48/04/17
الموضوع: الأصول العملية/ الاستصحاب/ أدلة الاستصحاب / الأخبار/ صحيحة زرارة الثانية
بعد الملاحظة على الوجهين المتقدمين يقع الكلام في الملاحظة على الوجه الثالث:
وهو - بحسب ما فُهم من كلام المحقق النائيني - يرجع الى أنَّ العلم بالنجاسة يكون مانعاً من صحة الصلاة، ويكون الغرض من الاستصحاب هو بيان عدم تحقق المانع ونفي النجاسة تعبداً، فدور الاستصحاب هو المنع من تنجيز الاحتمال، فيكون مؤمِّناً ومانعاً من منجزية الاحتمال.
والملاحظة عليه بأنه خلاف ظاهر التعليل، لظهوره في أنَّ علة عدم الإعادة هو استصحاب الطهارة بنفسه، لا بلحاظ استلزامه عدم إحراز النجاسة وعدم تنجُّزها.
مضافاً إلى أنَّ هذا لا يرفع الإشكال - بعد وضوح أنَّ الربط بين العلة والمعلول وكون الربط باعتبار أنَّ الاستصحاب يوجب عدم تنجُّز النجاسة والتأمين من ناحيتها وبالتالي يرفع المانع من صحة الصلاة - لأنه ليس أمراً يفهمه العرف بحيث يصح التعليل مبنياً عليه.
وتبيَّن مما تقدم أنَّ أصل الإشكال على الاحتمال الثاني هو عدم وضوح الربط بين العلة والمُعلَّل - أي بين الاستصحاب وعدم الإعادة - والوجوه السابقة الثلاثة هي محاولات لبيان وجه الربط.
وجه آخر:
يبقى أن يقال لدفع هذا الإشكال بأنَّ المستفاد من الصحيحة عدم وجوب الإعادة باعتبار جريان الاستصحاب، وهذا يُفهم منه أنَّ كل صلاة يجري فيها استصحاب الطهارة لا يجب إعادتها حتى مع انكشاف الخلاف، وهذا التعليل تعبدي صرف مرجعه إلى بيان حجية الاستصحاب، وأنه يوجب صحة العمل حتى مع فرض انكشاف الخلاف، نعم المخاطب يجهل الوجه في هذا التعليل، وأنه لماذا حكم الشارع بعدم الإعادة مع فرض انكشاف الخلاف، وأنَّ هذا الحكم هل هو من جهة أنَّ الطهارة المعتبرة في الصلاة هي الأعم من الطهارة الواقعية والظاهرية، أو من جهة كبرى الإجزاء، أو من جهة أمور أخرى، فيقال إنَّ هذا الجهل لا يضر بصحة الاستدلال وصحة التعليل التعبدي.
وهذا الوجه إن تم فهو، وإلا فيبدو أنَّ هذا الإشكال لا جواب عليه بناء على الاحتمال الثاني - أي فرض حصول اليقين بعد الصلاة بوقوعها مع النجاسة - وكون الملحوظ في الاستصحاب حال ما قبل الصلاة، وعليه قد يقال بأنَّ التخلص من الإشكال لا يمكن إلا بالالتزام بالاحتمال الأول، بأن يكون المراد من قوله: (فَرَأَيْتُ فِيهِ) هو حصول الشك في أنَّ ما رأه هل هو نفس ما فحص عنه أو أنه حادث، ويكون الملحوظ في الاستصحاب هو حال ما بعد الصلاة، وعليه فالاستدلال بالفقرة الثالثة في الرواية على حجية الاستصحاب يتم إذا قلنا بالاحتمال الأول، وإلا فلا يصح التمسك به لإثبات كبرى الاستصحاب.
وفي المقابل قد يقال بأنَّ هذا الإشكال ولو لم يمكن حلُّه لكنه لا يضر بأصل دلالة هذه الفقرة على كبرى الاستصحاب، لإمكان التفكيك بين دلاتها على الكبرى وبين دلالتها على تطبيق الكبرى على المورد، فإذا واجهت الصحيحة إشكالاً من ناحية التطبيق ولم يمكن حلُّه تبقى حجية هذه الفقرة في دلالتها على الكبرى على حالها، حتى إذا فُرض إجمالها من ناحية التطبيق، مع وضوح أنَّ الإشكال السابق ليس اشكالاً على دلالة الصحيحة على كبرى الاستصحاب وإنما هو إشكال على تطبيقه على المورد بناء على الاحتمال الثاني.
أقول: حتى يتم هذا الكلام ويصح الاستدلال بالصحيحة على كبرى الاستصحاب لا بد من بيان وجه بقاء دلالة الصحيحة على كبرى الاستصحاب على الحجية، بالرغم من أنَّ انطباقها على المورد غير صحيح لورود الإشكال عليه والمفروض عدم امكانه حلّه.
ومن هنا قد يقال أنَّ الوجه في استفادة الاستصحاب من الصحيحة إنما هو باعتبار أنَّ كلام السائل فُرض فيه توفر أركان الاستصحاب من اليقين السابق بطهارة الثوب - أي قبل ظن الإصابة - والشك به، من دون فرق بين أن يكون الشك بعد الصلاة كما في الاحتمال الأول، أو يكون بلحاظ الصلاة أو قبلها بناء على الاحتمال الثاني، فإنَّ الشك مفروض في كلامه على كِلا التقديرين - بخلاف قاعدة اليقين - أما اليقين بطهارة الثوب قبل الإصابة فهو مضافاً الى وضوح افتراضه يُستفاد من قوله: (فَإِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ)، وأما الشك فمفروض على كل تقدير في السؤال لأنَّ الإمام (ع) طبَّقَ قاعدة من قواعد الشك، وعليه يقال إنَّ بقاء الإشكال بلا حل لا يضر بظهور الصحيحة في إفادة كبرى الاستصحاب لأنَّ مورد الإشكال هو قوله: (فَرَأَيْتُ فِيهِ)، وليس مورده ما دلَّ على كبرى الاستصحاب، وهو قوله (ع) (لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْتَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ اَلْيَقِينَ بِالشَّكِّ أَبَداً) الذي لا إشكال فيه.