1404/10/21
بسم الله الرحمن الرحیم
"نکتة في العلل التعبدية"
قد عرفت ان العلل المذكورة للحكم على قسمين:
الاول العلة الارتكازية و هي التي يقبلها العرف و يفهم عليتها للحكم و يكون ذكرها مُقرّبا للحکم الی اذهان العرف
الثانی العلة التعبدية و هي التي لايفهم الناس ارتباطها مع الحكم و يتحيرون بعد ذكر العلة لهم في كيفية عليتها لذلك الحكم.
و قد ذكرنا انه قد يتسائل عن وجه ذكر العلة التعبدية في كلمات الائمة المعصومين عليهم السلام و على اعدائهم لعنات الله تعالى مع ان ذكر تلك العلة لایوجب قُرب الحکم الی اذهانهم و لایکون دخیلا فی تخضعهم لذلک الحکم و لذا یکون ذکرها کعدم ذکرها بل یکون ذکرها اسوء من عدم ذکرها لان الناس حینما سمعوا الحکم یقولون فی انفسهم ان ذلک الحکم تکون له علة غاية الامر لانطلع عليها بحيث انا لو اطلعنا عليها لوجدناها كافية لاثبات الحكم، و لكن اذا ذُکرت لهم علة الحكم بنحو العلة التعبدية التي لايرون لها دخلا في الحكم و لا ارتباطا بينهما قالوا ان ذلك الحكم لا دليل عليه لانّ علّته ذُکرت لنا و لاتکون تلک العلة مرتبطة لذلك الحكم اصلا و لذا يصير حال ذكر العلة حينئذ اسوء من حال عدم ذكرها.
و قد ذکرنا وجها لذکر العلة التعبدية و هو اختبارهم و امتحانهم كى يتميز الخبيث من الطيب و المسلّم من غیره. هذا مضافا الی ان نفس ذکر العلة يوجب اقتناع الناس، مثلا اذا قيل للناس "قفوا في الصف لانه حسنٌ" بدل "قفوا في الصف" تكون الجملة الاولى اقرب لاقتناع الناس بالحكم و ان كانت العلة فيها تعبدية فان نفس ذكر العلة توجب اسهلية اقتناع الناس بالحكم.
ان قلت لماذا لم تُذكر العلة بنحو يوجب اقتناع الناس بنحو كامل بان تُذکر العلة الاصلية الحقيقية التي تكون ارتكازية و لماذا عدل الامام عليه السلام عنها الى ذكر العلة للتعبدية
قلت انه لايبعد ان يكون الوجه في ذكر العلة التعبدية عدم طاقة الناس لذكر العلة الاصلية الحقيقية و عدم تحملهم لها لضعف عقولهم. و لذا قد جاءت في الروايات الشريفة ان مولانا الحجة ارواحنا لتراب مقدمه الفداء يضع يده بعد ظهوره على رووس الناس فتكمل عقولهم و يتهيئون حينئذ لاستماع المعارف العالية الحقة و اما قبل ظهوره الشريف فلاتتم العقول فلا طاقة لهم لاستماع كثير من تلك المعارف العالية.
ثم انك عرفت عدم الاشكال في جانب الحرمة التكليفية للبس الذهب فانه اجماعي لم يقع الاختلاف فيه. و لكن هل تكون الصلاة فيه باطلة او لا؟
قد اُستدل علی البطلان بموثقة عمار بن موسى "و لايصلي فيه" فان النهى عن الصلاة فيه يكون ظاهرا في الارشاد الى المانعية فتبطل الصلاة فيه. و دعوى كون النهى عن الصلاة فيه دالا على الحرمة التكليفية لا ارشادا الى الحكم الوضعي فلاتكون الصلاة فيه باطلة بل انما يكون لبسه حراما مطلقا و لو في حال الصلاة غير مسموعة لان هذا خلاف الظاهر جدا فان النهى عن ايقاع العبادة بكيفية مخصوصة يكون ظاهرا في الارشاد الى المانعية كما لايخفى.
و قد استدل العلامة قدس سره على بطلان الصلاة فيه _و لو على تقدير القول بعدم كون النهى المزبور ارشادا الى المانعية_ بوجهين:
الوجه الاول أنّ استعمال الذهب حرام، و إيقاع الصلاة فيه بنفسه مصداق للاستعمال فيحرم و تفسد الصلاة لدلالة النهي عن العبادة على الفساد.
و قد اورد عليه المحقق الخويي أوّلاً بأنّه لا دليل على حرمة مطلق الاستعمال، ولذا يجوز اقتناء الذهب و أخذه، و كذا صرف النقود الذهبية بلا إشكال، و إنّما الثابت بمقتضى النصوص المتقدّمة حرمة لبسه فقط دون سائر الاستعمالات.
و ثانياً أنّ الصلاة بنفسها ليست مصداقاً للاستعمال و لا اللبس لعدم كون ذلك من أجزائها و لا شرائطها، فهو أجنبي عن حقيقة الصلاة بالكلّية، بل غايته أنّ الاستعمال من مقارنات الصلاة و ملابساتها، نظير النظر إلى الأجنبية حال الصلاة، فلا تسري حرمته إليها قطعاً كما هو ظاهر جدّاً.
الوجه الثانی ان الصلاة مشروطة بالستر فلامحالة ينبسط الامر بالصلاة الى الشرط ايضا مع ان الستر بالذهب يكون حراما فلايكون مصداقا للماموربه و لذا لابد من ان يتقيد الامر بالستر في الصلاة و يختص بالستر بغير الذهب فلايكون الستر بالذهب مامورا به و لذا تكون الصلاة مع الستر بالذهب كالصلاة عريانا فتبطل.
و اورد المحقق الخويي على هذا الوجه ايضا بايرادين:
الايراد الاول ان هذا لو تم انما يكون مختصا بالساتر الفعلي اى الساتر من الذهب الذي يكون ساترا فعلا للعورة؛ و اَما غیره مثل ان يتختم بخاتم من الذهب فلا لانه لايكون مصداقا للساتر الذي امر الله تعالى به في الصلاة. فالدليل اخص من المدعى.
الايراد الثاني انا لانسلم كون الشرط مامورا به فان الامر لاينبسط الا على الاجزاء و لاينبسط على الشرائط فان الشرط بذاته ليس داخلا في الماموربه و انما يكون الداخل هو التقيد به و لذا اشتهر ان الشرط عبارة عما يكون التقيد به داخلا في الماموربه مع خروج القيد بذاته عنه. و لذا لو طهّر المکلف ثوبه من الخبث بماء مغصوب لصحت صلاته مع ان الطهارة من الخبث شرط للصلاة لانّها ليست بذاتها مامورابها كى يقال ان مايكون حراما منها اى الطهارة بالماء المغصوب لايمكن ان يكون مصداقا للماموربه فانّ الطهارة عن الخبث لاتكون مامورا بها اصلا بل الماموربه تقيد الصلاة بها فمايكون حراما اى ذات القيد لايكون مامورابه و مايكون مامورابه اى التقيد لايكون حراما لان الحرام هو ذات القيد لا التقيد. و هكذا الامر فيما اذا لبس لباسا مندرسا رياء فان الصلاة فيه صحيحة لان الستر لايكون بذاته مامورابه حتى يقال ان الحرام من الستر لايمكن ان يكون مصداقا للماموربه بل الماموربه هي الصلاة المتقيد بالستر و لايخفى انه اذا اوقع الصلاة في الستر الذي لبسه رياء فانما ارتكب الحرام بالنسبة الى القيد الذي لايكون مامورابه لا التقيد الذي هو الماموربه.
اقول:
ان الامر و ان كان متعلقا بالتقيد دون القيد فيكون تركيب الستر بالذهب مع الماموربه _و هي الصلاة المتقيدة بالستر_ تركيبا انضماميا لا اتحاديا و لكن لايمكن الامر بذلك التقيد اذا حصل في ضمن الفرد الحرام اى الستر بالذهب فلابد من ان يتقيد بالستر بغيره. و لايمكن تصحيحه الا بالترتب و لكن المحقق الخويي لايقول بامكان الترتب في امثال المقام للمحذور الاثباتي لان الامر الترتبي لابد من ان يكون هكذا "لاتلبس الذهب و ان عصيت و لبسته فصل" و هذا لايدل عليه الدليل اثباتا لان الدليل انما يدل على الامر بالصلاة متسترا لا مطلقا و لايخفى ان الامر بالصلاة متسترا في فرض حصول الستر لغو. فما يدل عليه الدليل لاينطبق على المقام و ما ينطبق على المقام لايكون عليه دليل اثباتا. و لذا ترى انه قدس سره اختار البطلان في الصلاة في الثوب المغصوب لانه قال هناك ببطلان الصلاة فيه ببيان ان الستر هو الماموربه و لايمكن ان يكون الفرد الحرام منه مامورابه و لذا لابد من ان يتقيد الستر في دليل الامر و يختص بغير المغصوب. و لايمكن تصحيحه ترتبا بان يقول الشارع : "لاتلبس المغصوب و ان عصيت و لبسته فصل" فان هذا و ان لم يكن فيه محذور ثبوتي و لكن يكون فيه محذور اثباتي لانه لايكون بين ايدينا دليل دل على الامر بالصلاة وحدها خالية عن التقيد بالتستر بل الدليل يدل على الامر بالصلاة متسترا و لايخفى ان الامر المزبور لايصح في فرض العصيان بواسطة ستر المغصوب لان الامر بالصلاة متسترا في فرض حصول الستر لغو. نعم يتجه القول بالصحة بناء على ما سلكنا من وجود الدليل على الامر بالصلاة مطلقا ك "اقيموا الصلاة".
لايقال ان الدليل المزبور يتقيد بما دل على لزوم التستر في الصلاة فيعود المحذور الاثباتي حينئذ
فانه يقال ان القدر المتيقن من التقييد ما اذا لم يكن لابسا للساتر فان المطلقات تتقید فی هذه الصورة بدليل لزوم الستر و اما اذا كان لابسا للساتر فلا دليل على تقيد الاطلاقات الدالة على الامر بالصلاة في هذه الصورة ايضا و لذا تبقى على اطلاقها فيتم الامر التربي حينئذ فتصح صلاته. و قد ذكرنا في محله تصحيح الصلاة بالامر الترتبي بنفس البيان المذكور و لو بالنسبة الى الاجزاء اى ما اذا كان التركيب اتحاديا مثل الصلاة في الدار المغصوب فان السجود فيه متحد مع الغصب فانّ للشارع ان یامر باقل القبیحین فانه یری ان للغصب مصداقين: الغصب فی ضمن الصلاة و الغصب في ضمن غیرها و حيث ان هذا الفرد الثاني يكون اقل قبحا من الاول و اراد المكلف ان يغصب فيامر به ترتبا فتصح الصلاة في الدار المغصوب.
ثم انّ المانع ربما یاتی من جهة حرمة الشئ من باب استحالة اجتماع الامر و النهى كالصلاة في الدار الغصبي و ربما ياتي من غير هذه الجهة كالقهقهة فانه لاتكون حراما و لكن اخذها الشارع مانعا للصلاة؛ فاذا كان المانع من قبيل الاول انتفى في مثل موارد الاضطرار و لذا اذا اضطر الى الصلاة في الساتر الغصبي بواسطة تهديد السلطان بانه لو لم يصل فيه لقتله لصحت صلاته لان الاضطرار رافع للحرمة فلم يكن الغصب حينئذ مانعا لان مانعيته انما تُنشا من حرمته فاذا ارتفعت الحرمة بالاضطرار ارتفعت مانعيته فتصح صلاته. و هذا بخلاف مثل القهقهة فان القهقهة تبطل الصلاة و لو فيما اذا اضطر الشخص الى القهقهة بحيث لايتمكن من حفظ نفسه عنها لان الاضطرار انما يرفع الحرمة و لاتكون مانعية القهقهة ناشئة من حرمتها حتى ترتفتع بارتفاعها. نعم یمکن الاستناد الی حدیث لاتعاد للقول بصحة الصلاة حينئذ.
ثم قال الماتن قدس سره:
"و لا فرق بين أن يكون خالصاً أو ممزوجاً ".
فافتى بالحرمة التكليفية و الوضعية سواء كان الملبوس هو الذهب الخالص او الممزوج بغيره. و لكن المحقق الخويي قدس سره قال ان المزج بغير الذهب ربما يكون قليلا بحيث يصدق عليه اسم الذهب بالقول المطلق _كما هو المتعارف فان القلادة و القرط و نحوها تكون ممزوجة بمقدار من غيره_ فهذا يكون لبسه حراما و مبطلا للصلاة. و اخرى ما لو امتزج الذهب مع غيره بكميّة متساوية كما لو اُذيب مقدار من الذهب وما يعادله من النحاس، وامتزج أحدهما مع الآخر بحيث لم يصدق على الممتزج شيء من العنوانين. و هذا لايدل على حرمة لبسه دليل و لاتكون الصلاة فيه باطلة ايضا لانه لايصدق عليه لبس الذهب.أنّه لا دليل على حرمة اللبس في هذين القسمين، لعدم صدق لبس الذهب الذي هو الموضوع للحكم كما عرفت في شيء منهما، بل ما هو ذهب غير ملبوس، وما هو الملبوس لا يصدق عليه أنّه لبس للذهب، بل هو لبس شيء استعمل فيه الذهب في سداه أو لحمته، أو طلي بالذهب كما في التطريز، لا أنّه بنفسه لبس للذهب.
و ما يقال من أنّ من لبس ذلك يصدق عليه أنّه لابس للذهب، وإن لم يصدق الذهب على نفس اللباس لأنّه جزؤه لا كلّه، فلا ضير في عدم الصدق في الملبوس، مدفوعبأنّ هذه الاشتقاقات تتبع المبدأ في الصدق، و لا يختلف الحال فيها باختلاف الهيئات، فإذا لم يصدق على اللباس أنّه ذهب يكن الملبوس بنفسه مصداقاً له فكيف يصدق عنوان لبس الذهب، وأنّ المكلّف لابس للذهب. و أولى منه ما لو كان الذهب أقل من المزيج فكان مستهلكاً بحيث صدق عليه العنوان الآخر.
و قد يقال بان هذا و ان لم يكن حراما و لكن الصلاة فيه باطلة لشمول موثقة عمار الناهية عن الصلاة في الذهب لمثل ذلك إذ يصدق على من صلّى في ثوب مطرّز بالذهب أو كانت لحمته أو سداه منه أنّه صلّى في الذهب و إن لم يصدق انه لبسه.
و فيه ما لا يخفى فان كلمة«في» ظاهرة في الظرفية. فالممنوع إيقاع الصلاة في الذهب على وجه يكون الذهب ظرفاً لها، و حيث إنّ هذا على ظاهره لا محصّل له كما لا يخفى فيكون إسناد الظرفية إلى الذهب إسناداً مجازياً باعتبار كونه ظرفاً للمصلّي، فالمظروف حقيقة هو المصلّي، ولا يكون الذهب ظرفاً له إلا مع اشتماله عليه، ولو على بعضه، إذ لا تتحقّق الظرفية بدونه. ومن الواضح توقّف صدق الاشتمال على اللبس، فمجرد المصاحبة من دون صدق اللبس المستلزم لنوع من الاشتمال لا يحقق الظرفية بلا إشكال، فلا يصدق الصلاة في الذهب إلا إذا كان لابساً له.
و أمّا فيما لا يؤكل فإنّما رفعنا اليد عن ظهور كلمة«في» الواردة في قوله(عليه السلام)في موثقة ابن بكير: «فالصلاة في وبره وشعره وروثه وبوله وألبانه وكلّ شيء منه فاسدة...» إلخ في الظرفية، و حملناها على مطلق المصاحبة لمكان القرينة، وهي ذكر البول والروث والألبان، لعدم اتخاذ اللباس منها كي تكون ظرفاً للمصلّي، فلأجله تحمل على الظرفية الموسّعة الشاملة لمطلق المصاحبة فينتج بطلان الصلاة في المحمول والملبوس.و مثل هذه القرينة مفقودة في المقام، فلا مقتضي لرفع اليد عن ظهور«في» في الظرفية. فقياس المقام بذاك الباب مع الفارق.
ثم ان التزين بالذهب هل يكون حراما و ان لم يصدق عليه اللبس كما اذا اتخذ سناً من الذهب او لایکون حراما؟
قد اُستدل علی الحرمة برواية روح بن عبد الرحيم عن أبي عبد اللََّه(عليه السلام)قال«قال رسول اللََّه لأمير المؤمنين لا تتختّم بالذهب فإنّه زينتك في الآخرة». و قد عُبّر عنها فی کلمات بعض بالخبر المشعر بضعفها مع انه موثقة لان الروح بن عبدالرحيم وثقه النجاشي. و انما الكلام في دلالتها. و المحقق الخويي استشكل فيها بانه يُحتمل أن يكون الحكم من مختصّات أمير المؤمنين عليه السلام كما لا يأباه سياقها من توجيه الخطاب إليه(عليه السلام)خاصة.
لایقال ان مولانا امیرالمومنین و الائمة المعصومين سلام الله علیهم و لعنة الله على اعدائهم اجمعين لايكون لهم حكم مختص
فانه يقال انه يمكن ان يكون الحكم الاولى اباحة التزيين بالذهب و لكن يحرم بعنوان ثانوي و قد انطبق ذلك العنوان الثانوي العام على اميرالمومنين سلام الله عليه مثل ان يكون التزيين للامراء حراما حينما يعترضون عليهم الناس.