« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

47/08/19

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

كان الكلام في جواب المحقق النائيني عن الوجه الثالث، وحاصله:

إنَّ قاعدة (لا ضرر) حاكمة على الأحكام الأولية الثابتة في الشريعة، فهي ناظرة الى أدلتها وموجبة لقصرها على غير موارد الضرر، ومن الواضح أنَّ ذلك يقتضي ثبوت الحكم في مرتبة سابقة على القاعدة لتقدم المحكوم رتبة على الحاكم، وعليه فالقاعدة تجري بالنسبة الى تصرف المالك وسلطنته لكونه ضررياً، والصحيح أنَّ مقتضى الأدلة الأولية هو جواز هذا التصرف للمالك فيُرفع بالقاعدة لأنه ضرري بالنسبة الى الجار ويثبت التحريم، وهذه الحرمة المتولدة من تطبيق القاعدة لا تُرفع بالقاعدة ولا تكون موضوعاً من جديد للقاعدة.

وقد يدفع هذا الجواب بالالتزام بانحلال نفي الضرر الى أفراد متعددة بعدد أفراد الأحكام الضررية، كما هو الحال في القضايا الحقيقية، فيكون النفي المتعلق بالحكم الناشئ من قاعدة (لا ضرر) غير النفي المتعلق بالحكم بالجواز الذي ينشأ منه الحكم الضرري، وهذا نظير شمول (صدق العادل) لخبر الشيخ الكليني وخبر محمد بن اسماعيل المتولد من شمول دليل الحجية لخبر الشيخ الكليني.

وقد أشار المحقق النائيني قده الى رد ما ذُكر بما حاصله:

أنَّ هذا إنما يُعقل إذا لم تكن القضية الحقيقية مسوقة مساق النظر والحكومة على الأدلة الأولية كما في (صدق العادل)، وأما إذا كانت كذلك كما هو الحال في قاعدة (لا ضرر) فلا يُعقل فيها ذلك لأنها ناظرة الى أدلة الأحكام المجعولة في الشريعة وحاكمة عليها وموجبة لاختصاصها بغير موارد الضرر، وهذا إنما يُعقل بالنسبة الى الحكم بالجواز لكونه حكماً مجعولاً في الشريعة بدليله، ولا يُعقل بالنسبة الى الحرمة المتولدة من شمول القاعدة للجواز.

والنكتة في جوابه هي أنَّ الحكم المجعول في الأدلة الأولية إما هو الجواز وإما هو الحرمة، وعلى كلا التقديرين لا يتحقق تعارض الضررين.

ثم يقول: نعم لو كان مفاد القاعدة نفي الحكم الضرري من دون نظر الى أدلة الأحكام الأولية فلا مانع من شمولها لجواز التصرف وحرمته معاً.

ويلاحظ عليه: أنَّ مفاد قاعدة (لا ضرر) هو نفي الحكم الضرري، ويكون نظرها الى الشريعة ككل وتقول بأنَّ هذه الشريعة ليس فيها حكم ضرري، وتنفي وجود الحكم الضرري فيها حتى إذا تولد من نفس القاعدة، لأنه يصبح حكماً ضررياً في الشريعة وموضوعاً جديداً لنفي الضرر في القاعدة، ولا يلزم أن تكون ناظرة الى شخص أدلة الأحكام الأولية حتى يقال بأنه يستحيل أن تشمل الحكم المتولد منها.

ومنه يظهر تمامية الوجه الثالث - أي تعارض الضررين - ومقتضاه عدم جريان القاعدة لنفي جواز تصرف المالك إذا كان ضرراً على جاره، لأنه معارض بجريانها لنفي حرمة ذلك التصرف لكونه ضرراً على المالك، وبعد التساقط يُرجع إما الى قاعدة السلطنة - على فرض وجود إطلاق فيها يشمل محل الكلام - وإما الى الأصول المؤمنة، والنتيجة هي جواز التصرف المضر بالجار إن كان منع المالك ضررياً عليه، وأما إذا لم يكن ضرر عليه فتجري القاعدة في حق الجار فقط وتثبت حرمة على المالك.

هذا كله إذا فرضنا إطلاق دليل السلطنة وشموله لجميع التصرفات حتى ما كان موجباً للإضرار بالغير، فإنه حينئذٍ يجري هذا الوجه، وأما إذا منعنا إطلاق دليل السلطنة وقلنا إنه لا يتكفل إلا جعل السلطنة في الجملة، فحينئذٍ يكون دليل السلطنة قاصراً عن الشمول للمقام، ويترتب عليه عدم جريان هذا الوجه، لأنَّ الحكم الذي تجري فيه القاعدة هو الحرمة لكونها ضررية على المالك.

وأما جواز التصرف المضر بالجار فقد عرفتَ عدم ثبوته بدليل، فلا معنى لجريان القاعدة حتى يتحقق التعارض، وعليه يثبت جواز التصرف للمالك.

قد يقال: بأنَّ الحرمة وإن كانت تستلزم الضرر بالنسبة الى المالك لكن عدمها يستلزم الضرر على الجار فيقع التعارض بين الضررين، حتى لو أنكرنا إطلاق دليل السلطنة، ولكن هذا بناءً على شمول القاعدة للأحكام العدمية كما تقدم.

 

logo