47/12/03
الموضوع: الأصول العملية/ الاستصحاب/ أدلة الاستصحاب
تقدم أنَّ الاحتمال الأول يستلزم الحذف والتقدير وهو خلاف الأصل، فمن هنا قد يرجح الاحتمال الثاني عليه، إذ لا حذف فيه ولا تقدير، وذكرنا أنَّ الاحتمال الثاني يمكن تصويره بنحوين:
النحو الأول: أن تكون الجملة خبرية ويراد بها الإنشاء جداً، والمُنشأ هو إما لزوم العمل على طبق اليقين السابق، وإما التعبد باليقين السابق.
النحو الثاني: أن تكون الجملة خبرية ويراد بها الإخبار جداً، والإخبار يكون عن اليقين السابق، ويكون المقصود التنبيه على وجه الحكم بعدم وجوب الوضوء، وأنه مع عدم اليقين بالنوم يكون شاكاً في الناقض، لكنه على يقين سابق من وضوئه، ولا ينقض اليقين بالشك، بل ينبغي البناء على اليقين السابق.
والحاصل: أنَّ جملة (فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ) جملة خبرية يراد بها الإخبار عن كونه على يقين سابق من وضوئه، ولا يقين بارتفاع هذا اليقين، بل هو مشكوك الارتفاع فتتمم أركان الاستصحاب، ولذا رتب عليه قوله (ع) (وَلَا تَنْقُضِ الْيَقِينَ أَبَداً بِالشَّكِّ)، فالتعبد باليقين السابق يستفاد منه.
ومما يرجح الاحتمال الثاني على الأول هو أنَّ جملة (وَلَا تَنْقُضِ الْيَقِينَ أَبَداً بِالشَّكِّ) تكون تكراراً صرفاً لجملة (فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ) بناءً على النحو الأول، لأنها تكون جملة خبرية يراد بها الإنشاء - أي إنشاء التعبد ببقاء اليقين السابق - فلا فرق حينئذٍ بينها وبين جملة (وَلَا تَنْقُضِ الْيَقِينَ أَبَداً بِالشَّكِّ) فيلزم التكرار، وأما إذا حملناها على الإخبار فلا يلزم ذلك، لأنَّ التعبد ببقاء اليقين السابق يستفاد من جملة (وَلَا تَنْقُضِ الْيَقِينَ أَبَداً بِالشَّكِّ) لا من جملة (فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ).
نعم قد يُشكل على النحو الثاني بما ذكره المحقق الخراساني من عدم الارتباط بين الجزاء والشرط، لأنَّ كونه على يقين من وضوئه لا يترتب على عدم اليقين بالنوم كما لا يخفى.
جواب السيد الشهيد:
وأجاب عنه السيد الشهيد بأنَّ اشتراط ترتب الجزاء على الشرط في الجملة الشرطية المتعارفة صحيح والمراد به الترتب الثبوتي الواقعي، كترتب وجوب الاكرام على مجيء زيد في جملة (إن جاءك زيد فأكرمه)، وأما الجملة في محل الكلام فالترتب فيها إثباتي، فلا يعتبر فيها ذلك، والمعنى: (وإن لم يستيقن أنه قد نام فالدليل على عدم وجوب الوضوء هو أنه كان على يقين سابق فشك، ولا ينقض اليقين بالشك)، كما إذا فرضنا أنه قال: (إن لم يثبت وجوب صلاة تحية المسجد فالدليل على عدم وجوبها هو البراءة)، فالتفريع هنا في مقام الاثبات، أي بيان الدليل الدال على الحكم المذكور.
ومن هنا يظهر أنَّ أقرب الاحتمالات المتقدمة هو الاحتمال الثاني لكن بالتفسير الثاني، بأن يراد بجملة الجزاء الإخبار عن اليقين السابق بالحدوث ولا يقين بارتفاعه، ولا ينقض اليقين بالشك.
ولا يرد عليه محذور الحذف والتقدير، ولا محذور عدم الارتباط والترتب بناءً على أنَّ الترتب في المقام إثباتي، ولا يرد عليه محذور دخول الواو على الجزاء، لأن الجزاء هو (فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ)، ولا محذور أنَّ الجملة الاسمية لا تستعمل في مقام إنشاء الطلب.
ومن هنا يظهر تقريب الاستدلال بها على الاستصحاب، وذلك باعتبار أنَّ الامام (ع) فرض في الجواب عدم اليقين، أي فرض الشك في النوم وهو يلازم الشك في بقاء الحالة السابقة، وضم إليه كونه على يقين سابق بالوضوء، ثم قال (وَلَا تَنْقُضِ الْيَقِينَ أَبَداً بِالشَّكِّ) الذي يُفهم منها لزوم البناء على اليقين السابق.
ثم يقع الكلام في أنَّ هذه الصحيحة هل تدل على الاستصحاب في جميع الموارد من دون اختصاص بباب الوضوء، أو أنها تدل على الاستصحاب في باب الوضوء فقط من دون اختصاص بموردها الخاص - أي من جهة النوم -، أو أنها تدل على الاستصحاب في موردها مع الاختصاص بالنوم؟
وللجواب عن هذا السؤال لابد من الرجوع الى الاحتمالات الثلاثة المتقدمة:
أما على الاحتمال الأول فقد يقال بناءً عليه يكون ظاهر الصحيحة اختصاص الاستصحاب بباب الوضوء، ولا يشمل الأبواب الأخرى، لأنَّ قوله (ع): (فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ) فُرض كونه علة للجزاء المحذوف، ويظهر منه أنَّ العلة للجزاء المقدر مركبة من صغرى وكبرى، الصغرى: (فإنه على يقين من وضوئه)، والكبرى: (ولا ينقض اليقين بالشك)، ومن الواضح أنه لابد من اتحاد الأوسط المتكرر في الصغرى والكبرى، فإنَّ الأوسط إن كان مطلقاً في الكبرى فلابد أن يكون كذلك في الصغرى، وإن كان مقيداً فيها فكذلك في الصغرى، ولا يصح أن يكون الأوسط مطلقاً في إحدى المقدمتين ومقيداً في الأخرى، بل يكون القياس عقيماً، وفي المقام فرض في الصغرى اليقين بالوضوء، فلابد أن يكون مأخوذاً في الكبرى، أي (ولا ينقض يقينه بالوضوء بالشك) فتختص باب الوضوء.