« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الفقه

47/05/18

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس (مائة وتسعة عشر): فروعٌ في الغنيمة

18 جمادى الأولى 1447
9 نوفمبر 2025

الموضوع: الدرس (مائة وتسعة عشر): فروعٌ في الغنيمة

الفرع الأول: إذا باع أو وهب شيئاً مما اغتنمه لغانمٍ آخر لم يصح البيع والهبة على مختلف المباني، ولنذكر أربعة من المباني:

المبنى الأول: ملك الغانم لحصته بمجرد الاغتنام والاستيلاء عليها، سواء جمعوا الغنيمة في دار الحرب أو دار الإسلام.

المبنى الثاني: ملك الغانم لحصته بملكه واستيلائه على الغنيمة عند الجمع في خصوص دار الإسلام، كما عن أبي حنيفة، يُراجع[1] .

المبنى الثالث: يملك الغانم حصته إذا اختار التملك، كما عن أبي إسحاق الشيرازي، يُراجع[2] .

المبنى الرابع: يملك الغانم حصته عند قسمة الغنيمة، بمعنى كون القسمة موجبة لتملك الغنيمة، أو أن القسمة تكون كاشفة عن حصول الملك بالاستيلاء.

[ترجيح المبنى الأول:]

هذه مبانٍ أربعة، والصحيح منها هو المبنى الأول، وقد صرح به غير واحد منا، منهم العلامة[3] ، بل هو ظاهر الجميع أي جميع فقهاء الإمامية، كما في جواهر الكلام[4] .

[الدليل على المبنى الأول:]

بل هو ظاهر الأدلة الشرعية والروايات الشريفة التي منها ما دلّ على أن الخُمس للإمام عليه السلام، وهذا ظاهر في ملك غير الإمام للباقي وهو الأربعة أخماس، خصوصاً أنه يقابل ملك الإمام عليه السلام لجميع الغنيمة إن لم تكن الغنيمة بإذنه. ففي الروايات وفي الفقه إن غَنِم الغانمون الغنيمة بدون إذن الإمام عليه السلام فهي بأجمعها ملك للإمام عليه السلام، وفي مقابل ذلك إن غَنِم الغانمون الغنيمة بإذن الإمام عليه السلام فهو يملك الخُمس، مما يعني أن الأربعة الأخماس الباقية يملكها الغانمون بنفس الغنيمة.

[تشبيه الغنيمة بالمباحات:]

ولأن الاغتنام كحيازة المباح، وإلا بقى مالاً بلا مالكٍ بعد زوال ملك الكافر عنه، فالمباحات العامّة كالماء والعشب والكلأ لا تملك إلا بتحقق الحيازة والاستيلاء عليها، وكذا الغنيمة فهي لا تُملك إلا باستيلاء المسلمين عليها.

[خلاصة المباني:]

هذه مبانٍ أربعة، والصحيح منها هو المبنى الأول، تدل عليه روايات شريفة، يُراجع[5] .

[الإشكالات الواردة على المبنى الأول وردودها:]

[الإشكال الأول: الإعراض قبل القسمة]

وهذا المبنى الأول، وهو القول بتحقق الملكية بمجرد الاستيلاء على الغنيمة - فجميع المسلمين يملكون الغنيمة حتى قبل القسمة - قد يُعترض عليه بعدة إشكالات لكنها مردودة:

الإشكال الأول: لا ينافي القول بملكية الغنيمة بمجرد الاستيلاء عليها خروج الغنيمة عن الملك بالإعراض عنها قبل القسمة، بناءً على زوال الملك بالإعراض في غير المقام من الأموال المملوكة، فلو قلنا إن المالك بإعراضه عن ملكه تزول ملكيته، فعلى هذا المبنى يمكن أن يملك الغانم الغنيمة، وبإعراضه عنها قبل القسمة تزول ملكيته.

الإشكال الثاني: قد يقال ... الإشكال الأول أنه ما تتحقق الملكلية هو الكلام بالنسبة إلى المبنى الأول، هو ماذا؟ أن تتحقق الملكية بمجرد الاستيلاء فيقولون هكذا إذا كانت الملكية بمجرد الاستيلاء تتحقق، فكيف يُقال إن الملكية تنتفي بالإعراض عن الغنيمة قبل القسمة؟ فهذا يدل على أنه قبل القسمة لا يملك، وإنما يملك بعد القسمة، واضح الإشكال أم لا؟

أنتم تقولون أنه بمجرد الاغتنام تتحقق الملكية، نَنقُض عليكم أنه لو أعرض عن الغنيمة قبل القسمة فإنه ماذا؟ لا يملك.

[أحد الطلبة:](بالملازمة... أي إذا لم نقل أنه مالك رح يبقى بدون ملك، يخرج عن ملك الكفار، ولا يدخل في ملك أحد إلى أن تأتي القسمة يلزم التفكيك، فهذا كأنما يقول: لا، لا يلزم التفكيك، لأن موجود شنو؟ من أعرض عن شيء أعرض عنه خرج عن ملكه، ولكن لم يدخل في ملك أحد بعد.

[الجواب عن الإشكال:]

التفتوا إلى أصل الـ نحن كلامنا عن المبنى الأول، ما هو المبنى الأول؟ المبنى الأول أنه بمجرد الاستيلاء على الغنيمة تتحقق الملكية. يُنقَض على ذلك بأنه استولى على الغنيمة وأعرض عنها قبل القسمة، فإنه يُلتَزم في هذا الفرض بأنه ليس بمالك للغنيمة، وهذا كاشف عن عدم ملكيته للغنيمة بمجرد الاستيلاء عليها، وإنما يملك الغنيمة بعد قسمتها.

هنا يُجاب بأنه يمكن الالتزام بأنه قد ملكها بمجرد الاستيلاء وزالت ملكيته عنها بالإعراض وهذا مطابق للقاعدة العامة، إذا قلنا إن المالك إذا أعرض عن ملكه زالت ملكيته.

ولا ينافي المبنى الأول القائل بتحقق الملكية بمجرد الاستيلاء على الغنيمة جواز تخصيص الإمام عليه السلام أي شخص أو طائفة بنوع من الأموال، إجماعاً كما عن مختلف الشيعة للعلامة الحلي[6] ، ضرورة كون الإمام أولى بالمؤمنين من أنفسهم، على أن له الولاية هنا على هذا الوجه، فيمكن أن يخصص شخصاً أو طائفة فيقسم بينهم حينئذٍ قسمة إجبار لا اختيار.

[الإشكال الثالث: وجوب الزكاة قبل القسمة]

وأيضاً النقض الثالث على المبنى الأول: أنه لو كان يملك بمجرد الاستيلاء لوجب عليه أداء بعض الحقوق كالزكاة، ولا يُنقَض بهذا النقض، إذ لا تنافي بين تحقق الملكية بمجرد الاستيلاء على الغنيمة وبين عدم وجوب حق كالزكاة على أحد من الغانمين قبل قسمة الغنيمة.

والسر في ذلك: هو عدم تمامية الملك التي هي شرط في وجوب الزكاة، فيُقال: لا تقع الزكاة في الملك المتزلزل وإنما تقع في الملك التام، فيمكن أن يُلتَزم بأن الغانم يملك الغنيمة بمجرد الاستيلاء عليها بالملك المتزلزل، ويكون ملكه تاماً بعد القسمة، ومن هنا لا يجب عليه الزكاة والحقوق الشرعية كالخُمس بمجرد الاستيلاء قبل القسمة، لكنها تجب عليه بعد القسمة.

[الإشكال الرابع: دخول المدد والمولود بعد الحيازة]

النقض الأخير: ولا يُنقَض على المبنى الأول بدخول المدد والمولود بعد الحيازة مع الغانمين، ضرورة كون الاغتنام هنا كملك الوقف الذي يتساوى فيه المتجدد والسابق مع فرض الجميع موقوفاً عليهم. فكما أن الوقف يشمل ملكه القديم والمتجدد، هنا أيضاً هم حازوا هذه الغنيمة ثم تجددت غنيمة أخرى، كأن ولدت الجارية، هذه أيضاً تدخل في عنوان الغنيمة، فلا منافاة بين ملكية الغانمين للغنيمة بمجرد الاستيلاء عليها وبين دخول الملك الجديد كالمولود الجديد.

[النتيجة النهائية: عدم صحة البيع والهبة على جميع المباني]

النتيجة النهائية: على هذه المباني الأربعة لا يصح البيع ولا الهبة:

- أما على القول بعدم الملك فواضح، نظراً لاعتبار الملك في البيع والهبة، فلا بيع ولا هبة إلا في ملك، وبناءً على عدم الملكية قبل القسمة أو قبل التملك على المباني الأخرى لا يصح البيع ولا تصح الهبة نظراً لعدم تحقق الملكية.

