47/05/24
الدرس (مائة وثلاثة وعشرون): حكم الأرض المفتوحة عنوة كأرض السواد
24 جمادى الأولى 1447
15 نوفمبر 2025
الموضوع: الدرس (مائة وثلاثة وعشرون): حكم الأرض المفتوحة عنوة كأرض السواد
[مقدمة في تقسيم الغنائم: منقولة وغير منقولة]
الحكم على المشهور بالنسبة إلى الغنائم المنقولة وغير المنقولة أن الغنيمة إذا كانت بإذن الإمام عليه السلام فهي للغانمين وللإمام عليه السلام الخُمس، وأما إذا كانت الغنيمة بغزوة من دون إذن الإمام عليه السلام فهي للإمام خاصة، هذا بالنسبة للغنائم المنقولة. وأما بالنسبة إلى الغنائم غير المنقولة كالأراضي والعقارات فإما أن تكون مُحياة حال الفتح وإما أن تكون مواتاً، فإن كانت مواتاً فهي الأنفال وهي للإمام عليه السلام، وإن كانت مُحياة فهي للمسلمين.
ووقع الكلام أنه هل يشترط إذن الإمام عليه السلام في ثبوت كونها للمسلمين أو لا يشترط؟ فلو كانت الغزوة بدون إذن الإمام عليه السلام، فهي للإمام عليه السلام، وإن كانت بإذنه فهي للمسلمين.
[تشخيص أرض السواد وحدودها]
من هن يقع البحث في حكم الأراضي المفتوحة عنوةً كأرض السواد، وهي أرض العراق وفارس والشام، وأوضح مصداق لذلك هو أرض السواد، ولنقرأ ما ذُكر بالنسبة إلى أرض السواد لتنقيح الموضوع.
قال العلامة في المنتهى في بيان المراد بأرض السواد ما نصه، كما نقل صاحب الجواهر[1] ، نقلاً لمقاطع متعددة للعلامة الحلي[2] ، قال العلامة الحلي ما نصه: الأرض المغنومة من الفُرس التي فُتحت في زمن عمر بن الخطاب وهي سواد العراق، وحده في العرض من منقطع الجبال بحلوان إلى طرف القادسية المتصل بعُذَيب من أرض العرب، ومن تخوم الموصل طولاً إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة، فأما الغربي الذي يليه البصرة فإنما هو إسلامي مثل شَط عثمان بن أبي العاص وما والاها، كانت سِباخاً ومواتاً فأحياها عثمان بن أبي العاص.
ويقول في مقطع آخر: وسُميت هذه الأرض سواداً لأن الجيش لما خرجوا من البادية رأوا هذه الأرض والتفاف شجرها سموها السواد لذلك، إلى الآن إذا تذهب إلى العراق بالطائرة قبل ما تنزل الطائرة تجد النخيل والخضرة تُبيّن أرض العراق سوداء أو خضراء، فيُقال أرض السواد.
[كيفية فتح السواد وتقدير الخراج فيها]
ثم قال العلامة في المنتهى: وهذه الأرض فتحت عنوة فتحها عمر بن الخطاب بعث إليها بعد فتحه ثلاثة أنفس عمار بن ياسر على صلاتهم أميرا وابن معسود قاضيا وواليا على بيت المال وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض وفرض لهم في كل يوم شاط تنظرها مع السواقط لعمار وشطوها للآخرين وقال ما أرى قرنة يوجد منها كل يوم شاة الا سريع في خرابها.
ثم قال: ومَسَح عثمان بن حُنيف أرض الخراج، فقيل اثنان وثلاثون ألف جريب، وقيل ستة وثلاثون ألف ألف جريب، ثم ضرب على كل جريب نخل عشرة دراهم، وعلى الكَرْم ثمانية دراهم، وعلى جريب الشجر والرُّطَبة ستة دراهم، وعلى الحنطة أربعة دراهم، وعلى الشعير درهمين، ثم كتب بذلك إلى عمر فأمضاه. ورُوي أن ارتفاعها كان في عهد عمر مائة وستين ألف ألف درهم - يعني المراد بالارتفاع النماء.
ولما أفضى الأمر إلى أمير المؤمنين عليه السلام أمضى ذلك لأنه لم يمكنه المخالفة والحكم بما عنده، فلما كان زمن الحجاج رجع إلى ثمانية عشر ألف ألف درهم، فلما ولي عمر بن عبد العزيز رجع إلى ثلاثين ألف ألف درهم في أول السنة، وفي الثانية إلى ستين ألف ألف درهم، وقال: لو عشت سنة أخرى لرددتها إلى ما كان في أيام عمر، فمات تلك السنة[3] .
أيام عمر كان الارتفاع مئة وستين ألف ألف درهم.
هذا بالنسبة إلى تشخيص الموضوع أرض السواد.
[الإشكال: الفتح بدون إذن الإمام مع كون السواد للمسلمين في النصوص]
وربما أُشكل الاستدلال بخبري السواد بأنه لم يُفتح بإذن الإمام عليه السلام فهو من الأنفال لا للمسلمين، إذ أن القاعدة تقول: أن المعركة إذا كانت بإذن الإمام عليه السلام فالغنيمة للغانمين، وإذا كانت مفتوحة عنوةً تكون الأرض للمسلمين، وأما إذا كانت المعركة بدون إذن الإمام عليه السلام فهذه الأرض تكون من الأنفال وهي للإمام عليه السلام.
وأرض السواد التي هي أرض العراق فتحها عمر بدون إذن الإمام علي عليه السلام، مقتضى القاعدة تكون أرض السواد للإمام عليه السلام، يعني مقتضى القاعدة يصير أرض السواد وأرض العراق وأرض الشام وأرض إيران فارس كلها للإمام عليه السلام لأنها فُتحت بدون إذنه.
فماذا نعمل بالخبرين: صحيح الحلبي وصحيح أبي الربيع الشامي الذين نَصّا على أن الأرض المفتوحة عنوةً وهي أرض السواد هي للمسلمين؟
[نصا الخبرين: صحيح الحلبي وصحيح أبي الربيع الشامي]
فلنقرأ النصين:
النص الأول صحيح الحلبي: سُئل أبو عبد الله عليه السلام السواد ما منزلته؟ قال: هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم ومن لم يُخلق بعد. فقلت: الشراء من الدهاقين؟ قال: لا يصلح إلا أن تشتري منهم على أن تُصيّرها للمسلمين، فإن شاء ولي الأمر أن يأخذها فله. قلت: فإن أخذها منه؟ قال: يرد إليه رأس ماله وله ما أكل من غلتها بما عمل[4] .
النص الثاني صحيح أبي الربيع الشامي: قد يُناقَش في أبي الربيع الشامي ومن قبله، لكن الذي يروي عمن قبله هو حماد، فبناءً على قبول مبنى أصحاب الإجماع تكون هذه الرواية صحيحة وإلا فهي قابلة للتأمل. قال عليه السلام: لا تشترِ من أرض السواد شيئاً إلا من كان له ذمة، فإنما هي فيء للمسلمين[5] .
وقوله "إلا من كان له ذمة" يعني إلا من مَلَك الأرض عن ذمة، يعني كشراء صحيح ولم يكن ملكه غصبياً، وهذا النص يدل على أن بعض أرض السواد قابل للملكية قبل الغزو وقبل الفتح عنوةً.
إذاً مقتضى هاتين الصحيحتين أن أرض السواد ملك للمسلمين جميعاً. وهنا يأتي الإشكال وهو أن أرض السواد فُتحت بدون إذن الإمام المعصوم عليه السلام، ومقتضى القاعدة أن تكون ملكاً للإمام عليه السلام لا للمسلمين.
[الأجوبة على الإشكال:
الجواب الأول (حمل الخبرين على التقية) ورده]
وقد يجاب عن هذا الإشكال بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول: حمل الخبرين على التقية، إذ أن الإمام عليه السلام ذكر ذلك وفاقاً للعامة الذين كان مذهبهم سائداً.
وفيه: أن الحمل على التقية بعيدٌ جداً، خصوصاً بعد عدم معروفية هذا الحكم بين العامة، وإنما يحكى هذا الحكم عن خصوص مالك بن أنس من العامة، ولم يكن مذهبه معروفاً كي يتقى منه، خصوصاً بعد مخالفة الشافعي وأبي حنيفة لمالك، ومذهب أبو حنيفة كان هو السائد في العراق، يراجع حكم مالك بن أنس[6] .
ويراجع رأي الشافعي وأبو حنيفة[7] .
إذاً الجواب الأول وهو حمل الروايتين على التقية لا يمكن المساعدة عليه.
[الجواب الثاني: عدم اعتبار إذن الإمام في الأراضي – قول الشيخ الطوسي والخوئي]
الجواب الثاني: منع اعتبار إذن الإمام في خصوص الأراضي، فيُقال إن التفصيل بين إذن الإمام وعدمه إنما هو في الغنائم المنقولة، فإن كانت بإذن الإمام فالغنيمة للغانمين بشرط إخراج الخُمس، وإن كانت بغير إذن الإمام فالغنيمة للإمام عليه السلام. هذا في الغنائم المنقولة. وأما الغنائم غير المنقولة كالأراضي فالمفتوح منها عنوةً فهو للمسلمين جميعاً سواء أَذِن الإمام أو لم يأذن، فيكون حكم أرض السواد على القاعدة.
وقد يُنسَب هذا الحكم إلى الشيخ الطوسي رضوان الله عليه، ويُستدل على ذلك بإطلاق بعض الأصحاب أن الأرض المفتوحة عنوةً للمسلمين، كلامهم مُطلَق يعني سواء فُتحت بإذن الإمام أو بدونه. وعَدّ الأصحاب لأرض العراق والشام من الأراضي المفتوحة عنوةً مع أنها لم تكن بإذن الإمام عليه السلام، فيُستدل بإطلاق بعض النصوص.
لكن هذا الكلام ليس بتام، إذ أننا لو راجعنا كلام الشيخ الطوسي رحمه الله في المبسوط لوجدنا ذيله ظاهراً في شمول الأراضي واعتبار الإذن فيها. قال الشيخ الطوسي رحمه الله ما نصه: وعلى الرواية التي رواها أصحابنا أن كل عسكر أو فرقة غزت بغير أمر الإمام فغنمت تكون الغنيمة للإمام خاصة، تكون هذه الأرضون وغيرها مما فُتحت عنوةً بعد الرسول صلى الله عليه وآله إلا ما فُتح في أيام أمير المؤمنين عليه السلام إن صح شيء من ذلك، يكون للإمام خاصة ويكون من جملة الأنفال التي له خاصة لا يُشركه فيها غيره[8] .
وممن ذهب إلى أن الأرض المفتوحة عنوةً لا يشملها ولا يُشترط فيها إذن الإمام وهي للمسلمين: سيد أساتذتنا السيد أبو القاسم الخوئي[9] رحمه الله، قال رحمه الله: المشهور بين الأصحاب في كون الأرض المفتوحة عنوةً ملكاً عاماً للأمة باعتبار كون الفتح بإذن الإمام عليه السلام، وإلا فتدخل في نطاق ملكية الإمام عليه السلام لا ملكية المسلمين. ولكن اعتباره في ذلك لا يخلو عن إشكال بل منع، فإن ما دل على اعتبار إذن الإمام عليه السلام كصحيحة معاوية بن وهب ورواية العباس الوراق مورده الغنائم المنقولة التي تُقسَم على المقاتلين مع الإذن وتكون للإمام عليه السلام بدونه، على أن رواية العباس ضعيفة" انتهى كلامه زيد في علو مقامه.
وخلاصة ما أفاده (قدس سره) أن الروايات المُفرِّقة بين الغنيمة التي بالإذن أو بدون الإذن موردها خصوص الغنائم المنقولة ولا تشمل الغنائم غير المنقولة، وبالتالي في الأرض المفتوحة عنوةً لا يُشترط فيها إذن الإمام عليه السلام.
ووافقه على هذا الرأي شيخنا الأستاذ الميرزا جواد التبريزي[10] رحمه الله، وخالفه في هذا الرأي موافقاً للمشهور شيخنا الأستاذ الشيخ حسين الوحيد الخراساني[11] ، وسيدنا الأستاذ السيد محمود الهاشمي الشاهرودي رحمه الله[12] ، وقال هذا: "بل الأظهر" كما في نص شيخنا الأستاذ الوحيد، وفي نص سيدنا الأستاذ الهاشمي: "هو الأظهر:"، ما ذهب إليه المشهور من اعتبار إذن الإمام عليه السلام حتى في الأراضي.
[الترجيح: القول الصحيح هو رأي المشهور (اعتبار الإذن)]
فأي القولين هو الصحيح؟ الصحيح ما ذهب إليه المشهور ووافقهم سيدنا الهاشمي الشاهرودي وشيخنا الأستاذ الشيخ الوحيد الخراساني، خلافاً لما ذهب إليه سيد أساتذتنا السيد الخوئي وتلميذه الوفي شيخنا الأستاذ الشيخ ميرزا جواد التبريزي رحمه الله.
ولنرجع إلى الروايتين:
أما الرواية الأولى فهي صحيحة معاوية بن وهب: قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: السرية يبعثها الإمام فيُصيبون غنائم، كيف يُقسَم؟ قال: إن قاتلوا عليها مع أمير أمَّره الإمام عليهم أُخرِج منها الخُمس لله وللرسول وقُسِّم بينهم ثلاثة أخماس - بعض المصادر أربعة أخماس - وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للإمام يجعله حيث أحب.
ويُلاحَظ أن هذه الرواية لم تنص على أن الغنيمة منقولة، لكن سيد أساتذتنا السيد الخوئي فهم من ظاهرها أنها ظاهرة في الغنيمة المنقولة من قوله: "فيُصيبون غنائم كيف يُقسَم"، فقد يُستظهَر منها أنها ظاهرة في الغنائم المنقولة، ولكنها قد تشمل الغنائم المنقولة والغنائم غير المنقولة.
وأوضح منها الرواية الثانية، هذه الرواية صحيحة معاوية بن وهب[13] .
الرواية الثانية[14] :... رواية العباس الوراق، عن رجلٍ سماه، عن أبي عبد الله عليه السلام، إذا هذه الرواية مرسلة "عن رجل سماه"، الرواية ضعيفة، قال: "إذا غزا قومٌ" هذه شمولها بالعموم أقوى، قال: "إذا غزا قومٌ بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام، وإذا غزا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس"، هذه عمومها يشمل الأرض، هذه الرواية بعمومها يشمل الأرض، لأن عنوان غنموا يشمل الغنيمة المنقولة وغير المنقولة، لأنه قسمنا الغنائم إلى ثلاثة أقسام: منقولة، وغير منقولة، وسبي.
ولذلك صاحب الوسائل الذي عنوان الوسائل هي فتاواه فهم الشمول فأطلق.
إذاً لاحظ عنوان الوسائل[15] ، قال: باب أن الأنفال كل ما يصطفيه من الغنيمة، وكل أرض مُلكت بغير قتال..." إلى أن يقول في الأخير: "وما غنمه المقاتلون بغير إذنه"، عنوان وما غنمه المقاتلون بغير إذن الإمام عليه السلام يشمل الغنيمة غير المنقولة.
إذاً ما أفاده السيد الخوئي رحمه الله من دلالة الروايتين على أن الأرض المفتوحة عنوةً لا يُشترط فيها إذن الإمام عليه السلام ليس بتام، والصحيح ما ذهب إليه المشهور.
[الإشارة إلى الجواب الثالث]
وستأتي تتمة الحديث في الجواب الثالث، إذ هناك شبه إطباق من العلماء على أن هذه الأرض المفتوحة عنوةً يُشترط فيها إذن الإمام عليه السلام، لذلك وقع الإشكال في التخريج الفني لأرض السواد: كيف جُعلت للمسلمين على الرغم من عدم وجود إذن الإمام عليه السلام فيها؟
الجواب الثالث يأتي عليه الكلام.