47/05/21
الدرس (مائة واثنان وعشرون): حكم الغنيمة غير المنقولة والسبي
21 جمادى الأولى 1447
12 نوفمبر 2025
الموضوع: الدرس (مائة واثنان وعشرون): حكم الغنيمة غير المنقولة والسبي
[القسم الثاني من أقسام الغنيمة: الأراضي والعقارات]
القسم الثاني من أقسام الغنيمة: ما لا يُنقل من الغنيمة كالأراضي والعقارات، فهو للمسلمين قاطبة بلا خلاف ولا إشكال فيه نصاً وفتوى، بل الإجماع بقسميه عليه، فقد قام الإجماع المحصَّل فضلاً عن المنقول على تملُّك جميع المسلمين للأراضي، مُضافاً إلى النصوص الشريفة. يُراجع[1] .
وقد نقل الإجماع على ذلك العلامة[2] . وممن قال بذلك وذهب إلى هذا الرأي: الشيخ الطوسي[3] ، والقاضي ابن البراج[4] ، والعلامة الحلي[5] ، والشهيد الأول[6] ، والشهيد الثاني[7] .
[الخمس في الأراضي والعقارات]
ويثبت الخُمس في الأراضي والعقارات نظراً لكونها غنيمة، والخُمس ثابت في غنائم دار الحرب، لكن الإمام عليه السلام مخيَّر بين إفراز خُمس الأراضي لأرباب الخُمس وبين إبقائه وإخراج الخُمس من ارتفاع الأرض. والمراد بارتفاع الأرض: نماء الأرض أو إيجارها، وحينئذ فمقتضى ذلك ثبوت الخُمس في الأراضي المفتوحة عنوةً في هذه الأيام، كما عن الشيخ الطوسي[8] ، وغيره كابن إدريس الحلي[9] ، ويحيى بن سعيد الحلي[10] ، والعلامة[11] ، فقد صرَّحوا بثبوت الخُمس فيها.
لكن توجد سيرة مستمرة إلى هذا الزمان على عدم إخراج مَن تمكَّن من شيء منها ذلك الخُمس، بل النصوص التي تعرَّضت للخراج - والمراد بالخراج هنا ماء الأرض، إيجارها، ثمارها - والإذن فيها للشيعة خالية أيضاً من ذلك. يُراجع[12] .
بل في بعضها التصريح بكون الأرض وخراجها للمسلمين وليس فيها ذكر للخُمس[13] .
[الجمع بين الأدلة: الاحتمالات]
فكيف نجمع بين الأمرين: أن الأرض المفتوحة عنوةً لجميع المسلمين ولا يتملكها أي فرد، وبين ثبوت الخُمس في غنيمة دار الحرب؟
يوجد احتمالان:
الاحتمال الأول: أن يكون الإمام عليه السلام حين القسمة قد جعل الخُمس في غيرها، أي أخرج الخُمس من غير هذه الأرض.
الاحتمال الثاني: أنه مندرج في نصوص التحليل: " وما كان لنا فهو لشيعتنا " أي أن الأئمة عليهم السلام أباحوها وحلَّلوها لشيعتهم، على الرغم من ثبوت الخُمس لكن قد ثبت التحليل. يُراجع[14] .
ويوجد احتمال ثالث كما عن بعض حواشي القواعد، إذ ذكر المحقق الكركي في جامع المقاصد تقييد خروج الخُمس من هذه الأراضي بحال ظهور الإمام عليه السلام، أما حال الغيبة ففي الأخبار أنه لا خُمس فيها[15] .
والاحتياط سبيل النجاة، ولا ريب أن الاحتياط في إخراج الخُمس من ارتفاع الأرض، يعني إيجارها، نمائها، وتفصيل البحث في ذلك إنما يكون في كتاب الخمس والأنفال وليس هنا. يُراجع[16] .
عادة في ختام كتاب الخُمس يُذكر بحث الأنفال.
القسم الثالث من الغنائم: السبي
كالنساء والذراري، ولا خلاف ولا إشكال نصاً وفتوى في أنها من جملة الغنائم، لكن يختص بها الغانمون ويجب عليهم إخراج الخُمس لمستحقه، كغير النساء والذراري من غنائم دار الحرب المنقولة.
إذاً حكم القسم الثالث وهو النساء والذراري والسبي حكم القسم الأول الأموال المنقولة التي غُنِمت، يثبت فيها الخُمس وتُقسم بين الغانمين، بخلاف القسم الثاني الأموال غير المنقولة التي فُتحت عنوةً، فهذه لجميع المسلمين.
سيأتي البحث إن شاء الله أن الأرض إما فُتحت عنوة كأرض إيران والعراق، فهذه ملك لجميع المسلمين، وإما لم يوجف عليها بخيل ولا رجال كأرض البحرين فُتحت سلماً فهي لأهلها.
أحكام الأرضين:
القسم الأول: الأرض التي فُتحت عنوةً.
وكل أرض فُتحت عنوةً ـ بفتح العين وسكون النون ـ والمراد الخضوع، كما في نهاية ابن الأثير[17] .
ومن الخضوع قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾[18] ، أي خضعت الوجوه لله عز وجل، والمراد هنا بالعنوة القهر والغلبة بالسيف، الأرض المفتوحة عنوة إما محياة أو غير محياة. محياة يعني مسكونة أحيوها بالبيوت والزراعة معمورة، وإما موات.
الأرض المفتوحة عنوة إذا كانت محياةً فهي للمسلمين قاطبة: الحاضرين والغائبين والمتجددين بولادة وغيرها إلى يوم يُبعثون، والغانمون لا اختصاص لأحد منهم بشيء منها.
قال صاحب الجواهر[19] : "بلا خلاف أجدُه في شيء من ذلك بيننا"[20] ، إذن من كلام صاحب الجواهر يُفهم وجود إجماع. لكن توجد عبارة في الكافي في تفسير الفيء والأنفال. يُراجع[21] .
قد يُتوهم منها اختصاص الغانمين بشيء من الأرض المفتوحة عنوة، ولعل هذا التوهم أوجب أن ينسب المحقق السبزواري الحكم بأن الأرض للمسلمين جميعاً إلى المشهور. يُراجع[22] .
ولم يدَّعِ الإجماع عليه، لكنه في غير محله، فالعبارة لا يُفهم منها أن صاحب الكافي مخالف، والأمر سهل إذ أن هذا الحكم من الواضحات، بل توجد دعوى الإجماع على أن الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين قاطبة. يُراجع[23] .
عادةً إذا تريد تعرف الإجماعات من أهم الكتب الذي يركز على الإجماعات كتاب الرياض "رياض المسائل" للسيد الطباطبائي، والشيخ الطوسي في موضعين من كتاب الخلاف:
الموضع الأول في كتاب الزكاة مسألة ثمانين[24] .
والموضع الثاني في كتاب السير، مسألة ثلاثة وعشرين[25] .
وأيضاً تذكرة الفقهاء[26] .
ثم قال صاحب الجواهر: "بل هو مُحصَّل"، يعني هو تتبَّع صاحب الجواهر لم يجد مخالفاً، إذاً قام الإجماع المنقول والمحصَّل على أن الأراضي المفتوحة عنوة لجميع المسلمين ولا يختص بها أحد من المقاتلين، وليس المراد بجميع المسلمين وقت الفتح بل إلى يوم يُبعثون.
نعم، عن بعض العامة اختصاص الغانمين بالأرض المفتوحة عنوة كغيرها من الغنائم. يُراجع[27] .
إذاً الدليل الأول على ذلك الإجماع المحصل والمنقول.
الدليل الثاني الروايات التي فيها صحيح ومعتبر.
الرواية الأولى: صحيح الحلبي، سئل أبو عبد الله عليه السلام "عن السواد ما منزلته؟" ـ المراد بالسواد أرض العراق كما سيأتي ـ فقال : هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم ولمن لم يخلق بعد ، فقلنا : الشراء من الدهاقين؟
قال : لا يصلح إلا ان يشتري منهم على ان يصيرها للمسلمين ، فان شاء ولي الامر ان يأخذها اخذها ، فقلنا : فان اخذها منه قال : يرد إليه رأس ماله وله ما أكل من غلتها بما عمل.[28] .
الرواية الثانية: صحيح أبي الربيع الشامي، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: "لا تشتري من أرض السواد شيئاً إلا من كان له ذمة، فإنما هي فيء للمسلمين"[29] .
قوله عليه السلام: "فإنما هي فيء للمسلمين" يعني أرض لجميع المسلمين وليست لأفراد المسلمين.
وقوله: "إلا من كان له ذمة" أي قد يُفهم من ذلك إلا من تمكلها عن ذمة يعني لا عن غضب لا عن... وإنما تمكلها عن طريق شرعي.
الرواية الثالثة: صحيح صفوان، قال: حدَّثني أبو بردة بن رجا قال: قلت لابي عبد الله عليهالسلام كيف ترى في شراء ارض الخراج؟ قال ومن يبيع ذلك؟ هي ارض المسلمين قال : قلت يبيعها الذي هي في يده قال : ويصنع بخراج المسلمين ماذا!؟؟ ثم قال : لا بأس اشتري حقه منها ويحول حق المسلين عليه لعله يكون أقوى عليها واملا بخراجهم منه.[30] .
الرواية الرابعة: خبر محمد بن شريح، سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شراء الأرض من أرض الخراج، فكرهه وقال: "إنما أرض الخراج للمسلمين"[31] .
الرواية الخامسة والأخيرة: مرسل حماد عن أبي الحسن الأول الإمام الكاظم عليه السلام الرواية طويلة، نذكر منها مقاطع: قال: "والأرض التي أُخذت عنوةً بخيل وركاب فهي موقوفة بيدي من يُعمِّرها ويُحييها ويقوم عليها على صلح ما يُصالحهم الإمام على قدر طاقتهم من الخراج النصف أو الثلث أو الثلثين، على قدر ما يكون لهم صلاحاً ـ كما في الكافي والوسائل ـ أو صالحاً ـ كما في نسخة التهذيب ـ ولا يُضر بهم".[32]
المقطع الثاني من الرواية: "فإذا خرج منها نماها ـ في التهذيب بدل فابتدأ وفي الكافي ما أخرج بدأ، الأمر سهل ـ فإذا خرج منها نماها فأخرج منه العُشر من الجميع مما سقت السماء أو سُقي سيحاً" السَّيْحِ وَهُوَ الماءُ الجارِي [33] ، يعني من عند الله، إما من السماء أو من الجداول الجارية الطبيعية.
"ونصف العُشر مما سُقي بالدوالي والنواضح".
الدوالي جمع دالية، الدالية هي الجذع الطويلة في رأسه مغرفة كبيرة يستقى بها، هكذا قال في كتاب المغرب، وفي كتاب المصباح المنير للفيومي: الدالية دلو ونحوها[34] ، معروف يعني السقي بالدلاء.
والنواضح، جمع ناضح، والأنثى ناضحة، يراد بها البعير، سمي بذلك لأنه ينضح الماء أي يصبه[35] .
"فأخذه الوالي فوجهه في الوجه الذي وجهه الله له على ثمانية أسهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾[36] ثمانية أسهم يقسمها بينهم في مواضعهم بقدر ما يستغنون في سنتهم بلا ضيق ولا تقطير". إلى أن قال في مقطع آخر: "فإن فضل من ذلك شيء رد إلى الوالي، وإن نقص من ذلك شيء ولم يكتفوا به، كان على الوالي أن يمولهم من عنده بقدر سعتهم" في نسخة التهذيب: "بقدر شبعهم، حتى يستغنوا".
في المقطع الأخير يقول عليه السلام: "ويأخذ بعد ما يبقى من العُشر فيقسمه بين الموالي" في المصدر: "يقسمه بين الوالي وبين شركائه الذين هم عُمال الأرض وأكلتها"، يعني من اِكتروا الأرض. "فيدفع إليهم أنصباءهم على ما صالحهم عليه، ويأخذ الباقي فيكون ذلك أرزاق أعوانه على دين الله، وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد".... إلى أن قال: "وغير ذلك ما فيه مصلحة العامة وليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير"[37] .
إلى غير ذلك من النصوص اكتفينا بخمسة كما اكتفى صاحب الجواهر رحمه الله، إلى هنا اتضح أن الدليل على حكم الأرض المفتوحة عنوة هو الإجماع بقسميه والروايات المعتبرة.
تتمة الحديث تأتي إن شاء الله.