47/08/21
21 شعبان 1447
10 فبراير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (السادس والثلاثون): الصفة الرابعة ترك إعانة المسلمين
بعض الناس لديه قدرة على الإعانة، لديه قدرة على الخدمة، لكنه يمتنع عن الخدمة. ترك الخدمة له أسباب:
السبب الأول: الحسد. هو يرى أن زميله متفوق عليه، أذكى منه، أكثر جدّ منه، لا يعينه في مطلب علمي. يرى أن التاجر الفلاني أقوى منه، لا يعينه، لا يساعده. يرى أن الشخص الفلاني أكثر محبوبية منه وهو بحاجة إلى إعانته، فيمتنع عن الإعانة. هنا إذا كان السبب هو الحسد فمنشأه القوة الغضبية. القوة الغضبية تبعث على الحسد، يغضب لا يتحمل، يرى فلانًا أعلم منه، أفهم منه، أكثر محبوبية منه، فحينئذ يترك إعانته. هذا السبب الأول لترك الإعانة: الحسد.
السبب الثاني: الكسل. يقول: لماذا أنا أُتعب نفسي وأعينه ولا أحصل على مال؟ ولا أحصل على منفعة. فيكون السبب هو الكسل أو البخل، يبخل بوقته، يبخل بماله، يبخل بجاهه. يقول: أنا فلان أكتب له رسالة؟ أتركه. أو: أضيع وقتي وأذهب لحل مشكلته وأضيع عمري؟ فإذا كان المنشأ هو الكسل أو البخل أو ضعف النفس - والله ما لي مزاج أنا مشاكل، ذهاب وإياب – فهذا منشأه القوة الشهوية، يشتهي الراحة فيقع في الكسل والفشل.
إذًا، اتضح أن هذه الصفة الرابعة - ترك إعانة المسلمين - قد تنشأ من أكثر من قوة: قد تنشأ من القوة الغضبية كالحسد، وقد تنشأ من القوة الشهوية كالكسل أو البخل أو ضعف النفس. وهذه الصفة من المهلكات، هذا الترك الإعانة قد يطور ويوجب الإيذاء، لا يقتصر على ترك الإعانة قد يوجب الإيذاء، بعض الناس يحب أن يؤذي، يحب يعقّد المعاملة.
حدثني أحد الإخوة يقول: أنا ذهبت إلى معاملة من المعاملات، دخلت على المعني - المدير المعني - قال: هذه المعاملة تحتاج إلى سنتين، ضع أوراقك واذهب، لا تراجعني إلا بعد سنتين، ما أريد أن أرى وجهك إلا بعد سنتين. كيف؟ قال: لا تناقش الآن، تناقش استدعيهم الآن، اذهب، بعد سنتين تراجعني.
يقول: خرجت متألم حيران، تذكرت أحد المسؤولين النافذين، اتصلت له: فلان، أنا في المكان الفلاني، عندي معاملة قالوا لي تستغرق سنتين، أتحلها؟ قال: شهرين، زين؟ قال له: لا، شنو شهرين؟ قال له: أسبوعين، زين. قال: شنو أسبوعين؟ قال له: يومين، زين. قال له: أنا الآن في الإدارة، أريدك أن تحلها لي، تقول لي يومين؟
قال: جيد. اذهب بعد ربع ساعة، اذهب إلى فلان وتنحل إن شاء الله. ربع ساعة. يقول: ذهبت إلى فلان، استقبلني، أنجز المعاملة، استلمت المعاملة التي تطول سنتين.
يقول: أنا جاءتني حرقة في قلبي، فذهبت إلى هذا المسؤول الذي قال سنتين، يقول: دخلت عليه، قال: رجعت؟ قلت لك سنتين؟ قال له: لا، أنا أمي لا أقرأ ولا أكتب، أعطوني ورقة أريدك تشوفها إذا تخبرني ما هو موجود في هذه الورقة، ورحم الله والديك، خليهم يجيبون لي شاي على ما تقرأ الورقة. يقول: جلست ووضعت رجلًا على رجل وأنا أشرب الشاي وأنظر إلى تقاسيم وجهه.
قال: أنت كيف طلعت هذه الورقة؟ قال لي: جيب الورقة سنتين في ربع ساعة طلعناها، كيف تقول سنتين؟
فبعض المدراء، بعض المسؤولين، ألِفَ التعقيد، بل بعضهم يحب يؤذي، يحب يعطِّل، يلتذ بالإيذاء، يلتذ بالإيذاء. طبعًا هذا له أسباب، قد يكون هو في صغره تعرض للأذى، والآن حان وقت الانتقام، مثل ما آذوه في صغره يحب يؤذي في كبره. وهذه آفة كبيرة: ترك إعانة المؤمن.
وفي مقابل ترك إعانة المؤمن خصلة قضاء حوائج الناس، وقضاء حوائج الناس من أفضل القربات إلى الله تبارك وتعالى. قضاء حوائج الناس توجب المحبة والمودة. في الرواية: «خصلتان توجبان المحبة: التواضع وقضاء حوائج الناس». إذا شخص متواضع ويقضي حوائج الناس، هذا يدخل القلوب بلا استئذان، بخلاف الشخص الذي يُعَسِّر ويعقد ويترك إعانة الناس، هذه الصفة من الصفات الموبقة.
قال الشيخ عباس القمي في المقامات العلية رحمه الله:
الصفة الرابعة: ترك إعانة المسلمين. إذا كان الحسد منشأ هذه الصفة فهو من رذائل القوة الغضبية، وإن كان هو الكسل أو البخل أو ضعف النفس فهو من نتائج القوة الشهوية. هذه الصفة - أي ترك إعانة الناس والمسلمين - من المهلكات وعلامة ضعف الإيمان. الذي إيمانه قوي يساعد.
سبحان الله، النفسيات تختلف. في واحد منه ومن نفسه يحب يساعد، يحب يساعد، مثل الكرم والبخل. حاتم الطائي يقول لعبده: اذهب وحُم في البيداء، فإن جئتني بضيف فأنت حر لوجه الله. يحب يبذل، يحب يعطي. ويوجد واحد كأنه عزرائيل نازل عليه لما ينزل عليه ضيف. نفسيات تختلف. كذلك في مساعدة الناس، بعض الناس من قلبه، من كل وجوده، يحب يساعد، وبعض الناس من كل وجوده يحب يعقِّد.
والأحاديث الواردة في ذم ترك إعانة الناس كثيرة. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم». وورد عن الصادق عليه السلام: «أيما مؤمن منع مؤمنًا شيئًا مما يحتاج إليه وهو يقدر عليه من عنده أو من عند غيره، أقامه الله عز وجل يوم القيامة مُسَوَّدًا وجهه، مُزْرَقَّةً عيناه، مغلولةً يداه إلى عنقه، فيقال: هذا الخائن الذي خان الله ورسوله، ثم يُؤمر به إلى النار».
وضدها: الاهتمام بقضاء حوائج المسلمين والسعي في تأمين حاجياتهم، وهو من الصفات الشريفة. ولا شك أن أفضل القربات هي السعي في قضاء وتأمين الحاجات. في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «من قضى لأخيه حاجة فكأنما عبد الله دهره».
يقول أستاذنا المرجع الكبير سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد فاضل اللنكراني رحمه الله: درست الإسلام أكثر من خمسين سنة وصلت إلى هذه النتيجة: يكفي أن تقتصر على الواجبات وترك المحرمات، ولا أقول: اعملوا المستحبات، بل يكفي أن تسعى في قضاء حاجة المؤمن. أي مؤمن يأتيك يطلب حاجة، اسع في قضاءها فورًا وستدخل الجنة. وإذا قيل لك يوم القيامة: من قال لك هذا؟ فقل: "آقاى فاضل گفت" الشيخ فاضل اللنكراني هو الذي قال.
يا إخوة، يا أحبة، أسهل وأسرع طريق لدخول الجنة بعد الإيمان بالله والنبي هو قضاء حوائج الناس، يدخلك دغري سريع مباشر إلى الجنة، أسرع طريق.
