« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/12/03

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: حقيقة النسخ والتخصيص بين المتقدمين والمتأخرين

النسخ والتخصيص: مقدمة وتعريفات

إنَّ الاستثناء العرضي من الأفراد في عرضٍ زماني واحد هو ما يعبّر عنه بالتدريج في البيان، وهو حقيقة التخصيص. أما النسخ فهو أيضاً عند المتأخرين تخصيص زماني في عمود الزمان طولاً. فعندهم بين النسخ والتخصيص اشتراكٌ في كونه استثناءً؛ غاية الأمر أنَّ الاستثناء العرضي يصير تخصيصاً، والاستثناء الطولي في البعد الزماني يكون نسخاً. والتخصيص عندهم مَحْوٌ للعام في منطقة الخاص؛ فالتخصيص العرضي يمحو العام في أفراده، والتخصيص الزماني (النسخ) يمحوه في زمانه.

أما المتقدمون فعندهم أيضاً جهة اشتراك بين التخصيص والنسخ، ولكن حقيقة التخصيص عندهم -سواء أكان عرضياً أم زمانياً (وهو النسخ)- ليست المحو، بل هي تجميد للعام، وليست إزالةً له من أصل التشريع. بيد أنَّ هذه ليست هي الحكمة الأساسية، بل إنَّ الحكمة والفلسفة لذلك أمرٌ ثبوتيٌّ أعمق من ذلك.

فما هي الحكمة؟ الحكمة هي بيان أنَّ العام فيه اقتضاء المصلحة والتشريع حتى في مناطق الخاص. غاية الأمر أنَّه في مناطق الخاص، يغالب ملاك الخاص ملاك العام ويقوى عليه، فيكون من قبيل التزاحم. ولكن ليس التزاحم المصطلح في باب تعارض الأدلة، [1] وإنما هو تزاحم قد يُعبَّر عنه بـ “التزاحم الاقتضائي” في الملاكات، أو “التزاحم الملاكي” في مرحلة التقنين، فيُقدَّم ملاك الخاص على العام.

والحاصل: أنَّ السر الأكبر والفلسفة الكبرى في قولبة الشارع وتقنينه للأحكام بصيغة عام وخاص -في الصور الخمس التي مرت في بحث الدوران بين النسخ والتخصيص- ليس هو حبط العمل أو نحوه، وإنما هو لأجل بيان أنَّ العام فيه مقتضٍ والخاص من قبيل المانع.

وقد سبق أن شرحنا مبنى القدماء في حقيقة التخصيص، حيث يصفون العام والخاص بقاعدة “المقتضي والمانع”. وفي مباحث الأصول، يحاول بعض المتأخرين التفريق بين هذه القاعدة وقواعد أخرى شبيهة بها، كالرفع والدفع.

والخلاصة: أنَّ دأب القدماء هو اعتبار العام مقتضياً والخاص مانعاً، وتترتب على ذلك آثار مهمة في بابي الشبهات الموضوعية والحكمية.

**

مبنى المتأخرين: العام قالب صوري إثباتي

وعلى مبنى المتأخرين، ** ليس في لوح الواقع التشريعي عام وخاص. والسبب في ذلك: أنهم يقولون إنَّ الشارع لم يُرد ابتداءً إنشاء العام بدائرته الواسعة؛ لعلمه بأنه سيُخصَّص لاحقاً. وهنا تظهر مفارقة كبيرة بين المنهجين. فالمتأخرون يذهبون إلى أنَّه في الموارد التي سيَرِد عليها التخصيص، لم يشرع الشارع العام بعمومه ثبوتاً من الأساس، فكأنما التشريعات كلها خاصة ابتداءً. وإنما يأتي في مقام البيان بقالب العام والمخصصات كصورة شكلية.

والدليل على ذلك قولهم: إنَّه في مواضع تخصيص العام، ليست لدى الشارع إرادة جدية في إنشاء العموم ثبوتاً في منطقة الخاص. فإذاً، القولبة بإطار العام والخاص، أو طبقات العمومات والمخصصات، هي بحسب هذا المبنى مجرد قالب صوريٍّ إثباتي، وليست تشريعاً حقيقياً. نعم، هو تشريع ظاهري في مقام الدلالة، وظيفته الكشف والإحراز كأدلة الطرق، ولكنه ليس تشريعاً واقعياً ثبوتياً. فبحسب الواقع الثبوتي، لم يشرع الشارع العام بكل سعته. هذا هو محصّل كلام المتأخرين.

