« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الفقه

47/05/28

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس (مائة وسبعة وعشرون): صرف حاصل الأرض المفتوحة عنوة في مصالح المسلمين العامة

الموضوع: الدرس (مائة وسبعة وعشرون): صرف حاصل الأرض المفتوحة عنوة في مصالح المسلمين العامة

وهنا توجد حالتان:

الحالة الأولى: حالة حضور الإمام المعصوم وبسط يده. وهنا لا إشكال ولا خلاف في أن المعصوم عليه السلام حال بسط يده وحضوره يصرف حاصل الأرض المفتوحة عنوة في المصالح العامة للمسلمين مثل سد الثغور ومعونة الغزاة وبناء القناطر ونحو ذلك مما يرجع نفعه إلى عامة المسلمين.

قال صاحب الجواهر[1] : "بل الإجماع بقسميه عليه"، أي الإجماع المنقول والمحصل مضافاً إلى بعض النصوص كمرسل حماد المتقدم وغيره من الروايات الواردة في وسائل الشيعة وتهذيب الأحكام.

يراجع[2] .

وممن صرح بتصرف الإمام في المصالح العامة في مخارج الأرض المفتوحة عنوة: الشيخ الطوسي[3] ، ابن إدريس الحلي[4] ، العلامة الحلي[5] ، ابن القطان[6] .

الحالة الثانية: حال غيبة الإمام المعصوم عليه السلام. وحينئذ لا بد من الرجوع إلى الفقيه الجامع للشرائط ومع تعذره أو تعذر حصول الإذن منه يرجع إلى ما دلت عليه النصوص من أن آحاد الشيعة لهم التصرف في مصارفهم الخاصة. نعم لو تصرف الجائر قهراً كان تصرفه نافذاً ولا يحتاج إلى إذن الحاكم الشرعي.

ومن هنا نطرح هذا السؤال: هل يجب على آحاد الشيعة الذين وقعت يدهم على الأرض المفتوحة عنوة أي يراعوا في صرف حاصل الأرض المفتوحة عنوة المصارف العامة لمصالح المسلمين ولو بإذن نائب الإمام المعصوم وهو الفقيه الجامع للشرائط؟

 

وجهان:

- أحوطهما ذلك، أي مراعاة مصالح المسلمين وأخذ إذن الفقيه الجامع الشرائط.

- وأقواهما: العدم، أي عدم لزوم مراعاة خصوص المصالح العامة، بل يمكن للشيعي أن يصرف مخارج الأرض المفتوحة عنوة في مصارفه الخاصة لظاهر نصوص الإباحة. يراجع[7] .

وللسيرة المستمرة والمستحكمة في سائر الأعصار والأمصار بين العلماء والعوام، بل قد تمكن جملة من علمائنا كالشريف المرتضى والشريف الرضي اللذين كانت عندهما نقابة الطالبيين والعلامة الحلي أيام المغول وغيرهم فقد تمكنوا من جملة من الأراضي المفتوحة عنوة كما في أرض السواد والعراق ولم يحكى عن أحد منهم التزام الصرف في خصوص المصالح العامة للمسلمين.

بل السيرة الجارية والمستمرة هو التعامل مع أرض العراق وغيرها معاملة الملك الشخصي. ومن هنا قال صاحب الجواهر: بل لعل المعلوم خلافه يعني خلاف الصرف في المصالح العامة للمسلمين من المعاملة معاملة غيرها من الأملاك، هذه سيرة مستحكمة.

يبقى الكلام في تحقيق هذه السيرة كيف يعني؟ من المسلم أن الأرض المفتوحة عنوة ملك لجميع المسلمين والحال هناك سيرة مستحكمة على التعامل مع ما علم أنه أرض مفتوحة عنوة كالعراق ومكة ويتعامل معها معاملة الملك الشخصي.

هنا تأتي تخريجات ومن هذه التخريجات وأهمها: أننا لا نعلم أن هذه الأرض كانت محياة أيام الفتح والأصل العدم.

ولتنقيح الموضوع بشكل كلي نقول: لا بد من إحراز ثلاثة أمور لتنقيح أن الأرض ملك لجميع المسلمين والأصل عدم هذه الثلاثة وهي كما يلي:

1. أولاً: أن نحرز أن الأرض فتحت عنوة وبالقهر والغلبة.

2. ثانياً: أن نحرز أنها فتحت بإذن الإمام المعصوم عليه السلام.

3. الثالث: أن نحرز أنها كانت محياة حال الفتح.

فإذا شككنا في واحد منها فالأصل العدم. فالأصل أن الأرض لم تفتح عنوة، وإذا فتحت عنوة فالأصل أنها بدون إذن، وإذا أحرزنا أنها بإذن الإمام فالأصل أنها ليست محياة.

ومن هنا ذهب البعض إلى أن مشاهد الأئمة عليهم السلام في العراق لم تكن محياة حال الفتح فهي من الأنفال، ومن هنا صح تملكها بروايات التحليل «مالنا لشيعتنا».

والقدر المتيقن من الأراضي المفتوحة عنوة هو خصوص أرضين:

- الأول: أرض السواد بالعراق.

- الثاني: أرض مكة.

وما عداهما مشكوك فيه، إذ أن النصوص الشرعية دلت على خصوص هاتين الأرضين أرض السواد وأرض مكة وأنهما فتحا عنوة، وما عداهما كأرض الشام وخراسان وغيرهما فلم تدل نصوص معتبرة على أنها فتحت عنوة. نعم ذكر في التواريخ أنها فتحت عنوة ولا حجية للنصوص التاريخية هنا.

وبعد أن نقحنا الكبرى وهو أنه إذا أحرزت ثلاثة أمور:

1. أولاً: أن الأرض فتحت عنوة.

2. ثانياً: أنها بإذن المعصوم عليه السلام.

3. ثالثاً: أنها كانت محياة حال الفتح.

فهي ملك لجميع المسلمين، وإلا فلا.

يقع الكلام في تنقيح الصغرى: ما هي الأراضي التي فتحت عنوة؟ وقد ثبت اثنان منها بلا إشكال وهما أرض السواد ومكة، وما عداهما مشكوك فيه. ولنتكلم عن هذه الصغريات تباعاً كما يلي:

 

الأرض الأولى: مكة: والمعروف بين الأصحاب أن مكة من الأراضي المفتوحة عنوة بل نسبه غير واحد إليهم كالمحقق الكركي في موضع من خراجيته[8] . بل في المبسوط[9] والمنتهى[10] والتذكرة[11] أنه الظاهر من المذهب. يراجع.

وقد دل على ذلك النصوص الشريفة، ففي خبر صفوان وأحمد بن محمد: "إن أهل الطائف أسلموا وجعلوا عليهم العشر ونصف العشر وإن مكة دخلها رسول الله صلى الله عليه وآله عنوة وكان أهلها أسراء في يده فأعتقهم وقال اذهبوا أنتم الطلقاء"[12] .

وفي بعض أخبار العامة والجمهور أنه صلى الله عليه وآله قال لأهل مكة: "ما تروني صانعاً بكم؟" قالوا: "أخ كريم وابن أخ كريم" فقال صلى الله عليه وآله: "أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾[13] ، اذهبوا أنتم الطلقاء"[14] .

فما عن الشافعي من أن مكة فتحت صلحاً واضح الفساد[15] .

هذه الأرض الأولى المسلم أنها فتحت عنوة.

الأرض الثانية: العراق وأرض السواد: كما صرح به في النصوص والفتاوى، يراجع النصوص[16] .

وأما الفتاوى: فقد ذكر المحقق الكركي أنه لا خلاف في أن أرض العراق فتحت عنوة. يراجع[17] .

الأرض الثالثة: الآن من الثالث وما عداه مشكوك يحتاج إلى إثبات لأن التاريخ دل عليه بعض النصوص التاريخية وليست من المسلمات التاريخية. الأول والثاني النصوص الشريفة دلت على أن أرض مكة والعراق من الأراضي المفتوحة.

الأرض الثالثة: الشام: على ما ذكره المحقق الكركي ناسباً له إلى الأصحاب. يراجع[18] .

قال صاحب الجواهر: "وإن كنت لم أتحققه"[19] يعني لم يتحقق ولم يثبت عنده أن أرض الشام من الأراضي المفتوحة عنوة.

نعم، عن العلامة في التذكرة أن أرض الشام من الأراضي المفتوحة عنوة كما في كتابه[20] .

ولكن لم يذكر أحد حدود الشام. بل في كفاية الأحكام للمحقق السبزواري عن بعض المتأخرين ما نصه: "وأما بلاد الشام ونواحيه فحكي أن حلب وحماة وحمص وطرابلس فتحت صلحاً وأن دمشق فتحت بالدخول من بعض غفلة بعد أن كانوا طلبوا الصلح من غيره"[21] .

إذاً في الشام خلاف أنها فتحت صلحاً أو عنوة.

الأرض الرابعة: خراسان: بل ربما نسب إلى الأصحاب هذا القول كما في موضع من خراجية الكركي[22] ، وأنه من أقصاها إلى كرمان، يراجع[23] .

ثم عقب صاحب الجواهر فقال: "وإن كنت لم أتحققه" يعني لم يثبت أن خراسان من الأراضي المفتوحة عنوة.

بل توجد أقوال أنها فتحت صلحاً، فعن بعض المتأخرين أن نيشابور من بلاد خراسان فتحت صلحاً وبلخ منها أيضاً وهرات وطوسيخ في كشف الغطاء ترشح، وفي الأحكام فوسخ والتوابع فتحت صلحاً. يراجع[24] .

والمراد بخراسان ليس هو خصوص خراسان الحالية بل يشمل خراسان الحالية وأفغانستان وبعض جمهوريات آسيا الوسطى كطاجكستان وأوزباكستان، كلها هذه تعد من خراسان القديمة.

الأرض الخامسة: خيبر: كما صرح به بعضهم[25] ، ودل عليه أيضاً بعض النصوص[26] .

هذا خيبر يمكن أن تكون الأرض الثالثة التي دلت عليها النصوص.

إلى هنا ذكرنا خمس أراضي. بل قيل إن غالب بلاد الإسلام من الأراضي المفتوحة عنوة. يراجع[27] .

وعن بعض المتأخرين: أن أهل طبرستان صالحوا (وأين يقع طبرستان؟ شمال إيران مازندران أول حكومة شيعية زيدية كانت في طبرستان)، وأن أذربيجان فتحت صلحاً، وأن أهل أصفهان عقدوا أماناً. يراجع[28] ،

يبقى الكلام في كيفية ثبوت أن هذه الأرض فتحت عنوة أم لا؟

إلى هنا ذكرنا الكبرى والصغرى: ذكرنا الكبرى، وهو ضابط الأرض المفتوحة عنوة، وهو إذا توفرت ثلاثة مثبتات:

1. أولاً: أن الأرض فتحت بالقوة وعنوة.

2. ثانياً: أن الفتح بإذن الإمام.

3. ثالثاً: أنها كانت محياة.

فهنا يثبت الحكم وهو أنها لجميع المسلمين.

وثانياً تطرقنا إلى الصغرى، أي الأراضي التي فتحت عنوة، والثابت منها ثلاثة: مكة وخيبر وأرض العراق.

وأما أرض الشام وأرض خراسان وطبرستان وأذربيجان فهذا مشكوك.

يبقى الكلام في كيفية إثبات أن هذه الأرض مفتوحة عنوة؟ هذا ما يأتي عليه الكلام، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.


[28] كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء - ط الحديثة، كاشف الغطاء، الشيخ جعفر، ج4، ص404.. (الشيخ جعفر كاشف الغطاء عنده كتابان في الجهاد: كتاب في كشف الغطاء، وكتاب رسالة مستقلة حينما خرج لقتال الروس كتبها آخر ستة شهور تقريباً من حياته بعدما خرج لقتال الروس)
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo