« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الفقه

47/05/12

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس (مائة وسبعة عشر): أحكام الغنيمة

الموضوع: الدرس (مائة وسبعة عشر): أحكام الغنيمة

[تمهيد]

تعريف الغنيمة:

الغنيمة هي الفائدة المكتسبة، سواء اكتُسبت برأس مال كأرباح التجارة، أو بغير رأس مال كغنيمة دار الحرب، فالغنيمة في اللغة العربية يُراد بها كل فائدة تحصل بالاكتساب، فتشمل ما يحصل عليه الإنسان من حيازة المباحات كحيازة الماء والعشب والكلأ.

وقد مضى تعريف الغنيمة في اللغة والاصطلاح عند بحثنا لكتاب الخمس، وذكرنا هناك أن مفاد اللغة العربية أولًا، والآية الشريفة قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾[1] ثانيًا، ومفاد النصوص المفسِّرة للآية ثالثًا، هو تفسير الغنيمة بالفائدة وليس خصوص غنيمة دار الحرب في الآية الشريفة. تُراجَع الآية الكريمة[2] ، والنصوص المفسِّرة لها[3] .

لذلك ذهب فقهاء الإمامية إلى وجوب الخمس في مطلق الغنيمة ولم يخصوه بخصوص غنيمة دار الحرب خلافاً للعامة فخصوه بها حيث عرَّفوا الغنيمة بخصوص الغنيمة الحربية، كما أنهم لم يتعرضوا للخمس في الغنيمة بالمعنى الأعم كخمس أرباح المكاسب يُراجَع[4] [5] [6] .

[موقف العامة:]

وادَّعى العامة أن المنساق من الآية الكريمة هو خصوص غنيمة دار الحرب، فتمسكوا بوحدة السياق، إذ أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾[7] هي في سياق آيات القتال والجهاد، بل ربما ادَّعى بعضهم نقل لفظ الغنيمة من المعنى اللغوي العام وهو الفائدة المكتسبة إلى خصوص غنيمة دار الحرب.

ويرد عليه أنه عند ملاحظة النص والفتوى سنجد أنها تفسِّر الغنيمة بمطلق الاستفادة بالتكسُّب ولو بالأعمال.

[تحديد الاستعمال الشرعي:]

هذا تمام الكلام في تعريف الغنيمة بالمعنى الأعم أو المعنى اللغوي، لكن حينما يرد لفظ الغنيمة في كتاب الجهاد فإنه يُقصد به القسم الأخير وهو خصوص غنيمة دار الحرب، وهو ما أخذته الفئة المجاهدة بالقهر والغلبة والحرب، وكما يُعبَّر عنه بالتعبير الكنائي إيجاف الخيل والركاب.

[أقسام غنيمة دار الحرب:]

وغنيمة دار الحرب على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما يُنقل من الأموال كالذهب والفضة والأمتعة.

القسم الثاني: ما لا يُنقل كالأرض والعقار.

القسم الثالث: السَّبْي كالنساء والأطفال.

[تفصيل الغنائم المنقولة:]

والقسم الأول وهو الغنائم المنقولة تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: ما لا يصح تملُّكه كالخمر والخنزير وكتب الضلال، إذ لا مالية لها ولا يصح تملُّكها، وسيأتي الحديث عنها.

القسم الثاني: ما يصح تملُّكه للمسلم كالخيل والسيوف والرماح وسائر ما ثبتت له المالية والملكية، فإنه يدخل في القسم الأول من الغنيمة إذا كان منقولًا وقابلًا للنقل.

[حكم الغنائم المنقولة:]

حكم القسم الأول: الغنيمة المنقولة التي لها مالية يختص بها الغانمون وتُوزَّع عليهم بعد إخراج الخمس والجعائل.

فأولًا: يُخرج الإمام عليه السلام خُمس الغنيمة.

