسمة الغنيمة مفقود والمقاتلون يطالبون بحصّتهم في الغنيمة. ولعلّ هذا هو السبب في حكم الأصحاب بكراهة تأخير تقسيم الغنيمة. ولعلّ هذا هو المستفاد من كلام الأوزاعي المتقدّم: «إنّما كان الناس يبتغون غنائمهم» - أي: كانوا يطالبون بغنائمهم.
فرع: لو غزا المشركون المسلمين فهزمهم المسلمون، قسّموا غنائمهم مكانهم إن اختاروا ذلك قبل إدخال الغنيمة إلى المدن. ولو كان المشركون أهل باديةٍ ولا دار لهم فغنمهم المسلمون، كانت قسمتها إلى الوالي: إن شاء قسّمها مكانه، وإن شاء قسّم بعضها وأخّر بعضها، كما قسم رسول الله صلّى الله عليه وآله المَغنَم بخيبر. ولعلّه لذلك حُكي الأمران من فعله من التقديم والتأخير، فهذا موكولٌ إلى تشخيص وليّ الأمر للمصلحة.
هذا تمام الكلام في تقسيم الغنيمة ورجحان تقسيمها في دار الحرب.
كراهة إقامة الحدود في دار الحرب:
يُكرَه إقامة الحدود في دار الحرب، كما ذكر ذلك العلّامة الحلّي في كتبه[9] ،
وغيره كابن قطان[10] .
بل ذكر الشيخ الطوسي[11] ما نصّه: «لم يُحَدّ في دار الحرب وأُخِّر حتّى يعود إلى دار الإسلام، وإن رأى الإمام المصلحة في التقديم جاز».
وظاهر هذا النصّ - المكوَّن من شقّين - أنّه في الشقّ الأوّل يحرم إقامة الحدّ في دار الحرب ولا يجوز إقامة الحدّ في دار الحرب، إذ قال: «لم يُحَدّ في دار الحرب وأُخِّر حتّى يعود إلى دار الإسلام»، فظاهره وجود تأخير وعدم جواز إقامة الحدّ. وظاهر الشقّ الثاني: جواز التقديم في صورة المصلحة إن رأى وليّ الأمر المصلحة.
لكن لا يمكن الأخذ بظاهر كلام الشيخ الطوسي في المبسوط؛ لعدم وجود دليلٍ يدلّ على عدم الجواز، فتبقى أدلّة وجوب إقامة الحدّ من دون معارض، بل لا يوجد دليل يدلّ على كراهة إقامة الحدّ في دار الحرب، إذ أن أدلّة إقامة الحدّ ناجزة وراجحة، ففي بعضها: «حدٌّ يُمنَع يَمنع قَطْر السماء أربعين صباحًا»، فلسان روايات إقامة الحدود: التعجيل بإقامتها وعدم تأخيرها.
نعم، عَلَّلوا كراهة إقامة الحدّ في دار الحرب بمخافة لحوق المحدود الغيرة فيدخل في دار الحرب[12] . وليس المقصود بالغَيرة غيرة النسوان، بل المراد بالغيرة هنا: الحميّة والغضب والأنَفَة، فإذا قطعوا يده إذا سرق، لربّما يغضب ويلتحق بجيش الكفّار ويقاتل معهم أو يشي على المسلمين ويُفشي بعض الأسرار.
لكن هذه الحيثيّة لا توجب كراهة إقامة الحدّ في دار الحرب، خصوصًا إذا لاحظنا ما دلّ على عدم جواز التأخير في الحدود. راجعوا الروايات[13] .
لذلك فإنّ التسامح في الكراهة والتسرّع في الحكم بكراهة إقامة الحدّ في دار الحرب لا يخلو من إشكال؛ لأنّه معارضٌ لدليل الحرمة، إذ أنّ الروايات دلّت على حرمة منع الحدود أو تأخيرها.
والخلاصة: ذُكرت كراهة إقامة الحدّ في دار الحرب حتّى لا يهرب ويلتحق بالكفّار، ولم ينهض الدليل على إثبات الكراهة.
لكن بناءً على القول بالكراهة، استثنوا من هذه الكراهة حقّ القصاص[14] .
وقد عُلّل[15] بانتفاء المانع من تقديم الحدّ، فالمانع هو خوف لحاق المحدود بدار الحرب، وفي القصاص تفوت النفس فإنّه يُقتَل، فهذا محذور ـ أنّه يأخذه الغضب والحميّة ويهرب إلى دار الحرب - غير موجود، فإذا قتل يُقتَل.
وبناءً على استثناء حقّ القصاص من الكراهة وأنّ العلّة هو انتفاء المانع من التقديم، فهذا لا يقتضي استثناء خصوص حقّ القصاص، بل يقتضي استثناء جميع الحدود الموجبة للقتل، كالرجم أو الإلقاء من شاهقٍ أو الضرب بالسيف وغير ذلك؛ لأنّ كلّ ما أوجب القتل من قصاص وغيره من الحدود الموجبة للقتل، كالضرب بالسيف أو الإلقاء من شاهق أو الإحراق بالنار، هذا كلّها ينتفي فيها المانع.
لكنّه لم ينهض الدليل بإثبات الكراهة، وبالتالي تكون جميع هذه الأمور على القاعدة من حدود وتعزيرات وقصاص، تكون على القاعدة: لا تُؤخَّر، سواءً كانت في دار الإسلام أو دار الحرب، والله العالم.
نعم، إن شخّص وليّ الأمر وجود مصلحةٍ في التأخير، رجّح التأخير لوجود مصلحةٍ رجّحها وليّ الأمر، والله العالم. وصلّى الله على محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.