47/05/27
الدرس (مائة وستة وعشرون): عدم صحة بيع وهبة ووقف الأرض المفتوحة عنوة
الموضوع: الدرس (مائة وستة وعشرون): عدم صحة بيع وهبة ووقف الأرض المفتوحة عنوة
عدم صحة بيع وهبة ووقف الأرض المفتوحة عنوة والمتصرف بها لا يملكها، وهذا يدعونا إلى بحث وبيان حيثيات ملك الأرض المفتوحة عنوة، وهذا يقودنا إلى بحث الأراضي في الفقه الإسلامي.
وبحث الأراضي يُذكر في أربعة مواطن في الفقه الإسلامي:
الأول: كتاب البيع في شروط العوضين.
الثاني: كتاب الخمس عند بحث الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم وخُمس أرباح المكاسب.
الثالث: كتاب إحياء الموات.
الرابع: ما نحن فيه وهو كتاب الجهاد عند بحث الغنائم والأرض المفتوحة عنوة.
[بيان الجهات والحيثيات المتعلقة بالأرض المفتوحة عنوة]
ولا بأس بذكر جهات وحيثيات في الأراضي خصوصاً الأرض المفتوحة عنوة، وقد ذكرها المرحوم السيد عبد الأعلى السبزواري في كتابه[1] ، والجهات كما يلي باختصار شديد:
الجهة الأولى: في بيان أقسام الأراضي وأن أيّ منها يكون من الأنفال:
- فالأرض التي هي موات تكون للإمام عليه السلام ومن الأنفال.
- وأما الأرض المفتوحة عنوة: فإن كانت بإذن الإمام عليه السلام فهي للمسلمين جميعاً، وإن كانت بدون إذن الإمام عليه السلام أو نائبه فهي للإمام وتكون من الأنفال.
تفصيل ذلك يُذكر في كتاب الأنفال الملحق بكتاب الخمس، وفي المقام من كتاب الجهاد أي بحث الغنائم.
الجهة الثانية: الأراضي التي تكون تحت استيلاء الكفار على أقسام:
الأول: إذا أسلم أهلها طوعاً فهي ملك خاص لهم كسائر أملاكهم، وليس لأحد من الناس التعرض لهم فيها على ما دلت عليه الأدلة الأربعة، مثل أرض البحرين فهي أرض لم يوجف عليها بخيل ولا رجال، وإنما أسلم أهلها طوعاً فهي لأهل البحرين كما ذُكر في كتاب الأنفال.
الثاني: إذا لم يسلموا ولكن أقرهم على الأرض ولي الأمر لمصلحة تقتضي ذلك، فتكون كالقسم الأول بلا فرق بينهما فهي لأهلها.
الثالث: إذا لم يسلم أهل الأرض ولكن وقعت الأرض تحت استيلاء المسلمين بانجلاء أهلها عنها وتخليتها للمسلمين، أو بموت أهلها ولا وارث لهم غير الإمام عليه السلام، والإمام وارث من لا وارث له، فهذا القسم الثالث من الأرض قطعاً للإمام المعصوم عليه السلام نصاً وإجماعاً.
الرابع: إذا بقي أهل الأرض على كفرهم وفُتحت أرضهم عنوة، وغلب المسلمون الكفار واستولوا على الأرض بالقهر والغلبة، وهذا ما نحن فيه وهو الأرض التي فُتحت عنوة، فإن فُتحت بإذن الإمام المعصوم أو نائبه فهي للمسلمين جميعاً الموجود منهم ومن سيوجد إلى يوم القيامة.
وأما إذا فُتحت بدون إذن الإمام عليه السلام فهي للإمام وتكون من الأنفال، خلافاً للسيد الخوئي رحمه الله الذي لم يشترط إذن المعصوم في الأراضي والأموال الغير المنقولة، واشترط إذن الإمام في خصوص الغنائم المنقولة، فعلى مبناه تكون الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين جميعاً مطلقاً سواء حصل الإذن من الإمام أو لم يحصل.
الجهة الثالثة: الملكية على أقسام:
القسم الأول: الملكية الشخصية، وهي ملكية محضة مطلقة من كل جهة، كملكية الأشخاص لأموالهم الخاصة بهم.
الثاني: الملكية بنحو الشركة والإشاعة، كملكية الورثة لحصصهم في الأرض التي ورثوها، ولا تعين في الخارج لمكان حصة أي واحد منهم، فهذه ملكية شخصية على نحو الإشاعة لا على نحو التفصيل.
الثالث: ملكية المنفعة على نحو الإشاعة، كالملكية في الوقف الخاص والملكية في الوقف العام، ففي هذا القسم الثالث تكون الملكية للمنفعة لا للعين.
الرابع: الملكية في الخمس والزكاة لأربابها، ويُبحث هنا: هل الخمس ملك للمنصب أو للإمام عليه السلام؟ وتفصيل ذلك في كتاب الخمس والزكاة.
الخامس: الملكية في الأرض المفتوحة عنوة، وسنخية الملكية في الأرض المفتوحة عنوة تغاير سائر أنواع الملكيات، والأرض المفتوحة عنوة تصير ملكاً خاصاً بعد القبض، وليست من ملكية المنفعة بل من ملكية العين والمنفعة تتبعها، وبعد الاستيلاء على الأرض المفتوحة عنوة تصبح الأرض ملكاً لجميع المسلمين منذ الفتح إلى الأبد إلى يوم يُبعثون، بحيث تبقى عينها، فلا يجوز بيع رقبتها.
[توضيح عبارة «ملكية العين تبعاً للآثار»]
ومن عبَّر من الفقهاء بأن بيعها من باب ملكية العين تبعاً للآثار لم يُرد الملكية الخاصة، وإلا فهو يخالف الإجماع، لاتفاق الجميع والكل على أنه لا يملكها المتصرف فيها، ولا يصح له بيعها ولا هبتها ولا وقفها ولا غير ذلك من التصرفات المتوقفة على الملك.
[بيان مراد بعض الفقهاء من بيع الأرض تبعاً للآثار]
فقال بعض الفقهاء: يصح بيع وشراء الأرض المفتوحة عنوة تبعاً للآثار. والمراد بالآثار: ما يُستحدث في الأرض من بناء وزراعة وما شاكل ذلك، فقد يُفهم من كلامهم أن البيع لمجموع الأرض والآثار، وأن هناك حصة من الأرض في البيع كما أن الحصة الأخرى هي الآثار.
[الرأي الصحيح: انتقال خصوص الآثار دون نفس الأرض]
والصحيح: أن المراد بيع خصوص الآثار، أي بيع خصوص البناء الذي على الأرض المفتوحة عنوة، أو خصوص الزرع أو الغرس وما أُحدث فيها، فالمبيع هو خصوص الآثار ولا تدخل الأرض تبعاً، إذ أن الأرض ملك لجميع المسلمين ولا يجوز بيعها.
[تشبيه ملكية الأرض المفتوحة عنوة بتاج الملوك]
وهنا يمثل السيد عبد الأعلى السبزواري رحمه الله بمثال من باب التقريب فيقول: فالأرض المفتوحة عنوة كالتاج الذي يتوارثه الملوك خلفاً عن سلف، فيستقبح عليهم النواقل الاختيارية عند كافة العقلاء، ويُستنكر ذلك منهم أشد الاستنكار، ويكون ذلك عليهم من علامة الذل والهوان.
[الفرق بين الملك الشخصي للتاج والملك النوعي للأرض المفتوحة عنوة]
والفرق بينهما أنه ملك شخصي، والأرض المفتوحة عنوة ملك نوعي، بل الأول يعني تاج الملوك أيضاً نوعي لكنه من النوع المنحصر في الفرد في كل عصر، بخلاف المفتوحة عنوة يعني هي ملك لنوع الملك وإن انحصر في شخص الملك المتعين خارجاً.
الجهة الرابعة والأخيرة: يعتبر في الأرض المفتوحة عنوة أمور:
الأول: أن تكون محياة حال الفتح، لأن الأرض الموات من الأنفال وتختص بالإمام عليه السلام.
الثاني: أن يكون الفتح بإذن الإمام فتكون للمسلمين، وإلا فهي له عليه السلام.
الثالث: يجب فيها الخمس من الغنيمة، تفصيل ذلك في كتاب الخمس.
الرابع: من يقوم بعمارة الأرض المفتوحة له حق مزاحمة الغير، فكل واحد من المسلمين يمكن أن يزاحم الآخر في عمارة الأرض المفتوحة عنوة للسيرة والإجماع وظواهر النصوص، يُراجع[2] .
وليس لهم حق النقل والانتقال ببيع أو هبة ووقف وغير ذلك للإجماع على عدم الملكية فيها بالخصوص.
الخامس: التصرف في الأرض لا بد أن يكون بإذن ولي الأمر، فهو ولي المصالح العامة للمسلمين وهو القائم عليها.
السادس: موضوع الأرض المفتوحة عنوة بحسب الأصل هو غير منقح، فلا بد من تنقيح الأصل فيها، لأن من شرط تحققه إذن الإمام عليه السلام وكونها محياة حال الفتح، ومقتضى الأصل عدم تحققهما في مورد الشك، فلا بد من إحراز أنها محياة أولاً عند الفتح، وثانياً لا بد من إحراز إذن الإمام عليه السلام.
السابع: يثبت فيها الخراج وفقاً للنصوص والإجماع، يُراجع[3] .
الثامن: يُصرف حاصلها في مصالح المسلمين، فلا معنى لكون الأرض ملك للمسلمين نوعاً ولا تُصرف غلاتها في مصالح المسلمين.
هذا تمام الكلام في هذه الجهات التي إذا اتضحت ستتضح التفريعات وسيتضح كلام الفقهاء، ولنرجع إلى التفريعات والأحكام:
[الحكم الكلي: عدم ملكية المتصرف وبطلان البيع والهبة والوقف]
لا خلاف ولا إشكال في أن الأرض المفتوحة عنوة لا يملكها المتصرف فيها على الخصوص، ولا يصح له بيعها ولا هبتها ولا وقفها ولا غير ذلك من التصرفات الموقوفة على الملك، بل الإجماع بقسميه عليه مضافاً إلى النصوص، كما يقول صاحب الجواهر[4] ، نقل الإجماع السيد الطباطبائي[5] .
[الفقهاء القائلون بعدم ملكية المتصرف]
وممن قال بهذا الرأي: الشيخ الطوسي[6] ، والقاضي ابن البراج[7] ، وابن إدريس[8] ، والعلامة[9] .
الروايات الدالة على ذلك، يُراجع[10] .
بل عن "المبسوط" للشيخ الطوسي عدم جواز مطلق التصرف فيها ولو بنحو من البناء[11] .
[آراء الفقهاء القائلين بصحة البيع تبعاً للآثار]
نعم، قد ذكر غير واحد من الأصحاب أن الأرض المفتوحة عنوة تباع مثلاً تبعاً لآثار التصرف فيها، كالعلامة[12] ، والمحقق الكركي[13] ، الشهيد الثاني[14] ، المحقق الأردبيلي[15] .
[التفسير الصحيح لبيع الأرض تبعاً للآثار]
لكن ليس المراد ببيع الأرض تبعاً للآثار أن الأرض تكون ضمن المبيع، بل المراد أن البيع يكون لخصوص الآثار، فالذي يُملك خصوص الآثار، فالمسلم البائع أو المشتري أو الواهب أو الموهوب يملك خصوص الآثار، وتكون الأرض بالتبع ليس بمعنى أنه يملك هذه الأرض بشخصه، بل هي ملك عام للمسلمين جميعاً.
وقد أشبع صاحب الجواهر الكلام في المراد ببيع الأرض تبعاً للآثار في كتاب البيع، يُراجع[16] .
ومن هنا يتضح الكلام المحكي عن "تهذيب" الشيخ الطوسي من جواز شراء الأرض تبعاً للآثار، فهو محمول على ما لا ينافي أن الأرض غير قابلة للانتقال، فالمراد شراء الآثار دون الأرض، وتدخل الأرض بالتبع بمعنى أنها تبقى على ملكيتها العامة للمسلمين، والذي يكون فيه النقل والانتقال في البيع والشراء هو خصوص الآثار.
ومن الغريب ما عن "الكفاية" للمحقق السبزواري من أن الأقرب القول بالجواز للعمل المستمر وللنصوص الكثيرة[17] ، تُراجع كلام الشيخ الطوسي في "تهذيب الأحكام"[18] .
أما دعواه بالنسبة للعمل المستمر فلم يثبت وهو قابل للتوجيه، وأما ما ادعاه من النصوص فهو بين ما هو غير صريح في أرض الخراج، بل حتى لو كان صريح في أرض الخراج، أرض الخراج أعم من الأرض المفتوحة عنوة، قد تكون أرض الذمة - الذميين الذين أُبقوهم على ملكيتهم ويدفعون الخراج والجزية - وبين ما يراد منه آثار التصرف لا الأرض، وبين ما يراد منه الشراء استنقاذاً لمال المسلمين.
نعم، قد يُقال بأحقية المحيي للأرض بعد موتها فهو أولى من غيره على وجه يترتب عليها الإرث والصلح وغير ذلك، وأن عليه الخراج والمقاسمة لدلالة النصوص على ذلك[19] .
وهذا ما يظهر من ظاهر المحقق الكركي، إذ قال: ما يوجد من هذه الأرض مواتاً في هذه الأزمنة إن دلت القرائن أنه كان معموراً من القديم ومضروباً عليه الخراج ككثير من أرض العراق، يُلحق بالمعمور وقت الفتح، وحيث إنه لا أولوية لأحد عليه فمن أحياه كان أحق به وعليه الخراج والمقاسمة، وظاهره المفروغية عن ذلك، والنصوص تدل عليه، يُراجع كلام المحقق الكركي[20] .
هذا تمام الكلام في تصرف المسلمين في الأرض المفتوحة عنوة.
يبقى الكلام في تصرف الإمام عليه السلام، يأتي عليه الكلام.