47/08/14
14 شعبان 1447
3 فبراير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (الخامس والثلاثون): الصفة الثانية الإهانة والتحقير لعباد الله
تكلّم المحدّث الخبير الشيخ عباس القمّيّ رحمه الله في أربعة مقامات خاصّة: المقام الأوّل: آفات القوّة العقليّة، المقام الثاني: آفات القوّة الغضبيّة، المقام الثالث: آفات القوّة الوهميّة، المقام الرابع: آفات القوّة الشهويّة. ولمّا وصل إلى المقام الخامس، تطرّق إلى الآفات التي تتولّد من قوّة أو أكثر: القوّة العاقلة والشهويّة والغضبيّة.
أوّل آفة: الحسد. الحسد وهو تمنّي زوال نعمة الغير، هذا منشأه القوّة الغضبيّة والقوّة الشهويّة. يشتهي أن يكون عنده المال الذي عند فلان، يشتهي أن يكون الجاه عنده الذي عند فلان، وهنا تتحرّك القوّة الشهويّة فيغضب. فمنشأ الحسد قوّتان على الأقلّ: القوّة الغضبيّة والقوّة الشهويّة، وقد يضاف لها القوّة العاقلة، لأنّ القوّة العاقلة قد يكون فيها إفراط وقد يكون فيها تفريط. إذا يصير إفراط، يصير وسوسة، يصير حسد.
الصفة الثانية: الإهانة والتحقير لعباد الله. إهانة المؤمن حرام، تحقير المؤمن حرام، السخرية والاستهزاء حرام. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾[1] . إذًا لا شكّ ولا ريب في حرمة الإهانة والتحقير، السخرية والاستهزاء، قد توجب هلاك صاحبها. في الرواية: «إنّ الله أخفى أولياءه في عباده»[2] ، لذلك لا تستهزئ بأيّ مؤمن، لا تسخر بأيّ مؤمن، لربّما في هذه المسخرة بداية هلاكك.
في مقابل السخرية والاستهزاء: التعظيم. تعظيم المؤمن، خصوصًا من شاب شعر رأسه في الإسلام، وبالأخصّ العلماء والمجاهدين، هؤلاء لهم خصوصيّة. العالم له خصوصيّة، والقائم المجاهد أيضًا له خصوصيّة.
وهنا التطرّق إلى بعض الأمور: أحيانًا يقصد الشخص الإيذاء، يقصد السخرية والاستهزاء، كما لو أنعم الله عليه بملك وجاه وسلطنة وأموال، وأصيب بالكبر، وأخذ يحقّر الناس. وأحيانًا يقع في مشكلة التحقير من حيث لا يقصد، مثلًا: شخص يتكلّم معه وهو ينظر في الموبايل، ذاك الشخص قاصده لحاجة أو يسأله سؤالًا وهو يُعرض عنه ولا يلتفت إليه، شخص يتكلّم معه وهو كأنّه لا يشاهده، كأنّه ما مجداه، المؤمن حرمته عظيمة. فليلتفت المؤمن إلى الأمور التي قد توجب تحقير الآخرين من حيث لا يشعر، وليحاول يتجنّبها في حياته العمليّة.
من الأمثلة: طالب العلم قد يدرس في الحوزة العلميّة ويألف بعض العبارات العلميّة في الكتب العلميّة، مثلًا هذا العالم يذكر عبارة عالم ثمّ يقول: وهي كما ترى، أو يأتي بعبارة ويقول: وهي أوهن من بيت العنكبوت. ثمّ يحضر مجلس أو جلسة أو اجتماع، وشخص من المؤمنين وطرح فكرة على قدّه مسكين، وهذا عالم أو وجيه، شيخنا ماذا تقول؟ قال: وهو كما ترى، وأمّا ما طرحه فلان فهو أوهن من بيت العنكبوت، فيصير هذا الشخص مسخرة. هذا له تبعات له ضريبة، لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن زنته زانك[3] . التفت إلى كلامك، سكوتك، تصرّفك.
ولأنقل لكم قصّة عن أدب المراجع:
في يوم من الأيّام، المرجع الأعلى سماحة آية الله العظمى السيّد حسين البروجرديّ رحمه الله، باني المسجد الأعظم، أستاذ السيّد الإمام الخمينيّ وبقيّة المراجع والسيّد السيستانيّ، وفي يوم من الأيّام كان ذاهبًا إلى الدرس. في طريقه إلى الدرس، أحد الطلبة طلب منه مساعدة وسأله سؤالًا، قال له: إن شاء الله أنا أنظر في الموضوع.
السيّد البروجرديّ صعد المنبر، لمّا صعد المنبر، وكان السيّد البروجرديّ في أواخر عمره ثقيل السمع، لا يسمع جيّدًا. نفس هذا الطالب أشكل إشكالًا علميًّا في الدرس، السيّد البروجرديّ ما سمع كلامه، لا يسمع جيّدًا، قال له: أنا أجبتك قبل الدرس.
فوقع هذا الطالب في حرج. السيّد البروجرديّ رحمه الله لم يكن ملتفتًا إلى ذلك. انتهى الدرس، رجع إلى البيت، أحد المرافقين للسيّد قال له: سيّدنا، هذا الطالب الّذي سأل قبل الدرس، وأثناء الدرس سؤاله كان مختلفًا، حينما طلب منك قبل الدرس طلب منك شيئًا، وفي أثناء الدرس كان عنده سؤال علميّ.
تأذى السيّد البروجرديّ قال: إذًا هذه إهانة إلى مؤمن، لا بدّ من جبرها، من كسر مؤمنًا فعليه جبره. كان السيّد البروجرديّ لا يستطيع يمشي، اثنان واحد عن اليمين والشمال يمسكونه ويمشي، قال: الآن تأخذونني إلى بيت هذا المؤمن. سيّدنا لا يحتاج، ترسل. لا، قال: لا، أنا أذهب إليه.
يقولون ذهب طرق الباب، فتح هذا الطالب الباب، رأى السيّد بعظمته، تفاجأ: خير سيّدنا؟ قال: أنا جئت للاعتذار إليك. عفوًا سيّدنا، لماذا؟ قال: أنا سمعي ثقيل، أنت حينما تكلّمت في الدرس توهّمت أنّ إشكالك هو نفس سؤالك قبل الدرس، فأنا جئت هنا للاعتذار. فما كان من الطالب إلّا أن انكبّ على يد السيّد البروجردي يقبّلها. هذه سيرة علمائنا، هذه سيرة عظمائنا.
الشجرة كلّما عظمت ثمرتها زحفت في الأرض وتواضعت واحترمت، ولكن كلّما ضعفت شجرة ثمرتها تجدها شاهقة. الآن لاحظ أنت ثمر اللوز والجوز، ثمار صغيرة الساق رفيعة، لكن ثمر البطّيخ وغيره من الثمار الكبيرة تجدها من الزواحف. هكذا الإنسان: كلّما عظم علمه، كلّما عظمت أخلاقه، كلّما ازداد تواضعًا. الّذي يتكبّر، الّذي يصير مغرورًا، هذا عنده عقدة نقص. الّذي يتكبّر هذا عنده عقدة نقص وغرور، لا يعرف قيمة نفسه.
أستاذي في بحث الدكتوراه في جامعة طهران قال لي كلمة واقعًا وعظني، قال: شيخنا، لمّا ذهبت ودافعت عن رسالة الدكتوراه وقالوا الآن أنت دكتور، أعطيناك شهادة الدكتوراه، يقول خرجت، قال لي صاحبي: ما هو شعورك؟ بعد أخذ شهادة الدكتوراه. قال: فقلت: قبل الدكتوراه ذهبت إلى الحمّام، وبعد الدكتوراه سأذهب إلى الحمّام. الإنسان إذا ينظر ما يخرج من بطنه من فضلات لا يترفّع على الناس، هو إنسان ضعيف، أحيانًا لا يستطيع يأكل، وإذا يأكل أحيانًا لا يستطيع يخرجه.
يقولون: ضلّ أحد الملوك في الصحراء، فرأى أعرابيًّا، قال: اسقني ماء. قال: لن أسقيك الماء. قال: اسقني الماء، تعرف من أنا؟ ولتكن من أنت، هنا أنت تموت، أنا لا أعطيك. قال: أنا ملك الملوك، أنا ملك كذا. قال: أنا أعطيك الماء بشرط. قال: وما هو؟ قال: تهبني نصف مملكتك. كيف؟ قال: إذا نموت الآن؟ قال: أنا أعطيك نصف المملكة، أعطني الماء. شرب الماء بكثرة، رجع، انحصر، أراد يطلع الماء، لا يستطع، تأذّى، جيء بالطبيب، قال: أنا أطلّع الماء والبول بشرط. ما هو؟ قال: تعطيني نصف مملكتك. فقال: ما قيمة هذه المملكة؟ إلّا قيمتها شربة ماء وبولتها. واقعاً من الغرور والتكبّر والترفّع على ماذا؟
كن فيلسوفًا، ترى أنّ الجميع هنا يتقاتلون على عدم وهم عدم
نقرأ ما ذكر الشيخ عباس القمّيّ:
الصفة الثانية: الإهانة والتحقير لعباد الله. لا شكّ في حرمة هذه الصفة، وأنّها موجبة لهلاك صاحبها، فقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال الله: «من أهان لي وليًّا فقد أرصد لمحاربتي»[4] . ويوجد بهذا المضمون أخبار كثيرة. ومن أدرك النسبة بين الله وعباده يعلم أنّ إهانة العبد إهانة لمولاه، وتحقير المخلوق تحقير للخالق، وهذا القدر كافٍ في ذمّ هذا العمل.
دائمًا كنّا نقول للحجّاج أيّام الإرشاد في الحج رواية عندنا: الحاجّ حبيب الله، يا إخوة، يصير بينكم احتكاك، إذا تتأذّى من أخوك لا تؤذه، هذا حبيب الله، هنا الآن منسوب إلى الله. وهكذا، هذا زائر الحسين، هذا طالب علم، لا تتورّط بإهانة مؤمن، لا تورّط نفسك بأذيّة مؤمن، فيها هلاك عظيم.
ضدّ هذه الصفة: التعظيم والاحترام لعباد الله. ففي الحديث القدسيّ: «ليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن»[5] . ولقد ثبت بالتجربة أنّ من ينظر إلى الناس بعين يراه الناس بتلك العين، كما في المثل: كلّ من يرى الناس بعين طبعه. هو يرى الناس بخلاء، والناس تراه بخيلًا. هو يرى الناس كرماء، الناس تراه كريمًا. دائمًا يقيس الناس على نفسه. إذا هو من النوع الّذي يشكّك في النوايا وكذا، أيضًا يرى أنّ الناس تشكّك في نيّته. إذا هو من النوع الّذي يحسن النوايا، يرى أنّ الناس تحسن النيّة فيه.
إذًا الأفضل إكرام وإعزاز جميع طبقات الناس بقدر ما يستحقّون، ويجب تخصيص أهل العلم والفضل وأصحاب الورع والتقوى وشيوخ وشيبة أهل الإسلام وسلالة السادات الجليلة أبناء الرسول بزيادة التعظيم والتكريم. النبيّ يقول: «من أكرم سيّدًا فقد أكرمني»[6] . وفي الرواية: «أكرموا ذرّيّتي، الصالحين منهم لله، والطالحين منهم لي»[7] إكرامًا لرسول الله صلّى الله عليه وآله. وقد وردت الأحاديث في فضيلة إكرام كلّ من هؤلاء: العلماء، السادة النجباء، أهل الورع والدين.
الصفة الثالثة: الظلم.
لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدرًا فالظلم آخره يأتيك بالندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
وضدّ الظلم: العدل، وضع الشيء في موضعه وإعطاؤه مستحقّه. هناك عدالة السماء، وهناك عدالة الأرض، مثل الآن الأمم المتّحدة وغيرها، وجرّبنا قبلها عصبة الأمم، والآن مجلس السلام.
عدالة الأرض مذ خلقت مزيّفة والعدل في الأرض لا عدل ولا قيم
كلّ السكاكين صوب الشاة سائرة تطمئنّ الذئب إنّ الشمل ملتئم
عدالة الأرض عدالة الأقوياء، القانون يصوغه القويّ ضدّ الضعيف، بخلاف عدالة السماء، عدالة ربّ العالمين، خالق الناس أجمعين.
الصفة الثالثة: الظلم، وهو عبارة عن الإضرار والأذى بغير جهة شرعيّة. أحيانًا إضرار وأذى بجهة شرعيّة كالحدود والتعزيرات. وسبب الظلم إن كان العداوة والحقد فهو من نتائج القوّة الغضبيّة، وإذا كان الحرص والطمع في المال فهو من نتائج القوّة الشهويّة. وهو بإجماع طوائف العالم قبيح وأعظم المعاصي، وقد لُعن الظالمون في مواطن كثيرة من القرآن، وذُمّ الظلم في الأخبار الكثيرة ذمًّا عظيمًا، وورد التهديد عليه. والظالم يستحقّ اللعن الشديد الدائم والمستمرّ، لأنّ روحه ملوّثة. وفي الخبر: «جور ساعة في حكمٍ أشدّ وأعظم عند الله من معاصي تسعين سنة»[8] .
مقابل ذلك في العدالة، الرواية تقول: «حدّ يمنع يمنع قطر السماء أربعين صباحًا»[9] . ومن يخاف عقاب الظلم يمتنع عنه بالطبع. أنت لا تحبّ يظلمونك، لا تظلم الآخرين. فالمنتقم الحقيقيّ ينتقم لكلّ ظلم ويجازي الظالم بظلمه. يا من تمسك بزمام اختيار الناس، لا تؤذِ المساكين فلا يعاقبك الواحد الفرد.
من هذه الجهة، كان السلطان محمود غزنويّ يقول: أنا لا أخاف من رماح الأبطال كما أخاف من مغزل العجائز. هذه عجوز، الرواية هكذا: «اتّقِ ظلم من لا يجد عليك ناصرًا إلّا الله»[10] . هذه عجوز مسكينة، ما عندها إلّا المغزل تغزل، هذه أنت تدعو عليك تحطّم مملكتك. واعلم أنّك تحصد ما زرعته، وأنّك لا تقطف من البذرة المرّة فاكهة حلوة. واعلم أيضًا أنّه كما أنّ الظلم مذموم وفاعله ملوم في الدنيا والآخرة، كذلك إعانة الظالم والرضا بالظلم. قال الإمام الصادق عليه السلام: «العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم»[11] .
«أوحى الله إلى نبيّه اشعياء: إنّي مُهلك من قومك مئة ألف: أربعين ألف من الأشرار وستّين ألف من الأخيار. فقال: يا ربّ، هذا عمل الأشرار فما بال الأخيار؟ فقال ربّ العزّة والجلال: لأنّهم رضوا بفعل الأشرار وسكتوا»[12] . الساكت عن الحقّ شيطان أخرس.
هذا قانون تكوينيّ في الحياة الاجتماعيّة، نتيجة الظلم تعمّ الأخيار والأشرار. الّذي يقوم بالظلم الأشرار، لكنّ النتيجة تعمّ الجميع من أخيار وأشرار، إلّا إذا الأخيار أدّوا تكليفهم.
روي أيضًا عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين أعوان الظلمة؟ ومن لاق لهم دواة، أو ربط لهم كيسًا، أو مدّ لهم مدّة قلم، فاحشروهم معهم»[13] . وقد وردت أحاديث كثيرة في باب إعانة الظلمة، يكفي هنا الحديث الوارد عن أبي عبد الله عليه السلام في صحيحة يونس بن يعقوب، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: «لا تعنهم على بناء مسجد»[14] . مسجد للعبادة لا تعن الظالم حتّى على بناء مسجد.
حدّثني أحد المشايخ الكرام عن رجل من الصالحين، حاجّ، في إحدى بلدان الإسلام من الصالحين من أهل الصلاح، يقول: حضرنا عنده ساعة الاحتضار، هو رجل صالح ومقبل على الله، فأجهش بالبكاء. تعجّبنا! حاجّ فلان! إن شاء الله عاقبتك حسنة! لماذا البكاء؟ لماذا أجهشت بالبكاء؟ فقال: أبكي على صلواتي التي صلّيتها خلف القضاة من أعوان الظلمة، ثمّ تشهّد الشهادتين، ومات.
يقول هذا الشيخ: يقول كنت حاضرًا، يقول هذا المؤمن كُشف له عن أعماله، هذا لحظة الاحتضار، رأى ثواب صلوات، وكان من المواظبين على صلاة الجماعة في المسجد، رأى ثواب صلاة الجماعة خلف هذا القاضي الّذي تسنّم منصب القضاء عند سلطان الجور. ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾[15] . أجهش بالبكاء لمّا رأى أنّه حُرم ثواب تلك الصلوات التي صلّاها خلف أعوان الظلمة. وقد وردت أحاديث كثيرة في باب إعانة الظلمة والنهي عن ذلك. قال أبو عبد الله: «لا تعنهم على بناء مسجد»[16] .
وضدّ الظلم: العدل بالمعنى الأخصّ الّذي هو منع النفس عن ظلم العباد ودفع الظلم عنهم بقدر الإمكان. يقول المتنبّي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفّة فلعلّة لا يظلم[17] .
يعني الإنسان ومقتضى طبعه عنده الشهوة والغضب عنده يظلم، إلّا إذا حكم عقله ودينه على القوّة الغضبيّة والقوّة الشهويّة. يعني إذا تترك نفسك وتطلق لها العنان تظلم زوجتك، تظلم ولدك، تظلم جارك، تظلم أخوك. والظلم من شيم النفوس، يعني مقتضى شهوة النفس أن تظلم.
والظلم من شيم النفوس فإنتجد ذا عفّة فلعلّة لا يظلم
يعني هذا روّض نفسه على العفّة والطهارة.
شرف هذه الصفة، دفع الظلم عن الناس، خارج عن حيّز الوصف. وقد أُمر بالعدل ومُدح ورُغّب به في الآيات والأخبار الكثيرة، فعدالة ساعة خير من عبادة سبعين سنة[18] . إنّ فوائد العدل أكثر من أن تُذكر في هذا المختصر. وقد ظهر بالتجربة والعيان أنّ هذه الطريقة المرضيّة هي سبب تحصيل محبّة القريب والبعيد، الذي يصير عادل الناس تحبّه، والشهرة في الأطراف والأكناف.
فقد مرّ ما يزيد عن ألف وثلاثمئة سنة على دفن أنوشيروان العادل في التراب، ولسان الناس يتزيّن باسمه. وقد قطع حدّ الأجل عمر آلاف الملوك، ولا زالت سلسلة عدله مربوطة على القبّة المستديرة، في الحاشية يقول: إنّ عدالة أنوشيروان محلّ إنكار، فقد تظاهر بالعدل وسُمّي به مسامحةً. على كلّ حال، هل هو كان عادلًا أم لم يكن عادلًا، أمره إلى ربّه تبارك وتعالى، ولكنّ الإنسان العادل، الإنسان الكريم، يظهر أثره في الدنيا قبل الآخرة.
وفّقنا الله وإيّاكم جميعًا لإقامة العدل والاهتمام بالعادلين، ودفع الظلم وتجنّب إعانة الظالمين، إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
الصفة الرابعة: ترك إعانة المسلمين. يأتي عليها الكلام.
وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.