ويقول المتأخرون إنَّ العمومات والخصوصات هي قوالب ظاهرية إثباتية دلالية، وليست قوالب ثبوتية واقعية تشريعية. هذا هو لبُّ مبنى المتأخرين. ففي اللوح المحفوظ، أي لوح التشريع الثبوتي، ليس لدينا عام وخاص، أو مخصصات، أو انقلاب نسبة، بل أحكام خاصة متكثرة. نعم، في اللوح المحفوظ توجد الأحكام الظاهرية مقننة ومشرّعة، ولكن هذه المنظومة هدفها الكاشفية والطريقية والحكاية عن الواقع، وهي من سنخ حجية خبر الواحد وحجية الظنون المعتبرة، وكلها طرق إثباتية. أما التشريع الثبوتي الواقعي فليس مصوغاً بقالب العمومات والخصوصات، بل كله بقالب خصوصات.

والنتيجة: أنَّ التخصيص عندهم كاشف عن أنَّ العام لم يُشرَّع أصلاً في منطقة الخاص، فهو كاشف عن كون العام ممحواً في تلك المنطقة. وإذا كان العام ممحواً، فليس لدينا في عالم التشريع الثبوتي عمومات، بل خصوصات فقط.

إذن، عند المتأخرين، التشريعات كلها خاصة. وإنما عبّر الشارع بعمومات ذات دوائر متعددة، تسمى طبقات العموم، لأجل نظم الحكم الظاهري وعملية الاستكشاف. وهذا حاصل كلام الشيخ الأنصاري[2] وصاحب الكفاية، [3] حيث أسسوا للعموم ليكون مرجعاً إثباتياً استكشافياً ظاهرياً، لا تشريعاً ثبوتياً.

والصحيح هو ما عليه القدماء، من أنَّ العام قد شُرِّع ثبوتاً عاماً، ولهذه القولبة فلسفة تشريعية ثبوتية، وليست ظاهرية فقط. فطبقات العموم والخصوص عند القدماء هي كذلك ثبوتاً وإثباتاً، حقيقةً لا مجازاً. والسر في ذلك أنهم يقولون: إذا جاء الشارع بتشريع عام ثبوتاً، فإنَّ ذلك يدل على أنَّ ملاك العام موجود في كل أفراد دائرته. ومن ثمَّ، فإنَّ مراحل الإنشاء على مبنى القدماء قد تبلغ أربع مراحل، لا ثلاثاً أو اثنتين.

وهذا المطلب يجري حتى في النسخ، فحقيقته عند القدماء تختلف عنها عند المتأخرين. ولمن أراد الاطلاع على حقيقة النسخ عند القدماء، فليراجع كتاب البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي، [4] في الموارد التي ينكر فيها النسخ عن عشرات الآيات. وبالتدقيق في منهجه، نجده ينكر النسخ بالمفهوم المتأخر، وهو محو الحكم المنسوخ بالكلية. إذ يرى أنَّ الحكم في الآيات المنسوخة ليس ممحواً، بل هو “مُجمَّد”؛ أي إنَّ ملاكه باقٍ ولكنه غير مُفعَّل. وهذه هي حقيقة النسخ عند القدماء. فبالتدقيق، نجد أنَّ إنكاره ليس للنسخ بمفهوم القدماء (التجميد)، بل هو إنكار للنسخ بمفهوم المتأخرين (المحو)، وهو يقبل بالتجميد، وهذا هو عين النسخ القديمائي. وكلامه صحيح، فإذا كان مجرد تجميد، فهو ليس نسخاً بالمعنى الذي يرتضيه المتأخرون، لأنَّ حقيقة النسخ عندهم هي المحو.

فإذاً، عند القدماء، النسخ هو نوع من التخصيص الزماني، كما أنَّ التخصيص الاصطلاحي هو تخصيص أفرادي. وفي كليهما، ليس العام ممحواً في منطقة الخاص، بل هو مُجمَّد، وملاكه موجود ولكنه مغلوب. وعليه، فإنَّ منظومة العموم عند القدماء قد قُننت ثبوتاً على هيئة عمومات وطبقات، وهي منظومة مرتبة للإشارة إلى مراتب الملاكات.

والشاهد على ذلك الصورة الأولى من صور دوران الأمر بين النسخ والتخصيص، وهي ما لو صدر العام والخاص معاً في كلام واحد، كقوله: “أكرم العالم الفقيه العادل”. فهنا يتعين التخصيص. والإشكال: لماذا يعبّر الشارع بعام وخاص، وكان بإمكانه أن يعبّر بالخاص من الأول؟ الجواب عند القدماء: أنَّ في ذلك حكمة تشريعية، وهي بيان أنَّ لكل قيد دوراً في الملاك؛ فأصل العلم له دور، والفقه له دور زائد، والعدالة لها دور آخر. وعلى كلامهم، فإنَّ هذا التعبير ليس عبثاً، وإلا لقال من الأول: “أكرم الفقيه العادل”. فالتعبير بالعام أولاً ثم تقييده، هو لبيان نظام الملاكات ومراتبها. وهذا هو لبُّ بحث العام والخاص.

وقد أثرنا هذا البحث في بداية مباحث العام والخاص، وها نحن نعود إليه في نهايتها، إذ يلي ذلك بحث المطلق والمقيد.

فإنَّ لُبَّ البحث عند المتقدمين هو أنَّ الإنشاء ليس عبثاً جزافاً عندما يقول الشارع: عالم فقيه عادل غير فاسق، ونحو هذه التعبيرات؛ فهو يعبر بها ليبيّن أنَّ الملاك ذو درجات. فلِمَ يعبر بالخاص ابتداءً ما دام في التعبير بالعام والخاص حكمة؟

بينما عند المتأخرين، عندما يصدر العام والخاص معاً في كلام واحد، فإنَّ هذا يُعدُّ دليلاً خاصاً وليس دليلاً عاماً. ومقتضى ذلك أنَّ فلسفة تعبير الشارع بالعام والخاص وحكمته هي بيان نظام الملاكات وتجاذبها. وليس هذا بتفسير عجيب؛ فإنَّ المتأخر يرى أنَّ العام الذي يرد في كلام متصل به الخاص هو في حقيقته دليل خاص وليس دليل عام.

وأما القدماء فيقولون: لا، بل هو دليل عام، ويمكن التمسك به كما يُتمسّك بالعام الذي انفصل عنه الخاص. وهذا أمرٌ عظيم الشأن؛ لأنَّ الشارع قد بيّن لك أنَّ العام فيه ملاك. وهذا البيان ليس دليلاً خاصاً، فمن ذا الذي يقول إنَّه دليل خاص؟ إنَّما هو دليل عام تستطيع أن تتمسّك به في موارد تتعدى من عنده؛ لأنه عبر الشارع بتعبير عام. فلا فرق بين أن يعبر الشارع بعام ومخصص منفصل، وبين أن يعبر بعام ومخصص متصل، ففي كلتا الحالتين يمكن التمسك بالعموم، لا في الشبهة المصداقية للمخصص، بل لأنه عموم في أساسه.

والحكمة في بيان الشارع لنظام الملاكات هي أنَّ أصل هذا التشريع قائم على العموم الفوقاني، وهو: - أكرم العالم. - ثم يأتي: أكرم الفقيه. - ثم يأتي: أكرم العادل. - ثم تأتي: حرمة إكرام الفاسق مثلاً.

فإذاً عند القدماء، تكون الأحكام في لوح التشريع الثبوتي مرتبةً على هيئة طبقات وليست عرضية. أما عند المتأخرين، فالأحكام كلها من قبيل الخاص، فهي عرضية، وليس ثمة نظام طبقي أو مراتب في التشريع الثبوتي عندهم؛ فالتشريع الثبوتي لا يتصف بذلك، وإن كان الإثباتي كذلك. وعند المتقدمين، تكون مباحث العموم والخصوص ذات طبقات ومراتب ثبوتاً وإثباتاً.

