47/11/18
18 ذي القعدة 1447
6 أيار 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
المحاضرة (السادسة والتسعون): أهمية إتقان العمل
قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم وخطابه المجيد: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾[1] ، آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.
الحديث عن «أهمية إتقان العمل» كثير من الإخوة من الأحبة من مختلف البلدان يسألون عن نصيحة، يقول: شيخنا انصحني، عِظني، انصحني نصيحة، فأذكر له كلام أمير المؤمنين: «لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير العمل»[2] .
كثير من الناس إذا تسأله: تريد تروح الجنة؟ يقول: نعم. تريد تجاور النبي وعلي؟ يقول: نعم. اسأله سؤالًا ثانيًا: عملك يؤهلك لمجاورة النبي وعلي؟ يؤهلك للدخول في الجنة وتجنب النيران؟ هذه أهم مسألة.
أمير المؤمنين وهو على فراش المرض، مرض الموت، آخر لحظات حياته، قبل خروج روحه بلحظات، ماذا قال؟ قال: «لمثل هذا فليعمل العاملون»[3] . يقول: «أنا اليوم بينكم وغدًا عبرة لكم»[4] . هذا الإمام علي.
وهكذا من سار على درب علي، علماؤنا فقهاؤنا يركزون على إتقان العمل.
المرجع الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله كان يقول: «علمت أن عملي لن يأتي به غيري فجددت فيه، وأيقنت أني إذا وُضعت في قبري فسأُسأل عن عملي ولن أُسأل عن عمل غيري، فحسبي أن أنظر إلى عيوب نفسي لأصلحها وأغض النظر عن عيوب غيري». أنت الآن اسأل نفسك: أنت من الصبح إلى الليل وين رحت؟ تدري إيش؟ تشتغل، درسك، شغلك، هل يسهم في إتقان العمل؟ أو يسهم في سوء العمل؟
هناك موعظة بليغة للإمام الشهيد القائد السيد الخميني رحمه الله في مستهل بحث الخارج، درسه يخاطب الطلاب، يقول: «أتعجب من البعض الذي يركض ويلهث لكي يكون ضمن جماعة فلانية وضمن حركة فلانية، وقد غفل أن هناك حسابًا وكتابًا». يقول: تارة أنت تُلزم بهذا العمل الشرعي، هذا أيضًا تكليفك الشرعي، فيه حساب وكتاب. أحيانًا أنت ما تُلزم، تُدخل نفسك ضمن تحالفات وتحزبات وقيل وقال ومناكفات وتنافس ومشاحنات، وهذا يتكلم على هذا وهذا يتكلم على هذا. يا أخي، أنت أتقن عملك وغض النظر عن فعل غيرك.
للأسف للأسف، من الآفات الشائعة التي رأيتها، لأنها من مختلف البلدان من مختلف البلدان يجون يحضرون يشرفون المكتب، إذا يتكلم يطعن في غيره. خوب: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابين»[5] . يا أخي، أنت أتقن عملك واطرح برنامجك. ماذا ستستفيد من الطعن في الآخرين؟ فلان بسيط، وفلان ما يفهم، وفلان كذا وكذا، وفلتان كذا وعلان كذا. هذا الذي يطعن في الناس، أنت اسأله: وأنت ماذا؟ ما عنده جواب، لأنه ما محاسب نفسه، ما عنده وقت يحاسب نفسه. عنده وقت، عنده عيون يفتحها، رادار يشخص عيوب الآخرين، لكن ما عنده رادار يحقق في عيوب نفسه.
هذا للأسف بمقتضى حب النفس، الشيطان يسوّل للإنسان بحيث إذا صدر هذا الذنب من نفسه يبرر لنفسه، وإذا صدر من الآخرين هوله. مثلًا مثال بسيط: إذا يومًا من الأيام استيقظ وصلى قضاءً، ما صلى الصبح في وقتها، يبرر لنفسه: إيه؟ أنت البارحة سهران في طاعة الله، سهران، أنت البارحة في خدمة المؤمنين والمؤمنات، أنت مريض، أنت الآن مو متعمد، لماذا تلوم نفسك؟ يقعد يبرر لنفسه بمقتضى حبه لنفسه. لكن لو عرف أن فلانًا استيقظ وصلى قضاءً: الله أكبر! هذا اللي مسوي روحه مطوّع، مسوي روحه بعد متدين، حظي ويصلي قضاء! إحنا ليش الله مو موفقنه؟ لأن هذيلين يسوون روحهم مطاوعة، وما عليك منهم! هذي من تسويلات إبليس يقص عليك ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾[6] .
بقول لكم شيء: بعد مئة سنة ما أظن واحد منا بيكون موجود على قيد الحياة، الله يطول في أعماركم. بعد مئة سنة كلنا قبور، هذا المحظوظ من يصير له قبر. أول ما يخلونني ويخلونكم في القبر، كل واحد بيسألونا عن معتقداته وعن عمله، لن تُسأل عن عمل غيرك. إذا وضعوك في القبر، ما بتفيدك أن أنت تعرف فلانًا وعلانًا، تعرف الشيخ الفلاني وتعرف الرئيس الفلاني وتعرف الزعيم الفلاني وشيخ العشيرة وكبير العائلة وكبير أهل المدينة أو القرية، هذا كله ما بيفيدك، ما بيفيدك إلا عملك الصالح. لا يقص عليك إبليس، لا تغرك الدنيا، ما بيفيدك إلا عملك. طوبى طوبى لمن جعل الله عمله بين عينيه، دائمًا علىعيونه كأنه لابس نظارة: أتقن العمل، أتقن العمل، أتقن العمل. «عليٌّ وبنوه هم خير البشر»[7] .
يعني وأنت جالس وهم يسولفون والغيبة قائمة، تقول: يا فلان، لا تدخل النار، لا تجلس في هذه المجالس. سُئل المسيح: يا روح الله، من نجالس؟ فقال: «من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله»[8] .
ترى أهل الطاعة واقعًا، يعني في ناس جالستهم في إيران، في العراق، في البحرين، يا الله! أهل الطاعة يذوبون، إذا تقعد معهم تحس أنت قاعد في الجنة، تمامًا كما في الرواية: «الجنة تشتاق إلى سلمان، لا أن سلمان يشتاق إلى الجنة»[9] . بعض المؤمنين جنّاويين، إذا تقعد معهم يخشع قلبك، تهجع نفسك، مؤمن متدين، ما يحتاج يتكلم، من سبكه العام واضح أنه من أهل الجنة ومن أهل العمل الصالح. في واحد من تقعد معه، تشعر ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾[10] ، ما يفيد حتى لو تنصحه أو توعظه تشعر بحجب بعضها فوق بعض. أنت باختيارك من تجالس، من تصاحب؟ تعمل مع من؟ مع أهل طاعة الله والعمل الصالح أو مع غير ذلك؟ هذه مسألة مهمة.
هذا المؤمن المفروض في كل لحظة، في كل لحظة عُرضت عليه مسألة، واجه مشكلة، مشكلة دينية دنيوية أخروية، يلحظ العمل الصالح في أي كفة، أهل الصلاح في أي كفة. القرآن الكريم يشير إلى أمرين: إلى أن الإيمان والعمل الصالح يؤدي إلى دخول الجنة. خلّ عندك اعتقاد صحيح أولًا، وعمل صحيح ثانياً. إذًا لا بد من إتقان العمل.
سؤال: كيف نتقن العمل؟ ما هو المراد بإتقان العمل؟
الجواب: يوجد حُسن فاعلي ويوجد حُسن فعلي. الحُسن الفاعلي يعني سلامة النية، أن تأتي بالعمل خالصًا لوجه الله، لا لنفسك. إتقان العمل من جهة الحُسن الفاعلي، يعني أن تأتي بالعمل خالصًا لوجه الله. وأما الحُسن الفعلي، هو أن تأتي بالعمل تام الأجزاء والشرائط، مثل الصلاة، الحج تأتي بها تامة الأجزاء والشرائط، يعني الركوع تام، السجود تام، الذكر تام، القيام تام.
سؤال: ما الفرق بين الأجزاء والشرائط؟
الجواب: الأجزاء داخل المركب، والشرائط خارج المركب. مثلًا الصلاة: القيام والركوع والسجود، هذي داخل مركب الصلاة، فهي أجزاء. لكن استقبال القبلة، الوضوء، هذي خارج الصلاة، فيُقال لها شرائط. فالأجزاء التي داخل المركب يُقال لها أجزاء، مثل الركوع والسجود في الصلاة، مثل الطواف والسعي في الحج. وأما الأمور التي هي خارج المركب، مثل استقبال القبلة، مثل الطهارة، هي خارج مركب الصلاة، فهذه يُقال لها شرائط. فكيف أنت تتقن العمل؟ بالعلم، أن تتعلم كيف تأتي بأجزاء الصلاة والحج تامة بالأجزاء والشرائط.
الخلاصة: إذا أردت أن تتقن العمل، عليك بالحُسن الفعلي والفاعلي معًا. الحُسن الفعلي: أن تأتي بالمركب تام الأجزاء والشرائط، وهذا يُعرف من علم الفقه. الحُسن الفاعلي: يعني بإخلاص النية وصدق النية، وهذا من خلال تهذيب النفس والاطلاع على مباحث الأخلاق.
بعد، يا أخي، يا أخي، أنت لو أتيت بالشيء مع الحُسن الفعلي والفاعلي معًا، مو بالضرورة يكون مقبولًا. فرق بين صحة العمل وبين قبول العمل. والمهم صحة العمل أو قبول العمل؟ الأهم هو قبول العمل. لذلك تقول في دعاء كميل: «وأعمالي عندك مقبولة»[11] .
نضرب مثالًا: ولاية أهل البيت عليهم السلام، هل تُشترط في صحة العمل؟ كالصلاة والصوم والزكاة والخمس والحج، هل يُشترط ولاية أهل البيت أو لا؟ ولاية أهل البيت هل هي شرط في صحة العمل؟ أو هي شرط في قبول العمل؟ أفتونا مأجورين، أنتم فقهاء الأمة. المشهور بين فقهاء الإمامية أن ولاية أهل البيت هي شرط قبول الأعمال. لذلك نعرف هذا البيت المشهور والذي ربما يُنسب إلى الخواجة نصير الدين الطوسي:
لَوْ أَنَّ عَبْدًا أَتَى بِالصَّالِحَاتِ غَدًا *** وَوَدَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ وولي
وَصَامَ مَا صَامَ صَوَّامًا بِلَا مَلَلٍ *** وَقَامَ مَا قَامَ قَوَّامًا بِلَا كَلَلٍ
ويذكر المحاسن، إلى أن يقول:
مَا كَانَ فِي الْحَشْرِ عِنْدَ اللَّهِ مُنْتَفِعًا *** إِلَّا بِحُبِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّ[12]
هنا قال: «ما كان منتفعًا في الحشر»، «ما كان في الحشر عند الله منتفعًا إلا بحب أمير المؤمنين علي»، يعني شرط قبول الأعمال ولاية أمير المؤمنين سلام الله عليه. لكن خالف في ذلك بعض الفحول والفقهاء العظام كالشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر أعلى الله في الخلد مقامه، فقال: إن ولاية أهل البيت شرط في صحة العمل قبل قبوله[13] ، يعني غير الموالي لا يكون عمله صحيحًا، إذا ما عنده ولاية أهل البيت. أنت أولًا ثبّت الصحة، ثم بعد ذلك ابحث عن القبول.
عمومًا، أنتم ما شاء الله موالي ومحبي أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم. طبعًا في رواية هم عجيبة لطيفة غريبة: جاء جمع إلى الإمام الرضا عليه السلام وأرادوا الدخول على الإمام الرضا، فقيل لهم من أنتم؟ قال لهم الحاجب: من أنتم؟ قالوا: قل للرضا نحن شيعتك، فحجبهم. جاءوا اليوم الثاني فحجبهم، شهرين كاملين حجبهم الإمام الرضا عن الدخول عليه. بعد الشهرين قالوا: قل للرضا نحن محبوك، فخرج لهم الإمام الرضا عليه السلام بالأحضان، قال: «قلتم أنكم من الشيعة ولا أرى أمارات وعلامات الشيعة، ولكن الآن قلتم نحن من محبيك، فلعل حبكم لي يشفع لكم»[14] . اللهم ارحمنا بحب النبي وأهل بيته عليهم أفضل الصلاة والسلام.
رزقنا الله وإياكم إتقان العمل.
إخوة أحبة، أعزتي في الله، في الختام أقول: فليكن أهم عندك عملك الصالح، لا تفرط في عملك. عمرك ينقضي، فلوسك تروح وترجع، عمرك يروح ما يرجع. لا تضيّع عمرك، لا تضيّع وقتك، لا تنفق دقائق عمرك إلا في العمل الصالح، إلا فيما يرضي الله تبارك وتعالى. نسأل الله تبارك وتعالى حسن العاقبة والخاتمة.
والمؤمن دائمًا على وجل، دائمًا على وجل. رحمة الله على المرجع الأعلى السيد حسين البروجردي رحمه الله، في أواخر أيامه حينما أحس أن الوفاة قد دنت منه، بكى بكاء شديدًا. قيل له: سيدنا، لِمَ البكاء؟ قال: «لا يوجد عندي عمل». قيل: لو ما عندك عمل؟ بنيت المسجد الأعظم في قم، بنيت الحوزات العلمية، كيف تقول ليس عندي عمل؟ قال: «صحيح، ولكن أيها مقبول؟»[15] . نسأل الله القبول.
وأختم بهذه الخاطرة: قبل عدة شهور زرت سماحة آية الله الشيخ علي أكبر السيفي المازندراني حفظه الله، قبل الحربين، قبل حرب الاثني عشر يومًا. جلسنا، تبادلنا أطراف الحديث، ثم قال: أنا أريد أن أزور سماحة آية الله السيد علي أكبر الحائري، الأخ الأصغر للمرجع الكبير سماحة آية الله العظمى السيد كاظم الحائري. قلت: فلنذهب معه.
خرجنا في السيارة معًا، هو في سيارته نحن في سيارتنا، ذهب إلى بيت السيد علي أكبر الحائري حفظه الله، كان مسوي عملية في المرارة. هذلين المؤمنين العلماء حلوين، جدًا حلوين، يعني حتى وهم مرضى يتكلمون بآيات وروايات وتتعلم منهم.
جلسنا، فقال السيد علي أكبر الحائري حفظه الله: «أخاف على نفسي، أخشى من عملي، لا يوجد عندي عمل». فقال آية الله السيد علي أكبر السيفي: «لا لا لا، أنت لا تتمسك بهذه الآية ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾[16] ، أنت تمسك بهذه الآية ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾[17] ». قال: «صحيح، ولكن أنا أخاف على نفسي، وإن شاء الله ببركة دعائكم أُوفَّق للعمل الصالح». هكذا المؤمن، هكذا المؤمن. أما الذي يقول: الحمد لله، إحنا كل شيء عندنا بعد، أخلاق عندنا، وعمل صالح عندنا، بعد وش قاصر بعد؟ هذا فليعلم أن الشيطان قد وسوس له.
اللهم نبهنا من نومة الغافلين، واجعلنا من الذاكرين، وأدخلنا جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلِّ اللهم على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.