وثانيًا: يُخرج الجعائل التي جعلها الإمام أو نائبه للمصالح، كما لو جعل جعلًا وهدية وجائزة لمن دلَّ على الطريق أو فتح باب الحصن أو غير ذلك مما قرَّره الإمام عليه السلام أو نائبه من أجرة لراعٍ أو حافظ، فيبدأ الإمام عليه السلام بإخراج الخمس والجعائل، ثم يُقسِّم باقي الغنيمة على الغانمين.

وقد صرَّح بذلك غير واحد من أقطاب المذهب كالشيخ الطوسي[8] ، وابن حمزة[9] ، ويحيى بن سعيد الحلي[10] ، والعلامة الحلي[11] .

قال صاحب الجواهر[12] رحمه الله: «بل لا أجد فيه خلافًا، بل عن الغُنية والمنتهى الإجماع عليه، بل لعله مُحصَّل، مضافًا إلى ما تقدَّم في الخمس من النصوص». يُراجَع[13] [14] .

إذًا توجد دعوى الإجماع على أن الغنيمة المالية المنقولة لا تُقسَّم على المقاتلين إلا بعد إخراج الخمس والجعائل.

[مسألة: حكم التصرف في الغنيمة قبل القسمة:]

سؤال: هل يجوز للمقاتلين أن يتصرفوا في الغنيمة قبل إخراج الخمس والجعائل وقبل القسمة؟

يوجد قولان:

[القول الأول: المنع المطلق:]

القول الأول: لا يجوز للمقاتلين التصرف في شيء من الغنيمة إلا بعد القسمة والاختصاص، أي إذا خصَّهم الإمام أو نائبه بقسم خاص من الغنيمة.

وذكر ذلك الشيخ الطوسي[15] ، وكذلك الحلبي أبو الصلاح الحلبي[16] ، والقاضي ابن البراج[17] ، وابن إدريس الحلي[18] .

وذهب إلى ذلك الزهري من العامة، يُراجَع[19] [20] .

فحال مال الغنيمة حال سائر الأموال المشتركة والمشاعة، لا يجوز التصرف فيها قبل القسمة أو الإذن من ذوي الحقوق.

جاء في النبوي: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا خلقه ردَّه فيه»[21] [22] - يعني إذا تعب وصار خلق ردَّه إلى الغنائم.

وحدَّثنا التاريخ أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام نزع من المقاتلين حُلل اليمن، وهذا معلوم، حُلل: جمع حُلَّة، ما يُلبس من الثياب - لبسوه، الإمام علي نزع منهم. يُراجَع[23] [24] .

هذا تمام الكلام في القول الأول، يعني لا يجوز التصرف مطلقًا.

[القول الثاني: الجواز في الضرورة:]

القول الثاني: يجوز للمقاتلين تناول ما لا بد منه، كعلف الدابة وأكل الطعام من غير ضمان، ويدل عليه بعض الأدلة التي سنتطرق إليها، ونسب صاحب الشرائع هذا القول إلى القيل، والقائل به: الشيخ[25] ، والإسكافي على ما نُقل عنه العلامة الحلي[26] ، والعلامة الحلي في مختلف كتبه[27] [28] .

وذهب إليه أيضًا الشهيد الثاني[29] ، وابن القطان[30] ، والمحقق الكركي[31] .

من هنا قال صاحب الجواهر: «بل لعله المشهور، بل ربما ظهر من عبارة الإسكافي عدم الخلاف فيه، بل في المنتهى: قد أجمع أهل العلم على جواز التصرف في الطعام وعلف الدواب إلا من شذَّ»، ونحو هذه العبارة في التذكرة، يُراجَع[32] .

[الجمع بين القولين:]

ويمكن الجمع بين القولين بحمل القول الأول على الحكم الأولي، وحمل القول الثاني على الحكم الثانوي، فإن قاعدة لا حرج جارية في المقام: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾[33] ، والمراد بالحرج المشقة الشديدة، فلو غنم المسلمون الطعام والعلف ولا يوجد عندهم طعام ولا علف لدوابهم، ولو انتظروا قسمة الغنيمة ماتوا جوعًا أو هلكت دوابهم، فإن قاعدة لا حرج تجري في المقام ويجوز لهم الأكل بمقدار يرفع الحرج والمشقة الشديدة.

