47/10/19
19 شوال 1447
8 نيسان 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
المحاضرة (الثالثة والتسعون): سُنَّةُ الابتلاءِ
قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم وخطابه المجيد بسم الله الرحمن الرحيم ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾[1] ، آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.
الحديث عن سنة الابتلاء: عالم الدنيا محكوم بسنن وقوانين قد يُعبَّر عنها بالسنن التاريخية، والقرآن الكريم أشار إلى عدة قوانين وسنن تحكم الحياة الدنيا، من أهم هذه القوانين والسنن سنة الابتلاء، الدنيا دار ابتلاء واختبار وامتحان، هذا الامتحان له أجل ووقت محدود وهو أن تذوق الموت، خروج النفس من الجسد، لم يتيقن الإنسان بقضية يقينية أقوى من الموت، ولم يغفل الإنسان عن قضية مهمة مثل الموت، يا عجب الله!
يعني الإنسان يمكن يشكك في أشياء كثيرة لكن ما تجد إنسان يشكك في تحقق الموت، قضية الموت قضية يقينية مائة بالمائة أجمعت عليها البشرية، وبعد قضية الموت غفلت عنها البشرية، لذلك ورد في الرواية عن سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا».
عجيب! حقيقة الموت ما يستطيع أي أحد ينكر حقيقة الموت.
أَيْنَمَا تَذْهَبْ فالْمَوْتُ مَعَكْ، إِنَّهُ السِّرُّ الَّذِي لَنْ يَدَعَكْ،
أَوْلِيَاءُ اللهِ مَاتُوا وَكَذَا أَعْدَاؤُهُمْ، أَفَهَلْ يَكْتُبُ رَبِّي الْخُلْدَ لَكْ؟
لَوْ مَلَكْتَ الْكَوْنَ، لَوْ مَلَكْتَ الدُّورَ وَالْحُورَ وَكَانَ الْكَوْنُ لَكْ،
بَيْتُكَ الدَّائِمُ قَبْرٌ لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَكْ،
إِنَّمَا الْأَمْرَاضُ وَالْأَحْزَانُ لِلْمَوْتِ شَبَكْ.
إذًا الموت هو نهاية الحياة الدنيا.
طبعًا في عقيدتنا الإسلامية الروح لا تنتهي بالموت، وحقيقة الموت هي خروج النفس من الجسد، لأن الإنسان يمر بعوالم ستة وبعضهم يقول سبعة تسعة، المشهور أنها عوالم ستة، يُراجع كتاب “الإنسان في الستة” للمرحوم السيد جواد آل علي الشاهرودي رحمه الله، أول عالم عالم الأرواح، الله عز وجل أول ما خلق خلق الروح، ثاني عالم عالم الذر، يعني خلق الإنسان على صورة ذرات مادية لطيفة في صلب آدم عليه السلام، عالم الذر غير عالم الأرواح، أول ما خلق الله الأنفس والأرواح هذا عالم الأرواح، ثم جاء عالم الذر هذا العالم الثاني، العالم الثالث عالم الأرحام، العالم الرابع عالم الدنيا، العالم الخامس عالم البرزخ، العالم السادس عالم الآخرة، ستة عوالم، وبعضهم يجعلها سبعة وبعضهم إلى آخره، عمومًا ليس هذا بحثنا، بحثنا سنة الابتلاء.
المؤمن مبتلى، الإنسان مبتلى، هذا الابتلاء قد يكون ابتلاءً فرديًا وقد يكون ابتلاءً جماعيًا، هذا الابتلاء قد يكون بالشر وقد يكون بالخير، الابتلاء الفردي أمثلته كثيرة: شخص يُبتلى بالفقر وشخص يُبتلى بالغنى، شخص يُبتلى بالمرض وشخص يُبتلى بالصحة والعافية، شخص يُبتلى بالوجاهة وشخص يُبتلى بالوضاعة، كلها ابتلاءات، شخص يُبتلى بالحرمان من الأولاد وشخص يُبتلى بالأولاد، شخص يُبتلى بعدم الزواج ما يحصل زوجة وشخص يُبتلى بالزواج، الدنيا دار ابتلاء، واحد يدور يدور ما يتزوج ما ينفك يدحم روحه ما يحصل مرة، هذا ابتلاء يكون يصبر، وفي واحد أيضًا يتزوج ويُبتلى في زواجه، وهكذا المرأة قد يتزوجون عليها الثانية والثالثة والرابعة، هذا أيضًا ابتلاء لها، تقول: يا ربي أنا وش سويت في عمري حتى يتزوجون علي؟ هذا ابتلاء، هذا ابتلاء فردي.
ويوجد ابتلاء للأمة في الخير والشر، مثل شنو؟ الابتلاء بالحاكم الظالم والابتلاء بالحاكم العادل كلاهما ابتلاء، إذا ابتُليت بحاكم ظالم هل تحافظ على دينك؟ وتواجه الظلم والظالمين؟ هذا ابتلاء وامتحان، وإذا ابتُليت بحاكم عادل هل تطيعه؟ خصوصًا عند الوثبة وما تخذله؟ هذا بعد ابتلاء. إذًا الدنيا كلها ابتلاء كلها امتحان، أحيانًا واحد يمرض والله مو في وقته، أنا بكبري مشغول الآن، جاينا هل المرض، أو يُصاب بمشكلة يُبتلى بمشكلة، وينه ولي على راسي؟ وش جايبها هالحين؟ أنا قاصره، هي الدنيا قائمة على الابتلاء، قائمة على سنة الابتلاء، إن شاء الله تخرج بنجاح، نخرج جميعًا بنجاح.
أحيانًا بعض المشاكل الأسرية، مثلاً يأتي الأب أولاده بناته ويبكون: شيخنا احنا شو نسوي؟ شو مسوي لنا يا شيخ؟ يبكون بكاءً شديدًا، طبعًا صعبة، أنا شفت يعني بكاء الأب أمام أبنائه أو أمام بناته، الجواب: الدنيا دار ابتلاء وامتحان، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[2] .
خوب، سؤال: كيف نواجه الابتلاء؟ ما هو الحل للخروج من الابتلاء بنجاح؟ كيف تخرج من الامتحان بنجاح؟ الجواب بحلين سحريين كإشارة النصر هاتين: الصبر والبصيرة، قال أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين في بعض خطب نهج البلاغة: «ألا ولا يحمل هذا العلم إلا أهل البصر والصبر»، راية الإسلام ما يحملها إلا المتحلي بالبصر يعني عنده بصيرة، والصبر.
كثير من الناس ما ينجحون لماذا؟ ما عندهم صبر، ما عندهم صبر، ما يتحمل، يغضب ينفعل يخرب كل شيء، ما عنده صبر، يخرب عائلته، يروح في الطلاق، يروح في الشقاق، كله نتيجة الاستجابة لغضب النفس وشهوة النفس، لكن لو تحلى بالصبر يصل إلى بر الأمان، لكن الصبر بدون بصيرة، السائر على غير هدى لا تزيده كثرة السير إلا ضلالًا، بحاجة إلى بصيرة.
النتيجة النهائية: لكي نخرج من الابتلاء منجحين مفلحين علينا بالصبر والبصيرة، يا أخي الابتلاء يرفع درجتك يرقيك، أنت أصلًا ما تتكامل إلا بالابتلاء وبالمشكلة، تريد كل الأمور سهلة وميسرة؟ أنت إذا عشت في أجواء مشاكل وتحليت بالصبر والروية من جهة وتلمس المخرج الصحيح من جهة أخرى، هذا راح يصير عندك تراكم معرفي، تتعلم كيف تتعامل؟ أما إذا أنت ظهرت إلى المجتمع في أقل مشكلة انكفأت وانعزلت ما تتعلم، يوجد مثل بالفارسي حلو، أنتوا حلوين، حلو يقول له: من أين تعلمت الأدب؟ قال: من غير المؤدبين، إذا أنت شفت عدم الأدب تعمل عكسه حتى تكون مؤدبًا، الحياة هكذا، الحياة تجارب، وكلما ارتفعت درجة المؤمن ازداد بلاؤه.
يلا مثال ونختم به، انظروا إلى أبي الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن، كم ابتلاءً الله ابتلاه؟ أول ابتلاء ابتلاه بالنمرود، النمرود قال: أنا ربكم الأعلى، وإبراهيم أبو الأنبياء واجه النمرود، فماذا كان من النمرود؟ أن أحرق إبراهيم، النبي إبراهيم من وين؟ ولادة وين؟ حلاوي من الحلة من العراق، المحرقة التي أُعدت لنبينا إبراهيم في العراق في الحلة، للآن موجود، إلى الآن الآثار موجودة، لما النمرود أعد المنجنيق لرمي إبراهيم خليل الرحمان في النار، فجاء النداء ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾[3] ، وأنجاه الله، انتشر الخبر، بعد ماء وجه النمرود قد ذهب، فماذا عمل؟ هجّره.
إذًا أول ابتلاء الإلقاء في النار، ثاني ابتلاء التهجير، يعني المهجرين قدوتهم إبراهيم خليل الرحمن، النبي إبراهيم أبو الأنبياء هجر، النمرود طرده، طرده من العراق ومن الحلة، وخرج إبراهيم مر على مصر إلى أن وصل إلى وين؟ إلى فلسطين حيث مدينة الخليل نسبة إلى خليل الرحمن، الآن النبي إبراهيم وين مدفون؟ في الخليل، وإلى جنبه قبر ابنه إسحاق ويعقوب ويوسف، جيد.
إذًا أول ابتلاء الإلقاء في النار، ثاني ابتلاء التهجير، ثالث ابتلاء ما عنده أولاد، إبراهيم متزوج بنت عمه، بنت عمه سارة، سارة جميلة جدًا ولم ينجب منها أطفالًا إلى أن عجز، بلغ من الكبر عتيًا، سارة عندها جارية هاجر، هاجر أمَة عند سارة، فوهبته هاجر لكي ينجب ولدًا، يتزوج إبراهيم خليل الرحمن هاجر، أنجبت إسماعيل، لما أنجبت إسماعيل تجلت الغيرة في سارة، وسارة مؤمنة، أوحى الله إليه أن أخرج هاجر حفاظًا على دين سارة، ترك سارة، خلى سارة في وينه؟ في الخليل فلسطين، وأخذ هاجر إلى مكة ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾[4] ، أخذ إسماعيل إلى مكة المكرمة، مكة ما فيها شيء، لا يوجد ماء لا أكل لا عشب، جبال جوفاء وأرض يابسة، الله يقول ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾[5] ، الله أمره أن يترك هاجر ويرجع، يلا أنت تصبر سنين ما عندك ولد سنين، في آخر عمرك وقت الذي رُزقت الولد يقول لك: هذا الولد تأخذه توديه صحراء قاحلة وتتركه هو وأمه وترجع، إبراهيم أبو الأنبياء ترك هاجر وولدها إسماعيل في مكة ورجع إلى الخليل إلى فلسطين.
متى رجع؟ رجع لما بلغ إسماعيل الحلم، قرب بلوغه، رجع إليه، لما رجع قال ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾[6] ، شوف الابتلاء، سنين فراق، رجع إليه قال له: تذبح ولدك، عجيبة علاقة إبراهيم بإسماعيل، في بعض الروايات إسماعيل يخاطب أباه يقول له: أبه لا تنظر إلي أثناء الذبح فإني أخشى أن يأخذك عطف الأبوة فتتراجع عن ذبحي، ابتلاء، ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾[7] ، يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، هنا لما نجح إبراهيم ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[8] ، هناك درجات يقولون، درجة النبوة ثم درجة الرسالة ثم درجة الإمامة، درجة الإمامة أرفع من درجة النبوة، لما ثبت في الابتلاء ثبت في الامتحان وصل إلى درجة الإمامة.
إذًا ما نحن نشهده اليوم بالنسبة إلى الأمة من حروب، هذه الابتلاءات الفردية، كل واحد منكم عنده نقص، الذي يقول: أنا حياتي من جميع الجهات ما فيها شي، كذاب. تسمحون لي، هذا أبو شليخ كذاب، لازم فيه نقص، لازم فيه نقص، سنة الابتلاء هذه. قد أحيانًا الله عز وجل يفيض عليك من كل مكان، مثل ما ورد بالنسبة إلى فرعون، فرعون ما أحس بالمرض، ما استشعر الضعف، فقال: أنا ربكم الأعلى.
الخلاصة: هذه الدنيا دار امتحان وبلاء، والمخرج هو التحلي بالصبر والبصيرة، جعلنا الله وإياكم من أهل الصبر والبصيرة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.