- وأما بناءً على تحقق الملكية كما في القول الأول، فلا يصح البيع للجهل بمقداره، بل والجهل بعينه نظراً لجواز تخصيص الإمام عليه السلام كلاً من المقاتلين بعين معينة، فلربما هو يبيع هذه العين أو يهب هذه العين، والإمام عليه السلام بعد ذلك يخصص نفس هذه العين لمقاتل آخر، وبالتالي يكون قد باع ما لم يعلم عينه أو ما جهل مقداره.

هذا تمام الكلام في بيان هذا القول.

[نقل قول آخر: صحة البيع في قدر الحصة]

لكن يمكن أن يُقال أن البيع يصح في قدر حصته، ونسب العلامة الحلي في المنتهى هذا القول إلى القيل، يُراجع[7] .

وقوّاه صاحب الجواهر[8] فقال: "بل لا يخلو من قوة".

[مناقشة الأعلام لهذا القول:]

وناقشه الأعلام بالجهل بقدرها وعدم العلم بالعين، إذ يمكن تخصيص الإمام عليه السلام غيره بها. يُراجع كتب الأعلام التالية الذين ناقشوا: العلامة الحلي[9] ، المحقق الكركي[10] ، الشهيد الثاني[11] .

[جواب صاحب الجواهر وتقويته للقول:]

لكنّ صاحب الجواهر رحمه الله قوّى هذا القول، وهو صحة البيع في قدر حصته، فقال ما نصّه: "إلا أنه قد يُدفَع بعدم اعتبار العلم بالقدر بعد أن كان البيع واقعاً على العين المعينة التي يكفي العلم بها"، أي أنه باع الشيء الذي استولى عليه وهو يعلم بهذه العين.

[الجواب عن إشكال تخصيص الإمام:]

يأتي الآن هذا الإشكال: الإمام عليه السلام قد يخصص هذه العين التي باعها ويعطيها لشخص آخر. فأجاب صاحب الجواهر: وجواز التخصيص لا ينافي صحة البيع حال البيع، يعني يصح البيع بنحو البيع المتزلزل، إذ أقصاه كون المشتري كالبائع في الاستحقاق، وإن جاز للإمام عليه السلام التخصيص.

يعني يصير البائع يملك ويستحق أن يبيع، والمشتري يستحق الغنيمة بمقتضى عقد البيع والشراء، لكن هذا بيع بنحو الملك المتزلزل، ويمكن للإمام عليه السلام أن يُنهيه إذا خصص هذه الغنيمة لغيره.

[الخلاصة النهائية من كلام صاحب الجواهر:]

ثم قال صاحب الجواهر: "وبذلك يظهر لك حال ما في المنتهى وحاشية الكركي والمسالك وغيرها"، إذ أشكلوا ـ غيرها يقصد العلامة الحلي في التذكرة ـ إذ أشكلوا بعدم صحة البيع نظراً لجهل المقدار وجهل العين، فأجاب أنه العين معلومة، والتخصيص جواز تخصيص الإمام عليه السلام لا ينافي صحة البيع، فيمكن أن يُقال بصحة البيع، ولو بنحو الملك المتزلزل.

تتمة الحديث تأتي إن شاء الله.


[1] . بدائع الصنائع، ج7، ص121.تحفة الفقهاء، ج3، ص298.الشرح الكبير، ج10، ص486.المغني، ابن قدامة، ج466.
[2] . العزيز شرح الوجيز، ج11، ص437.
[3] . تذكرة الفقهاء، العلامة الحلي، ج9، ص137.
[4] . جواهر الكلام، ج22، ص263.
[5] . وسائل الشيعة، ج9، ص509، الباب1، من أبواب قسمة الخمس.
[6] . مختلف الشيعة، العلامة الحلي، ج4، ص418.
[7] . منتهى المطلب، العلامة الحلي، ج14، ص198.
[8] . جواهر الكلام، ج22، ص264.
[9] . منتهى المطلب، ج14، ص198.تذكرة الفقهاء، ج9، ص142.
[10] . فوائد الشرائع، ج11، من موسوعة آثار المحقق الكركي، ص81.
[11] . مسالك الأفهام، الشهيد الثاني، ج3، ص51.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo