47/05/20
الدرس (مائة وواحد وعشرون): عدم اختصاص أحدٍ بالمباحات الأصلية في دار الحرب
20 جمادى الأولى 1447
11 نوفمبر 2025
الموضوع: الدرس (مائة وواحد وعشرون): عدم اختصاص أحدٍ بالمباحات الأصلية في دار الحرب
[أولاً: الفرع الثاني من فروع الغنيمة – المباحات الأصلية]
الفرع الثاني من فروع الغنيمة: لا خلاف بين الأصحاب في أن الأشياء المباحة في الأصل كالصيود والأشجار والأحجار الكريمة ونحوها في دار الحرب لا يختص بها أحد ويجوز تملكها لكل مسلم. ممن قال بذلك الشيخ الطوسي[1] ، العلامة الحلي[2] ، والمحقق الكركي[3] .
ولا إشكال في هذا الحكم ضرورة بقائها على الإباحة الأصلية وليست من الغنيمة في شيء بعد أن لم تكن مملوكة لأهل الحرب، خلافاً لبعض العامة فقد جعل المباحات الأصلية من الغنيمة وهو واضح الفساد. يُراجع[4] .
نعم، لو كان على المباح الأصلي أثر ملك وهو في دار الحرب كان غنيمة بناءً على الظاهر من كونه ملكاً لأهل الحرب، نحو ما كان مثله في بلاد الإسلام كالطير المقصوص والأشجار المقطوعة والأخشاب المنجورة والأحجار المنحوتة. قال صاحب الجواهر: بلا خلاف أجده فيه بل ولا إشكال والله العالم [5] .
هذا تمام الكلام في الفرع الثاني وهو واضح إذ الغنيمة هو عبارة عن التسلط على ملك الكفار، هذا ليس ملكاً لهم.
[ثانياً: الفرع الثالث – الشيء المحتمل كونه للمسلمين أو لأهل الحرب]
الفرع الثالث: لو وُجد شيء في دار الحرب يحتمل أن يكون للمسلمين ولأهل الحرب كالخيمة والسلاح ونحوهما فحكمه حكم اللقطة كما صرح بذلك العلامة الحلي[6] ، وقال بذلك الشهيد الثاني[7] ، وابن القطان[8] ، والصيمري[9] ، والمحقق الكركي[10] .
والوجه في ذلك صدق تعريف اللقطة على ذلك إذ أنها مال ضائع فيعرف حينئذ سنة، ويتخير الملتقط بين التملك وغيره نحو باقي أفراد اللقطة. هكذا ذهب أكثر الفقهاء.
[رأي السيد الخوئي: القرعة]
وخالف في ذلك السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله فذهب إلى أن هذا المورد من موارد القرعة إذ أنها لكل أمر مشكل. فقال: إذا وُجد شيء في دار الحرب كالخيمة والسلاح ونحوهما ودار أمره بين أن يكون للمسلمين أو من الغنيمة ففي مثل ذلك المرجع هو القرعة حيث أنه ليس لنا طريق آخر لتعيين ذلك غيرها. فحينئذ إن أصابت القرعة على كونه من الغنيمة دخل في الغنائم وتجري عليه أحكامها، وإن أصابت على كونه للمسلمين فحكمه حكم المال المجهول مالكه"[11] . انتهى كلامه زيد في علو مقامه.
أقول: القرعة لكل أمر مشكل، والحكم فرع ثبوت موضوعه، فإذا ثبت أن مورد بحثنا مشكلٌ ولا طريق لمعرفة ذلك فهنا القرعة محكمة، وأما إذا وُجد طريق كاللقطة فهنا لا تصل النوبة إلى الحكم بالقرعة. فلا بد من التأمل في موضوع بحثنا، فلو وُجد شيء في دار الحرب ولم يُعلم أنه للمسلمين أو لأهل الحرب هل يصدق عليه ضابط اللقطة وهي المال الضائع أو لا؟ فإن صدق عليها موضوع اللقطة حُكمت أحكام اللقطة، وإن لم يصدق عليها ضابط اللقطة تصل النوبة إلى القرعة إذ أنها لكل أمر مشكل.
فلو عرضنا هذا الموضوع على العرف وقلنا لهم: هجم جيش الإسلام على دار الكفر ووجدوا خيمة وسلاحاً ولم يعلموا أنه للمسلمين أو للكفار، فهل يصدق عليه أنه مال ضائع؟ أو يصدق عليه أنه مال مجهول مالكه؟ لعل العرف يرى أن هذا المال مجهول المالك لا أنه مال ضائع حتى تجري عليه أحكام اللقطة. من هنا فإن ما ذهب إليه سيد أساتذتنا السيد أبو القاسم الخوئي متين إذ أن تعريف وضابط اللقطة لا ينطبق على مورد بحثنا ولا يوجد لدينا وسيلة لتعيين مالك هذا المال فتصل النوبة إلى القرعة إذ أنها لكل أمر مشكل والله العالم.
[مناقشة القول الأول والثاني والثالث في المسألة]
ونكمل المسألة بناءً على مبنى الأكثر وهو إجراء حكم اللقطة على ذلك.
القول الأول: إجراء حكم اللقطة، ولكن قيل والقائل الشيخ الطوسي: يُعرَّف سنة لصدق اللقطة ثم يُلحق بالغنيمة لأنه لو كان له مالك مسلم لظهر. يُراجع[12] .
وفيه تأمل إذ أن التعريف سنة يقتضي اندراجها في موضوع اللقطة التي حكمها نصاً وفتوى هو التعريف سنة ثم يتخير الملتقط بين تملكها وغيره، لا أنه بعد السنة تعود غنيمة، وعدم ظهور المالك المسلم لا يقتضي كونها للحربي، ودعوى ظهور وجدانها في دار الحرب في كونها للحربي تقتضي عدم وجوب التعريف سنة بل يقتضي أنها غنيمة لو ادعينا أن وجدانها في دار الحرب يدل على ملك الكافر لها فهذا يعني أنها غنيمة وليست لقطة.
إذاً القول الأول ليس بتام وهو إجراء حكم اللقطة، والقول الثاني ليس بتام وهو تعريفها سنة وبعد السنة إذا لم يظهر مالك لها يُجرى عليها حكم الغنيمة. والصحيح هو القول الثالث إذ تصل النوبة إلى القرعة وهي لكل أمر مشكل.
[ثالثاً: الفرع الرابع – انعتاق ذي الرحم في الغنيمة]
الفرع الرابع: إذا كان في الغنيمة من ينعتق على بعض الغانمين كما لو كان أبوه أو أمه في الغنيمة والعمودان ينعتقان قهراً. قيل، والقائل الشيخ الطوسي[13] ، والعلامة الحلي[14] ، تذكرة الفقهاء[15] ، قواعد الأحكام[16] ، وابن القطان[17] ، والشهيد الثاني[18] ، فقالوا: ينعتق نصيبه.
ولعل هذا القول لازم القول بالملك بالاستيلاء والاغتنام وهو المبنى الأول الذي هو قول أصحابنا الإمامية إذ قالوا بتحقق ملكية الغنيمة بمجرد الاغتنام والاستيلاء عليها، فهنا يندرج من ينعتق عليه تحت ماذا؟ تحت الغنيمة فينعتق قهراً، بعد ينعتق يعني هنا هذا المورد يندرج فيما دل على الانعتاق القهري.
قد يُقال إن هذا المورد لا تشمله الضابطة، ضابطة الانعتاق. مثلاً الولد إذا ملك أحد العمودين انعتق قهراً هذا المورد لا يندرج، نظراً لضعف الملك وإمكان زواله، إذ أن الإمام قد يهب هذا الأب أو الأم. فيُقال إن الملك ضعيف ويمكن زواله فلا تنطبق عليه ضابطة الانعتاق القهري.
لكنه ليس بتام إذ من الواضح ترتب الانعتاق على ملك العامل نصيبه من الربح وهذا النصيب يمكن زواله أيضاً فقالوا بجريان ضابطة الانعتاق هنا.
إلى هنا اتضح أن من ينعتق عليه قهراً يكون ضمن الغنيمة وينعتق بمقدار نصيبه من الغنيمة.
[حكم شراء حصص الباقين]
لكن هل يجب عليه أن يشتري حصص الباقين؟ ربما هو نصيبه من الغنيمة خُمس أبيه أو ربع أبيه فهل يجب عليه أن يشتري حصص الثلاثة أرباع الباقية؟ لا يجب عليه أن يشتري حصص الباقين كما عن غير واحد التصريح به، كالعلامة[19] ، والصيمري[20] ، لأن الملك فيه قهري إذا كان السابي غيره، أما إذا كان السابي هو فالمتجه الانعتاق نظراً لكونه مختاراً في سببه فيكون كما لو اشترى من ينعتق عليه، إذا اشترى من ينعتق عليه ينعتق عليه قهراً لأنه مختار في هذا الشراء، فهنا نفرق بين أن يكون السابي هو وبين أن يكون السابي غيره، إذا كان هو السابي يعني هو مختار ينعتق عليه قهراً بخلاف ما إذا كان السابي غيره.
لكن من قال بأنه ينعتق بمقدار نصيبه أطلق عبارته، عبارته مطلقة تشمل ما لو سباه هو أو سباه غيره، لكن يمكن تنزيل المطلقة على خصوص الأول في عبارة صاحب الجواهر يعني إذا سباه غيره، إذاً إذا كان هو السابي فإنه ينعتق قهراً لأنه مختار.
[القول الآخر في المسألة]
في مقابل هذا القول يوجد قول آخر لكن لا نعرف القائل بعينه كما يقول صاحب جواهر[21] ، قال: وقيل ولكن لا نعرف القائل بعينه: لا ينعتق إلا أن يجعله الإمام في حصته يعني في حصة من ينعتق عليه أو في حصة جماعة هو أحدهم ثم يرضى هو يعني يُشترط لحوق الرضا لأنه إذا رضي فيما بعد يكون مختاراً، أما إذا لم يرضَ فلا ينعتق قهراً. هذا القول يقول: لا ينعتق إلا أن يجعله الإمام في حصة من ينعتق عليه أو حصة جماعة هو أحدهم ثم يرضى هو فيلزمه شراء حصص الباقين إن كان موسراً.
وفيه: إنه لا دليل على وجوب شرائه لحصص الباقين، ولعل اعتبار الرضا ولحوقه لتقسيم الإمام عليه السلام باعتبار كون الملك حينئذ اختيارياً يعني إذا هو رضى يصير الملك اختياري أما مع عدم رضاه فلا يجب لكون الملك فيه حينئذ قهرياً لأن الإمام عليه السلام يقسم الغنيمة بين المقاتلين قسمة إجبار لا تشهٍّى واختيار.
إذاً المراد أنه إن اتفق كون القسمة برضاه وجب عليه شراء حصص الباقين وإلا لم يجب عليه، لا أن رضاه معتبر في أصل القسمة إذ أن المقسم هو الإمام عليه السلام ولا يُعتبر رضا الغانمين في قسمة الإمام عليه السلام بل الملاك هو نظر الإمام ورأي الإمام صلوات الله وسلامه عليه.
الخلاصة في هذه المسألة: ينعتق قهراً ولا يجب عليه شراء حصص الباقين كما هو المختار، والله العالم.
هذا تمام الكلام في القسم الأول من الغنيمة: الغنيمة المنقولة المال القابل للنقل، يبقى الكلام في القسم الثاني: المال غير القابل للنقل كالأراضي، والقسم الثالث الإماء يأتي عليه الكلام.