47/05/26
الدرس (مائة وخمسة وعشرون): من له الإذن والنظر في الأرض المفتوحة عنوة
26 جمادى الأولى 1447
17 نوفمبر 2025
الموضوع: الدرس (مائة وخمسة وعشرون): من له الإذن والنظر في الأرض المفتوحة عنوة
اتضح أن الأرض المفتوحة عنوة كأرض السواد والشام وفارس هي ملك لجميع المسلمين ولا يجوز بيعها، بل تبقى على ملكية جميع المسلمين إلى الأبد، يبقى الكلام في كيفية التصرف فيها كبنائها أو زراعتها، فمن يملك حق التصرف فيها
[سؤال:] ومن له حق الإذن في التصرف في الأرض المفتوحة عنوة؟
والجواب: توجد حالتان:
الحالة الأولى: عصر حضور الإمام المعصوم وبسط يده، ولا شك في هذه الحالة أن النظر فيها إلى الإمام المعصوم ولا يوجد خلاف في ذلك، يُراجع[1] .
[وجه اختصاص الإمام بالنظر في الأرض المفتوحة عنوة]
والسر في ذلك: أن الإمام أو نائبه هو المتولي لأمور المسلمين، قال الرضا عليه السلام في صحيح ابن أبي نصر: "وما أُخذ بالسيف فذلك للإمام يقبله بالذي يراه كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله بخيبر، قَبلَ أرضها ونخلها، والناس يقولون لا تصلح قبالة الأرض والنخل إذا كان البياض أكثر من السواد، وقد قَبلَ رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر وعليهم في حصصهم العشر ونصف العشر". ونحو صحيحة ابن أبي نصر البزنطي (مضمرة البزنطي) يُراجع[2] .
هذا تمام الكلام في الحالة الأولى، حالة حضور المعصوم وبسط يده.
الحالة الثانية: عصر غيبة المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، وفيه أقوال سبعة، أوجهها وأصحها القول الرابع، وهي كما يلي:
[القول الأول: اختصاص الإذن بالسلطان الجائر]
الأول: لا يجوز التصرف فيها إلا بإذن السلطان الجائر وأنه ولي هذا الأمر بعد غصبه الخلافة والحكومة، وعن الكفاية للسبزواري نقل بعضهم الاتفاق عليه، وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من المحققين.
[القول الثاني: تقديم الحاكم الشرعي ثم الجائر عند التعذر]
الثاني: ما في المسالك للشهيد الثاني من أن الأمر أولاً يرجع إلى الحاكم الشرعي وهو الفقيه الجامع للشرائط، ومع عدمه أو عدم إمكان تصرفه فإلى الجائر.
[القول الثالث: ولاية الحاكم الشرعي مع نفوذ تصرف الجائر]
الثالث: إن الأمر إلى الحاكم الشرعي إلا أنه إذا تصرف الجائر يكون تصرفه فيها وفي خراجها نافذاً من غير حاجة إلى الاستئذان من الحاكم الشرعي وإن أمكن، وهذا القول هو الظاهر من كثير من متأخر المتأخرين.
[القول الرابع: ولاية الحاكم الشرعي، ومع التعذر جواز تصرف آحاد الشيعة]
الرابع: وهو الصحيح، إن الأمر إلى الحاكم الشرعي، ومع عدمه أو عدم إمكان الاستئذان منه يجوز لآحاد الشيعة التصرف فيها، ولكن إذا بادر الجائر وتصرف فيها يكون تصرفه نافذاً ولا يجب الاستئذان من الفقيه.
[القول الخامس: جواز تصرف آحاد الشيعة مطلقاً]
الخامس: ما عن المبسوط للشيخ الطوسي والمستند للنراقي، وهو أنه يجوز لآحاد الشيعة التصرف فيها من غير توقف على الاستئذان من أحد، لا من الحاكم الشرعي ولا من الجائر.
[دليل القول الخامس: روايات التحليل]
والوجه في ذلك: التمسك بروايات التحليل، فالروايات التي دلت على تحليل الأراضي إن قلنا بشمولها للأرض المفتوحة عنوة فحينئذ يجوز لآحاد الشيعة التصرف فيها.
[القول السادس: التخيير بين الحاكم الشرعي والحاكم الجائر]
السادس: يجوز الرجوع إلى كل منهما، فيجوز الرجوع إلى الحاكم الشرعي أو الحاكم الجائر حال الاختيار، ويتعين أحدهما مع عدم إمكان الآخر.
[القول السابع: استمرار وجوب الاستئذان من الحاكم الشرعي]
السابع: وجوب الاستئذان من الحاكم الشرعي إذا أمكن حتى في صورة تصرف الجائر، ولا يجوز الاكتفاء به. هذه أقوال سبعة تُراجع[3] .
[ترجيح القول الرابع]
والتحقيق: صحة القول الرابع، فهو مقتضى الجمع بين الأدلة المختلفة، فهناك ثلاث طوائف من الروايات من جهة تُجمع مع طائفة من الروايات من جهة أخرى، فبعض الروايات دلت على نفوذ تصرفات الجائر وإن أمكن الاستئذان من الفقيه، يُراجع[4] .
[الطالب:] مداخلة. (تكرر نفس الروايات أو غيرها)
لا، الروايات متعددة إذا اتسع المجال بقرأها، أنا قرأتها كلها لكن أخشى أن وقت الدرس يعني يروح، روايات عديدة أنه بعض الروايات يقول الإمام: اشترِ منه، إن لم تشترِ منه سيشتريه غيرك، أن تصرفات الجائر ممضاة هذا من جهة.
ومن جهة أخرى عندنا ثلاث طوائف من الروايات:
الطائفة الأولى: ما دل على أن أمر التصرف في الأراضي الخراجية إلى ولي أمر المسلمين والسلطان العادل، يُراجع[5] .
الطائفة الثانية: ما دل على أن الأمور التي لا بد من تحققها في الخارج واحتُمل كونها مشروطة في وجودها بنظر شخص خاص، يعتبر فيها إذن الفقيه وله الولاية عليها.
الطائفة الثالثة: النصوص الدالة على نيابة الفقيه العامة عن الإمام المعصوم عليه السلام، تُراجع[6] .
[وجه الجمع بين الروايات وترجيح القول الرابع]
والخلاصة: لو راجعنا الروايات الشريفة في خصوص باب الأرضين وهو باب اثنين وسبعين من أبواب جهاد العدو، لوجدنا أن الروايات تشترط إذن المعصوم في التصرف فيها كما في صحيحة البزنطي ومضمرته السابقتين، فهما من باب اثنين وسبعين، فلو خُلّينا نحن وروايات باب اثنين وسبعين فإننا نشترط إذن المعصوم في التصرف في الأراضي المفتوحة عنوة، ويُضاف إلى ذلك روايات ولاية الفقيه العامة أو المطلقة، هذا من جهة.
[الجمع بين ولاية الفقيه ونفوذ تصرفات الجائر وتصرف آحاد الشيعة]
ومن جهة أخرى دلت الروايات على نفوذ تصرفات الجائر وأنها ممضاة، وبعض الروايات دل على نفوذ تصرفات آحاد الشيعة من دون رجوع إلى المعصوم أو إلى الجائر، فيكون مقتضى الجمع بين هذه الروايات اشتراط إذن الإمام المعصوم عليه السلام أو نائبه بالحق وهو الفقيه العادل الجامع للشرائط، وإن لم يُمكن جاز لآحاد الشيعة التصرف في الأرض المفتوحة عنوة، والمراد بالتصرف ليس التصرف في بيع العين ونقلها بل في استثمارها كالزراعة أو البناء.
[ضابط نفوذ تصرف الجائر: الاقتصار على القدر المتيقن]
نعم، مقتضى القاعدة الاقتصار على القدر المتيقن من موارد نفوذ تصرف الجائر، والقدر المتيقن هو صورة عدم التمكن من الامتناع عن التسليم إليه.
[شرط نفوذ تصرف الجائر: كون الأرض في يده وعدم إمكان مخالفته]
وبعبارة أخرى: إذا كان المورد أولاً في يد الجائر، وثانياً لا تمكن مخالفته، وأما إذا لم يضع الجائر يده على الأرض المفتوحة عنوة فلا معنى لنفوذ تصرفه إذا قلنا بنفوذ تصرفه من باب التقية.
[شاهد روایی: صحيحة العيص]
ويشهد لذلك ما في صحيح العيص عن الإمام الصادق عليه السلام الوارد في الزكاة، قال: "ما أخذ منكم بنو أمية فاحتسبوا به ولا تعطوهم شيئاً ما استطعتم، فإن المال لا ينبغي أن يُزكى مرتين"، وهذا الحديث وإن كان وارداً في الزكاة إلا أنه يثبت الحكم في المقام بناء على عدم القول بالفصل.
[مناقشة الاستدلال بروايات تحليل الأراضي]
وقد يُقال: إن روايات تحليل الأراضي أو نصوص التحليل لأموال الشيعة التي استدل بها المحقق النراقي في مستند الشيعة تشمل موردنا، فيُقال: لو كان لهذه الروايات عموم أو إطلاق فإنما هو شامل للأراضي التي تختص بالأنفال، أي ناظرة إلى خصوص الأموال والأراضي التي هي إلى المعصوم عليه السلام وهي أراضي الأنفال، ولا تشمل مورد بحثنا وهي الأراضي المفتوحة عنوة.
[الرأي الآخر في شمول روايات التحليل للأراضي المفتوحة عنوة]
نعم، مَن يرى أن روايات تحليل الأراضي أو روايات تحليل المال للشيعة مطلقة وتشمل الأنفال وغير الأنفال كالأراضي المفتوحة عنوة، فحينئذ يقول بجواز تصرف آحاد الشيعة من دون حاجة إلى الرجوع إلى الفقيه الجامع للشرائط أو الجائر، والجائر إنما يُرجع إليه في خصوص القدر المتيقن، وهو ما لو وضع يده على الأرض وتصرف فيها فعلاً.
[الخلاصة النهائية للأقوال السبعة]
هذا تمام الكلام في بيان الأقوال السبعة، واتضح أن الصحيح منها خصوص القول الرابع: الإذن للحاكم الشرعي، إن لم يُمكن فلعموم الشيعة وآحادهم التصرف فيها، إلا إذا الحاكم الجائر تصرف فيها قهراً فينفذ حكمه للتقية.
[تأييد القول الرابع بكلام صاحب الجواهر]
ولنرجع إلى ما ذكره صاحب الجواهر من أقوال ونقولات، قال صاحب الجواهر[7] : "وأما حال الغيبة ونحوها فلا خلاف معتد به بل ولا إشكال في جريان حكم يده" (يعني حكم يد المعصوم) "على ما كان منها في يد الجائر المتسلط للتقية، بالنسبة إلى براءة ذمة من عليه الخراج وحِلّ المال بالمقاسمة وإلى جواز الأخذ بشراء ونحوه. وأما غيره" (يعني ما لم يكن منها في يد الجائر) "فالمرجع فيه إلى نائب الغيبة كما صرح بذلك جماعة منهم الكركي وثاني الشهيدين وغيرهما وهو الذي تقتضيه قواعد الشرع"، إذاً رأينا موافق لرأي صاحب الجواهر رحمه الله. يُراجع[8] .
[دعوى عدم العلم بالخلاف في نفوذ تصرف الجائر للتقية]
وادعي عدم العلم بالخلاف بالنسبة إلى التقية كما في المسالك للشهيد الثاني[9] ، هذه في موضع في كتاب التجارة، وأيضاً في كتاب الجهاد في مسالك الأفهام[10] . ونسب المحقق الكركي اتفاق الأصحاب على ذلك في فوائد الشرائع، ونسب الحكم إلى ظاهر الأصحاب السيد الطباالطبائي في رياض المسائل[11] .
[مناقشة كلام المحقق الكركي]
لكن كلام المحقق الكركي في فوائد الشرائع فيه ما يقبل التأمل، ولنقرأ نص عبارته، قال المحقق الكركي رحمه الله ما نصه: "هذا مع ظهوره، وفي حال الغيبة يختص بها من كانت في يده بسبب شرعي كالشراء والإرث ونحوهما، لأنها وإن لم تُملك رقبتها لكونها لجميع المسلمين إلا أنها تُملك تبعاً لآثار التصرف، ويجب عليه الخراج والمقاسمة، ويتولاهما الجائر، ولا يجوز جحدهما ولا منعهما ولا التصرف فيهما إلا بإذنه باتفاق الأصحاب".
[تفسير كلام المحقق الكركي في الخراج والمقاسمة]
ثم قال: "لو لم يكن عليها يد لأحد فقضية كلام الأصحاب توقف جواز التصرف فيهما (يعني الخراج أو المقاسمة) على إذنه" (على إذن الجائر) "حيث حكموا بأن المقاسمة أو الخراج منوط برأيه، وهما كالعوض عن التصرف، وإذا كان العوض منوطاً برأيه كان المعوَّض كذلك"[12] .
[نقد إطلاق كلام المحقق الكركي]
كلامه على إطلاقه ليس بتام، إذ إن القدر المتيقن هو ما إذا كانت في يد الجائر وتصرف فيها فعلاً، وأما إذا لم تكن في يده أو كانت في يده ولم يتصرف فيها لا يوجد دليل على نفوذ تصرفه.
[مناقشة صاحب الجواهر لكلام المحقق الكركي]
ومن هنا ناقشه صاحب الجواهر قائلا: "وفيه أنه لم نعرف للأصحاب كلاماً في توقف حِلّهما على إذن الجائر مع عدم كون الأرض في يده، وإنما ذكروا حكم ما يأخذه الجائر باسم الخراج والمقاسمة والزكاة، وهو كالصريح في كون ذلك لما في يده من الأراضي لا غيرها مما يمكن دعوى الضرورة على عدم ولاية له عليه وعدم قابليته لذلك، وإنما أجرينا الحكم المزبور على ما في يده للتقية وتسهيلاً للشيعة في زمن الغيبة.
[نقد دعوى عموم التقية في عصر الغيبة]
ودعوى أن الزمان زمان تقية فالأمر إليه فيها حتى ما لم يكن في يده منها واضحة الفساد لعدم شاهد عليها، بل ظاهر الأدلة خلافها"، لم يدل دليل على أننا في عصر تقية مطلقاً.
[النتیجه: رجوع ما ليس في يد الجائر إلى نائب الغيبة]
"فالتحقيق الرجوع في كل ما لم يكن في يده (أي الجائر) إلى نائب الغيبة يصرفه على ما يظهر له من الأدلة كغيره مما له ولاية عليه، والله العالم"[13] .
هذا تمام الكلام في بيان من له النظر في الأرض المفتوحة عنوة. يبقى الكلام في كيفية ملك الأرض المفتوحة عنوة، الدرس القادم إن شاء الله نتطرق إلى أنواع الملكية، إذا فهمنا أنواع الملكية سنعرف جواز بيعها أو عدم جواز بيعها.
نوع وجنس ملكية الأرض المفتوحة عنوة يأتي عليه الكلام.