[الأدلة على الجواز في حال الاضطرار:]

وقد دلت بعض الأخبار على الجواز في خصوص هذا المورد، منها: خبر مسعدة بن صدقة عن الصادق عليه السلام - وقد تقدم - وقد اشتمل على وصية النبي صلى الله عليه وآله، وفيها: «وَ لَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً وَ لَا تُحْرِقُوا زَرْعاً لِأَنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَ لَا تَعْقِرُوا مِنَ الْبَهَائِمِ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إِلَّا مَا لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْ أَكْلِهِ‌» يعني إذا اقتضت الضرورة تجري قاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، يجوز لرفع الضرر، يموت، فتجري قاعدة لا ضرار وتجري قاعدة لا حرج. يُراجَع مصدر الرواية وقد تقدم[34] .

وهناك نصوص تعضد وتقوي هذا الخبر، بالإضافة إلى أنه يمكن التمسك بقاعدة لا ضرر التي مفادها رفع الحكم الضرري، أي رفع الحكم الشرعي الذي يلزم منه ضرر على المكلف.

ويمكن التمسك أيضًا بقاعدة العسر والحرج - قاعدة لا حرج - رفع المشقة الشديدة، خصوصًا بالنسبة إلى ما لا يمكن نقله إلى دار الحرب ولا شراؤه في دار الحرب ولو لعدم وجود الثمن، كالأكل وعلف الدواب، ويمكن أن يعتضد خبر مسعدة بن صدقة بروايات رُويت عند العامة، منها:

- ما رُوي عن ابن عمر: « كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا العَسَلَ وَالعِنَبَ، فَنَأْكُلُهُ وَلاَ نَرْفَعُهُ »[35] .

- وما روى عبد الله بن أبي أوفى: « أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ »[36] .

بل قيل: يمكن التمسك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾[37] .

وقد استدل بها ابن الجنيد على ما في مختلف[38] ، والشهيد الثاني[39] .

ويمكن المناقشة فيها، إذ قد تُحمل الآية على أصالة الحِلّ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، أي الأصل هو الحِلّ في الفوائد المكتسبة.

ولكن يمكن أن يُناقَش بوحدة السياق، إذ أن هذه الآية (69) من سورة الأنفال، جميع الآيات التي قبلها وبعدها في القتال، فقد يُتأمل في حملها على مطلق الفائدة.

وآية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾[40] قلنا بالعموم للنصوص المفسِّرة لها، وبالتالي تُحمل ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾[41] على خصوص غنائم دار الحرب.

لكن أيضًا لا يمكن الاستدلال بها في المقام، لأن الآية في مقام بيان حِلِّية الغنيمة للمقاتلين، وليست ناظرة إلى وقت جواز الأكل: هل هو قبل القسمة أو بعد القسمة؟

فالآية في مقام بيان أصل حِلِّية الغنيمة للمقاتلين، فيجوز للمقاتلين أن يأكلوا من الغنيمة حلالًا طيبًا، لكن ما هو الوقت؟ هل قبل القسمة أو بعد القسمة؟ الآية غير ناظرة إلى ذلك، فلا يصح الاستدلال بها على جواز الأكل قبل القسمة، والله العالم.

[خاتمة الدرس:]

هذا تمام الكلام في هذه المسألة، وينبغي تنقيح هذه القاعدة وهو الاقتصار على ما خالف القاعدة على القدر المتيقن.

القاعدة هنا ماذا؟ لا يجوز التصرف في الأموال المشتركة، فلا يجوز التصرف إلا في القدر المتيقن الذي دلَّ عليه الدليل، وهو ما ورد في النصوص الشريفة.

تنقيح هذه المسألة أكثر وملاحظة أقوال العلماء فيها يأتي عليه الكلام.


[10] الجامع للشرائع، يحيى بن سعيد الحلي، ص239.
[30] . معالم الدين، ابن القطان، ج1، ص293.
[31] . فوائد الشرائع، المحقق الكركي، ج11، من موسوعة آثار المحقق الكركي، ص80.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo