48/04/16
الموضوع: الأصول العملية/ الاستصحاب/ أدلة الاستصحاب / الأخبار/ صحيحة زرارة الثانية
كان الكلام في الوجوه الثلاثة لدفع الاشكال الوارد على الاستدلال بالاستصحاب لعدم الإعادة في صحيحة زرارة الثانية بناءً على الاحتمال الثاني في تفسيرها.
وذكرنا الوجه القائل بأنَّ الكبرى المحذوفة وهي كبرى الإجزاء، وتقدمت الملاحظة عليه بأنَّ الكبرى ليست مركوزة في ذهن العرف، فلا يرتفع الاستهجان.
أما الوجه القائل بأنَّ الكبرى المحذوفة هي توسعة الشرط الواقعي للصلاة إلى الأعم من الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية، والاستصحاب يحقق الصغرى لهذه الكبرى - وهي الطهارة الظاهرية - فيحكم بصحة الصلاة، فيصح تعليل عدم إعادة الصلاة بالاستصحاب، فالملاحظة عليه هي نفس الملاحظة السابقة، وهي إنَّ هذا التعليل إنما يكون عرفياً إذا كانت الكبرى عرفية ومركوزة في ذهن المخاطب، وأما إذا لم تكن الكبرى كذلك فلا يكون التعليل بها عرفياً، بل يكون مستهجناً بنظر العرف.
وحاصل الإشكال إنَّ هذين الوجهين يفترضان وجود كبرى محذوفة غير مشار إليها، اعتمد عليها المتكلم في مقام بيان جوابه، وهذا لا يصح إلا إذا كانت الكبرى أمراً واضحاً ومركوزاً في الذهن العرفي بحيث يمكن الاعتماد عليها في مقام التعليل بذكر ما يُحقق شرط وصغرى تلك الكبرى - سواء كانت هي كبرى الإجزاء أم كانت كبرى توسعة الشرط - وقد عرفتَ عدم كون الكبرى في هذين الوجهين من هذا القبيل، ومن هنا لا يصلح كلا الوجهين لتبرير التعليل المذكور.
كلام المحقق النائيني والملاحظة عليه:
ويظهر من كلام المحقق النائيني أنَّ حذف الكبرى أمر شائع ومتعارف، ومثَّلَ له بقوله: (لا تشرب الخمر لأنه مسكر)، الذي لا إشكال في صحته وعرفيته، مع أنه توجد كبرى محذوفة وهي (كل مسكر حرام) وبدونها لا يصح التعليل، فكأنه يُراد بالتعليل إثبات صغرى تلك الكبرى.
ويلاحظ عليه بالفرق بن المقامين، فإنَّ الكبرى في هذا المثال مستفادة من نفس التعليل باعتبار أنَّ التعليل يُلغي خصوصية المورد ويوجب التعميم، فيفهم عرفاً من المثال أنَّ علة تحريم الخمر هي الإسكار من دون خصوصية للخمر، وهذا يعني حرمة كل مسكر، فلا تكون الكبرى محذوفة.
وبعبارة اُخرى إنَّ تصدي المتكلم لتعليل الحكم بحرمة شرب الخمر بأنه مسكر يفهم منه عرفاً أنه بصدد إلغاء خصوصية المورد، وأنَّ الخمرية ليس لها دخل في التحريم، وإنَّ ما له الدخل في التحريم هو نفس الإسكار، فيُفهم لا محالة حرمة كل مسكر، وحيث أنَّ هذه الكبرى مستفادة من نفس الكلام فلا تعتبر محذوفة عرفاً، وهذا بخلاف محل الكلام، أي قوله:
(.. فَإِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ وَلَمْ أَتَيَقَّنْ ذَلِكَ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، ثُمَّ صَلَّيْتُ فَرَأَيْتُ فِيهِ، قَالَ: «تَغْسِلُهُ وَلاَ تُعِيدُ اَلصَّلاَةَ»، قُلْتُ: لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْتَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ اَلْيَقِينَ بِالشَّكِّ أَبَداً»..)
فإنَّ مجرد عدم خصوصية للمورد التي تعني تعميم الاستصحاب لجميع موارد اليقين السابق والشك اللاحق لا يحل الإشكال لأنَّ مجرد عدم خصوصية المورد لا يُفسِّر لنا ما هو الربط بين الحكم بعدم الإعادة وبين الاستصحاب، من دون تلك الكبرى المحذوفة والتي يكون الربط واضحاً إذا فرض وجودها.
جواب آخر:
ويمكن أنَّ يقال إنه يكفي في حُسن التعليل بالاستصحاب أنَّ عدم الإعادة يبتني على الاستصحاب ولو بتوسط إحدى الكبريين، وإنما نقول ذلك للفرق بين هذا الفرض والفرضين السابقين اللذين لا يجري فيهما الاستصحاب، الذي يتحقق به الأمر الظاهري، وإن شاركهما في وقوع الصلاة مع النجاسة.
وبعبارة اُخرى: إنَّ الإمام (ع) في مقام التفريق بين الفرضين السابقين اللذين حُكم فيهما بوجوب الإعادة وبين هذا الفرض الثالث الذي حكم فيه بعدم الإعادة، لأنَّ زرارة سأل عن ذلك فأراد الإمام (ع) في مقام الجواب الإشارة الى جريان الاستصحاب فيه دون الفرضين السابقين، فعلَّلَ عدم الإعادة بالاستصحاب لابتناء عدم الإعادة عليه، ولو باعتبار كبرى الإجزاء أو كبرى توسعة الشرط الواقعي للصلاة، وهذ يكفي في حُسن التعليل وعرفيته.
أقول: هذا وإن كان يُخفف من الإشكال إلا أنه لا يرفعه، إذ يبقى اشكال عدم الربط وعدم التناسب باقياً على حاله مع فرض عدم ارتكازية الكبرى وعدم وضوحها في ذهن المخاطب.