والحاصل أنَّ هذا بحثٌ ذو استلزامات مهمة في مبنى القدماء، فرقاً عن مبنى المتأخرين. ويتفرّع على ذلك أيضاً البحث في الخاص المتقدم على العام، أو الخاص المتأخر عنه، وهلم جراً. فسواء قُدِّم الخاص وأُخِّر العام، أو العكس، فإنَّ كل هذه المنظومة بالصور الخمس التي مرت في الدوران بين النسخ والتخصيص، [5] ترتبط بأنَّ التقنين ثبوتاً هو ذو ملاكات وقوالب وموضوعات.

**

لوازم المبنيين وخاتمة البحث

وهنا يستتم كلام المتأخرين**، فالنتيجة التي يريدون أن يصلوا إليها هي أنَّ لدينا في الشريعة دائماً تدريجاً في البيان، وليس تدريجاً في التشريع. وهو تدريج في مراتب الوضوح: من بيان خفيٍّ، إلى ما هو أخفى، ثم إلى الخفي، ثم إلى الظاهر الضعيف، ثم إلى الأظهر، ثم إلى الأقوى ظهوراً، ثم إلى الأصرح، وصولاً إلى النص.

ومثال ذلك: تنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) إماماً في القرآن الكريم وفي أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم أو الأحاديث القدسية المتواترة، فقد أخذ هذا التنصيب مساراً تدريجياً في درجات البيان والظهور والوضوح، لا في أصل البيان أو أصل التشريع. وقد فصّلنا هذا البحث في عنوان “التدريج في الدرجات البيانية”، [6] وهو بحث مهم يشير إلى أهمية هذا النمط من البيان.

ومن هنا تُعرف حقيقة النسخ، فإنَّ الكلام هو الكلام؛ إذ حقيقة النسخ هي عين حقيقة التخصيص عند القدماء، غاية الأمر أنَّ التخصيص تجميد أفرادي، والنسخ تجميد زماني. هذه هي حقيقة النسخ عند القدماء، ويترتب عليه ثبوتاً منظومة كبيرة كما مرّ.

فهذا تمام الكلام في هذا المبحث، وقد بقي أمرٌ يتعلق بالعام والخاص، وهو بحث البداء، [7] وسنخوض فيه إن شاء الله قبل الانتقال إلى المطلق والمقيد.


 


[1] يُقصد بالتزاحم المصطلح هو تنافي حكمين في مقام الامتثال لضيق قدرة المكلف، مع إمكان تشريعهما معاً، كوجوب إنقاذ غريقين في آن واحد. أما التزاحم الملاكي أو الاقتضائي فيُقصد به تغالب الملاكات والمصالح والمفاسد في مرحلة التشريع نفسها قبل وصولها إلى المكلف.
[2] هو الشيخ مرتضى بن محمد أمين الأنصاري (1214-1281هـ)، من كبار فقهاء الشيعة في القرن الثالث عشر الهجري، ويُلقب بـ “خاتم الفقهاء والمجتهدين”.
[3] هو الآخوند محمد كاظم الخراساني (1255-1329هـ)، صاحب كتاب “كفاية الأصول” الذي يعد من أهم المتون الدراسية في الحوزات العلمية.
[4] هو السيد أبو القاسم بن علي أكبر الموسوي الخوئي (1317-1413هـ)، من أبرز مراجع الشيعة في القرن العشرين، وصاحب التصانيف الكثيرة في الفقه والأصول والتفسير.
[5] يُراجع تفصيل هذا المبحث في كتب الأصول، باب تعارض الأدلة، مبحث الدوران بين النسخ والتخصيص.
[6] في الأصل المفرّغ: “البنكية”، والظاهر أنه خطأ في التفريغ الصوتي، والصواب ما أثبتناه “البيانية”؛ لانسجامه مع سياق الكلام عن “درجات البيان” و”درجات الظهور والوضوح”.
[7] البداء: مصطلح كلامي وأصولي، يعني في الأصل الظهور بعد الخفاء. ويُبحث في علم الأصول في سياقات معينة تتعلق بالنسخ وتغير الحكم. ويُراجع تفصيله في مباحثه الخاصة من كتب الكلام والأصول.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo