47/05/17
الدرس (118): حرمة التصرف في الغنيمة قبل القسمة إلا مع الضرورة والحرج
17 جمادى الأولى 1447
8 نوفمبر 2025
الموضوع: الدرس (118): حرمة التصرف في الغنيمة قبل القسمة إلا مع الضرورة والحرج
[مقدمه در بیان القاعدة الأولیة فی الغنیمة]
الأصل الأولي في قاعدة الشركة، أن الجميع يملك على نحو الإشاعة ولا يجوز للشركاء التصرف في الشركة بدون إذن الشركاء الآخرين، هذا مقتضى القاعدة الكلية في الشركة والغنيمة في مورد بحثنا من صغرياتها، إذ أن جميع المسلمين الغانمين يملكون الغنيمة بنحو الشركة على نحو الإشاعة، ولا يتعين حق وحصة كل واحد منهم إلا بعد قسمة الإمام عليه السلام أو نائبه بعد إخراج الخمس والجعائل.
إذاً مقتضى القاعدة الأولية حرمة تصرف الغانمين في الغنيمة قبل القسمة والتوزيع.
[الاستثناء بمقدار الضرورة والحرج]
نعم، ينبغي الاقتصار فيما خالف قاعدة الشركة على القدر المتيقن، وهو مقدار الضرورة أو مقدار الحرج والمشقة، كما لو اضطر إلى الأكل وإلا مات، أو اضطر إلى دفع العلف لدابته وإلا ماتت. فلا يجوز التصرف في الغنيمة قبل القسمة مع عدم الحاجة، كما صرح به العلامة الحلي[1] [2] ، وكذلك الصيمري السلمابادي البحراني[3] .
[الاستدلال بالروایة على قاعدة الضرورة]
هذا هو مقتضى القاعدة، ويضاف لذلك ما دل على مقتضى القاعدة من روايات كخبر مسعدة بن صدقة عن الصادق عليه السلام، إذ جاء فيه: " ولا تعقروا من البهائم مما يؤكل لحمه إلا ما لا بد لكم من أكله "[4] ، وقد أشار في قوله "ما لا بد لكم من أكله" إلى استثناء مقدار الضرورة، يُراجع.
[الاقتصار على القدر المتعارف]
ومن هنا يتضح أنه ينبغي الاقتصار على ما جرت العادة بتناوله، لا ما اتفق احتياجه لبعض الأفراد منهم، كل ذلك لقاعدة الاقتصار فيما خالف الأصل على ما اقتضاه الدليل الشرعي.
[رأي الشهيد الثاني وتفصيله]
ومن هنا قال الشهيد الثاني في المسالك ما نصه: "يجب الاقتصار على الأكل في دار الحرب والمفازة التي في الطريق، أما عمران دار الإسلام التي يمكن الشراء فيها فيجب الإمساك فيها"[5] .
لكنه توسع أيضاً إذ قال: "وتناول الأدوية ونحوها في حكم الطعام دون غسل الثوب بالصابون وإن احتيج إليه".
[مناقشة كلام الشهيد الثاني ومقارنته بالعلامة الحلي]
وقد يُشكل على الشهيد الثاني رحمه الله بذكر الأدوية ونحوها مما لم يكن معتاداً تناوله في ذلك الزمان، وقد يؤيد هذا الإشكال بما ذكره نفس العلامة الحلي في منتهى المطلب، إذ قال: "الدهن المأكول يجوز استعماله في الطعام عند الحاجة؛ لأنه طعام فأشبه الحنطة والشعير، ولو كان غير مأكول فاحتاج إلى أن يدهن به أو يدهن به دابته لم يكن له ذلك إلا بالقيمة؛ قاله الشافعي: "لأنه مما لا تعم الحاجة إليه ولا هو طعام ولا علف. وقال بعض الجمهور: يجوز استعماله؛ لأن الحاجة إلى ذلك كالحاجة إلى الطعام"[6] .
[نقل آخر عن المنتهى وتوضیح لغوي]
لكن ورد في نفس المنتهى ما ينافي ذلك، إذ قال ما نصه: "يجوز أن يأكل ما يتداوى به أو يشربه كالجُلَّاب" - المراد گلاب يعني ماء الورد، كلمة فارسية "گُل" يعني وَرْد و"آب" بمعنى ماء، ماء الورد - "گلاب، جلاب"، "كالجلاب والسِّكَنْجَبين" – والسِّكَنْجَبين بعد معروف عند العجم والإيرانيين، شراب فيه عسل وسكر - "كالجُلَّاب والسِّكَنْجَبين وغيرهما عند الحاجة؛ لأنه من الطعام"، ثم قال: "ولأنه محتاج إليه فأشبه الفواكه".
[النتیجة: حاکمیة قاعدة لا ضرر ولا حرج]
أقول: الصحيح حاكمية قاعدة "لا ضرر" وقاعدة "لا حرج" على أدلة الأحكام الأولية، ومنها مورد بحثنا، فالقاعدة الأولية هي حرمة تصرف الشريك في الشركة بنحو الإشاعة إلا مع إذن الشركاء، لكن قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" التي يُستفاد منها أنه لا يوجد حكم ضرري في الإسلام، وقاعدة "لا حرج" ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾[7] التي يُستفاد منها رفع الحكم الذي فيه مشقة شديدة، يوجبان الاستثناء، فتكون النتيجة: لا يجوز التصرف في الغنيمة للغانمين قبل القسمة إلا بمقدار الضرورة التي ترفع الضرر أو مقدار ما يرفع الحرج والمشقة الشديدة، ولو كان دواءً. فلا نقتصر على خصوص الطعام، ولا نقتصر على خصوص ما كان أيام الغزوات والحروب، بل حاكمية قاعدة "لا ضرر" و"لا حرج" محكّمة.
[نتیجة بديلة على فرض عدم التمسک بالقواعد الحاکمة]
نعم، لو لم نتمسك بهاتين القاعدتين وقلنا نقتصر فيما خالف الأصل على القدر المتيقن، فهنا نقول: إن الأصل هو عدم جواز تصرف الغانمين في الغنيمة، ولا نخرج عن ذلك إلا بالقدر المتيقن الذي كان متعارفاً آنذاك، وهو خصوص الأكل وعلف الدابة، فلا يشمل الأدوية وما شابهها إذ لم يكن متعارفاً آنذاك.
لكن الصواب والحق هو حاكمية قاعدة "لا ضرر" و"لا حرج"، فيثبت جواز التداوي بنحو الضرورة وما يرفع المشقة، والله العالم.
[فرع: حکم الانتفاع بجلد الذبیحة قبل القسمة]
مسألة وفرع: لا يجوز استعمال جلد الحيوان الذي ذبحه للأكل بجعله سقاءً أو نعلاً، فلو فعل وجب عليه رده إلى المغنم، وعليه أجرة المثل وأرش ما نقص باستعماله، وليس له ما زاد بفعله؛ لأنه متعدٍّ.
أقول: الضرورات تُقدَّر بقدرها، والأصل عدم جواز أكل الغنيمة قبل القسمة، خرجنا عن هذا الأصل بمقدار الضرورة، وهو ما يسد رمق حياته وما يسد رمق حياة علف الدواب، أي الأكل بمقدار أكل الميتة حتى يعيش، فيكون الانتفاع بجلود الذبيحة التي ذبحها خارجاً عن مقدار الضرورة، فيكون هذا الحكم على القاعدة.
[نقل عن المنتهى ومناقشة الجواهر]
قال العلامة في المنتهى - ولعله فرع آخر -: "لا يجوز الانتفاع بجلودهم ولا اتخاذ النعال منها ولا الجرب" - صاحب الجواهر نقلها - "ولا الجورب ولا الخيوط ولا الحبال". وبه قال الشافعي. ورخَّص مالك في الحبل يُتخذ من الشعر، والنعل والخف يُتخذ من جلود البقر.
لنا: أنه مال مغنوم فلا يختص به بعض الغانمين كغير الطعام، ولأنه روي أن قيس بن أبي حازم قال: إن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وآله بكُبَّة من شعر المغنم" - ليس المراد الكُبَّة السورية واللبنانية أو العراقية حتى تقول كُبَّة بالبرغل ولا بالرز؛ الكُبَّة: ما جُمع من الشعر[8] .
"فقال: يا رسول الله إنا نعمل الشعر فهبها لي، قال: نصيبي منها لك"[9] .
قال العلامة فيما بعد - طبعاً علَّق هنا صاحب الجواهر -: "والظاهر أنه لو كان سائغاً لما خص النبي صلى الله عليه وآله العطية بنصيبه" - هذا كلام العلامة فيه وليس كلام صاحب الجواهر. ثم قال العلامة: "ولأنه مال مغنوم لا تدعو الحاجة العامة إلى أخذه فلم يجز كالثياب وغيرها"، تُراجع هذه المقاطع والنقولات من منتهى المطلب للعلامة الحلي[10] .
وقد علَّق عليها صاحب الجواهر بحق قائلاً: "قلت: قد يُناقش في أصل الموضوع بعد الإغضاء عن كثير مما فيه، بأن الجلود التي توجد عندهم محكوم بكونها ميتة فلا تدخل في الغنيمة، والله العالم"[11] .
[تفصيل أقسام الغنيمة المنقولة]
أقول: سيأتي أن الغنيمة المنقولة على قسمين: قسم يُملك وهو ما ذكرناه، وقسم غير قابل للملك كالخمر والخنزير وكتب الضلال، وهذه لا تدخل تحت عنوان الغنيمة. والجلود ميتة - جلود الكفار - محكوم بعدم تذكيتها، فلا تدخل تحت عنوان الغنيمة، فهي خارجة تخصصاً لا تخصيصاً.
هذا تمام الكلام في القسم الأول من الغنيمة المنقولة وهو ما يقبل التملك.
القسم الثاني: ما لا يقبل التملك ولا يصح تملكه: كالخمر والخنزير وكتب الضلال حتى التوراة والإنجيل المحرَّفين، وهذه الأمور لا تدخل الغنيمة قطعاً، بل ينبغي إتلافه أو إبقاؤه للتخليل كالخمر؛ لأنه ليس مالاً بالفعل. يعني إما أن يُتلف أو إذا انقلب الموضوع، كما لو انقلب الخمر إلى خلٍّ، وبتغير الموضوع يتغير الحكم.
[انتفاع مشروط من كتب الضلال وجلودها]
وكتب الضلال: إن أمكن الانتفاع بجلودها بل بورقها بعد الغسل كانت غنيمة، وإلا فلا. أما بالنسبة إلى الورق فلأنه تنجس بلمس الكافر، وأما الجلد فهو محكوم بعدم التذكية.
[جواره الصید کالفهد والکلب والبازی]
وأما جوارح الصيد كالفهد والكلب والبازي - وجمعه بزاة البازي بعد الطائر عقاب الذي يصطاد - فهذا يدخل تحت الغنيمة، فهو وإن كان محرَّم الأكل لكن له فائدة محللة مقصودة عند العقلاء.
قال العلامة الحلي في المنتهى: "لو لم يرغب فيها أحد من الغانمين جاز إرسالها وإعطاؤها غير الغانمين، ولو رغب فيها بعض الغانمين دُفعت إليه ولا تُحتسب عليه من نصيبه؛ لأنه لا قيمة لها، وإن رغب فيها الجميع قُسمت، ولو تعذرت القسمة أو تنازعوا في الجيد منها أُقرع بينهم"[12] .
وناقشه صاحب الجواهر بحق إذ قال: "ولا يخفى عليك ما فيه من الإشكال، ضرورة كونها أموالاً مقوَّمة فحالها كحال باقي الغنيمة".
[النتیجة النهائیة فی مالیة الجوارح وغیرها]
فصحيح أن هذه الفهود والبُزاة والكلاب لا يحل أكلها، لكن نظراً لأن فيها منفعة محللة ومقصودة وهي الاصطياد فإنها تقوّم بقيمة وتثبت لها مالية، وإذا ثبتت لها مالية، فحينئذٍ تدخل في الغنيمة ويجري عليها حكم الغنيمة، حالها حال جلد الكتاب، جلد الكتاب وإن كان ميتة، لكن إذا كانت له منفعة محللة، ومقصودة دخل ضمن الغنيمة، الذي لا يدخل في الغنيمة هو الذي لا مالية له كالخنزير والخمر، لكن الخمر إذا انقلب موضوعه أصبح خلاً، بتغير الموضوع تثبت له المالية، فيدخل ضمن الغنيمة.
هذا تمام الكلام في بيان القسم الأول من الغنيمة، المال المنقول.
تتمة الحديث تأتي.