أحد المراجع، والده آية من آيات الله، فقيه من الفقهاء، دُفِن، وبعد مدة انكشف قبره فبان غضًّا طريًّا. فجيء إلى هذا المرجع، قيل له: ماذا كان يعمل أبوك حتى حصل على هذه الكرامة؟ الإنسان بعد مدة يتحلل بدنه بحسب عوامل التربة والقبر.
قال: أنا ما أتذكر أن والدي من أهل صلاة الليل أو عنده عمل خاص يوجب أن تبقى جثته طرية، ولكن والدي فيه خصلة وهي أنه ما إن يأتيه طالب وعنده حاجة فإنه يترك جميع أعماله ويسعى لخدمة ذلك الطالب.
ثم يقول هذا المرجع: وأظن أن والدي حصل له هذه الكرامة ببركة قضاء حوائج الناس.
ولنا في علي بن يقطين. علي بن يقطين رئيس وزراء هارون الرشيد ومن أصحاب الإمام الكاظم والرضا صلوات الله وسلامه عليهما، يقول له الإمام عليه السلام: يا علي بن يقطين، اضمن لي واحدة أضمن لك ثلاثًا، اضمن لي ألا ترد أحدًا من شيعتنا، أضمن لك ثلاثًا: ألا يظلك سقف سجن، ولا تذوق حرارة السيف، وأن ترزق الغنى إلى آخر عمرك. لا تُقتَل، ولا تُسجَن، ولا تعيش الفقر، ما تذوق الفقر.
فعلًا، لاحظوا الذين يسعون في قضاء حوائج الناس، يعين الفقراء، ما يصير فقيرًا. الله يقول له: تكرم خلقي؟ لست بأكرم مني، وجب عليَّ أن أكرمك. دائمًا هذا يسعى في قضاء حوائج الناس: والله فلان يحتاج إيجارًا، فلان يحتاج أكلًا، فلان يحتاج علاجًا، فلان يحتاج أقساطًا لمدارس أولاده، فلان يحتاج، فلان يحتاج، ويسعى في قضائها. هذا الذي يسعى في قضاء حوائج الناس حوائجه مقضية، دائمًا أموره ميسرة، دائمًا تنفتح عليه الأبواب؛ لأنه يسعى في قضاء حوائج الناس. طبعًا هؤلاء يدعون له، يدعون له.
أحد المدراء يقول: أنا كلما أطرق باب ينفتح، كلما أطرق باب ينفتح، ما هو السر؟ لا أدري. يقول هذا المدير: لا توجد فيَّ خصوصية، لا أرى في نفسي خصوصية، لكن ما إن أذهب إلى أي معاملة، أي معاملة، تنفتح الأبواب. لكن ما هو السر؟ لا أدري.
هذا المدير عنده معاون، فقال المعاون: أنا أدري. قال: عجيب، جيد، أنا لا أدري، أنت كيف تدري؟ قال: انظر إلى هذا الباب، باب مكتبك، أنا ألاحظ من يأتي إليك ويخرج، أنت لا يجيئك واحد إلا تقضي حاجته. هذا حين يطلع يسد الباب، يتجه للقبلة، يرفع يديه إلى السماء ويدعو لك، فأنت تنفتح لك الأبواب ببركة دعاء المؤمنين لك، ببركة دعاء من تقضي حوائجهم.
لذلك قضاء حوائج الناس له أثر كبير على المؤمن في الدنيا والآخرة.
قال الشيخ عباس القمي رحمه الله: لا شك أن قضاء الحاجات موجب للسرور، وثواب مَسَرَّة الأخ المؤمن يزيد عن حد الوصف، فإسعاد قلب أفضل من بناء بلد. إن القلوب المنكسرة الحزينة هي بيوت الله الطاهرة، فترميمها بالفرح هو ترميم بيت الله.
عن الإمام الصادق عليه السلام: «من أدخل السرور على مؤمن فقد أدخله على رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن أدخله على رسول الله صلى الله عليه وآله فقد وصل ذلك إلى الله، وكذلك من أدخل عليه كربًا». وفي رواية عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «من أحب الأعمال إلى الله عز وجل إدخال السرور على المؤمن: إشباع جوعته، أو تنفيس كربته، أو قضاء دَينه». وورد في الروايات المعتبرة عن أبي عبد الله عليه السلام أيضًا أنه قال: «من أدخل على مؤمن سرورًا خلق الله عز وجل من ذلك السرور خلقًا فيلقاه عند موته فيقول له: أبشر يا ولي الله بكرامة من الله ورضوان».
لا يخفى أنه كما وردت الأخبار في فضيلة هذه الصفة، وردت أيضًا في معصية وعذاب إيذاء المؤمن. من يفرح لغمّ عباد الله خبيث النفس، نجس الطينة. بعض المعذِّبين في السجون يلتذ، هو يحب، ليس مجرد أمر ينفذه، هو يحب يعذِّب، يحب يؤذي. هناك كثير من أصحاب الطينة النجسة مبتلون بهذه الصفة: حب الإيذاء. يسعون دائمًا لنقل الأخبار المحزنة إلى الناس، فإذا سمعوا خبرًا محزنًا لشخص ما، لا يقر لهم قرار حتى يوصلوا إليه هذا الخبر.
تعريب شعر فارسي: الكلب ذو شرف فوق الذي يسعى بين الناس كي يؤذيك.
نصيحة لوجه الله: لا تُبتلَ بإيذاء مؤمن، حتى عن غير قصد، خصوصًا هذا المؤمن إذا توفرت فيه سمات التفاضل. سمات التفاضل في القرآن ثلاث: أولًا التقوى، ثانيًا العلم، ثالثًا الجهاد، فضَّل الله المجاهدين. هذا إذا كان عالمًا ومن أهل التقوى ومجاهدًا وأنت تؤذيه؟ الفرس يقولون: «گوشتِ علما تلخ است»، لحم العلماء مُرٌّ، يجيئك حوبة، حوبة هذا العالم.
البعض يألف، يحب أن يتكلم بعنوان الناقد وممارسة حرية الرأي والتعبير: هذا الملا حسن، وهذا الملا غير حسن، وهذا الخطيب كذا، ولكن لو كان كذا كان كذا. يأتيك الشيطان من باب حب الكلام واشتهاء الكلام، وهذا الكلام يوصَل إلى هذا الخطيب أو هذا الملا أو هذا الشيخ فتؤذيه.
إذا أردت الحصانة والصيانة، اعمل بأمرين: الأمر الأول: اسع في قضاء حاجة المؤمن مهما تمكنت. ثانيًا: تجنب إيذاء أي مؤمن. حاول قدر الإمكان لا تذكر في لسانك أي اسم. نعم، إذا بالخير والمعروف اذكر اسم، لكن إذا كان فيه جنبة سوء أو لا تدري، ربما تدخل في السوء، حاول قدر الإمكان ألا تذكر اسم أي أحد.
لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن
يقول السيد الخوئي رحمه الله، على ما نقل لي المرجع الكبير سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض حفظه الله، قلت له: اذكر خاطرة عن السيد الخوئي.
يقول: السيد الخوئي كان لا يحقد على أحد ولا يتكلم على أحد. يقول: طول عشرتي معه ما يوم من الأيام سمعته ذكر أحدًا بسوء.
ثم قال: كان يقول السيد الخوئي: إذا وُضِعتُ في قبري فسأُسأل عن عمل نفسي ولن أُسأل عن عمل غيري، فحسبي أن ألتفت إلى عيوب نفسي لإصلاحها، وأشتغل بإصلاح عيوب نفسي عن عيوب غيري.
رزقنا الله وإياكم تهذيب النفس ومراقبة النفس وحسن العاقبة والخاتمة.
هذا تمام الكلام في الصفة الرابعة.
الصفة الخامسة: التقصير والتواني في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يأتي عليها الكلام.
وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.