47/11/23
الموضوع: التدريج في البيان والتشريع والتدبير وأثره في فهم النصوص
في مقام الجمع بين التخصيص والنسخ، اتفقت كلمة الأعلام في الصور الآتية على ألّا يحملوا الأدلة بعضها على بعضٍ حمْل العام على الخاص، بل يحملونها على التخصيص دون النسخ. وغاية الأمر أننا في الصورة الثالثة، حيث يأتي الخاص ويصدر بعد فوات وقت العمل بالعام، فالمفروض أن يكون ناسخاً له، ولكن مع ذلك يتعاملون معه معاملة التخصيص، ولو بعد العمل بعقودٍ أو قرون، كأنه صدر في آنٍ واحدٍ مع العام، مع أنه صدر بفاصلٍ زمنيٍّ تخلله العمل بالعام لمدة مديدة.
والوجه في ذلك: أنهم يبنون على قاعدة “تدريجية البيان”، ومفادها أن تأخير البيان عن وقت الحاجة -وهو هنا وقت العمل- ليس قبيحاً، مع أن قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة هو مقتضى القاعدة الأولية. فقاعدة تدريجية البيان تقلب الموازين رأساً على عقب، فبدلاً من الحكم بالنسخ، تُعامل الأدلة وكأنها صادرةٌ في زمنٍ واحد، مع أنها ليست كذلك، بل صدرت مع فاصلٍ يقتضي لزوم العمل بالعام.
وعلى هذا الأساس، ففي صور تقدم الخاص على العام مع فاصل العمل -وهي خمس صور- أو بدونه -وهي الصورة الرابعة-، يتعاملون معها معاملة التخصيص؛ أي يعاملونها معاملة ما لو صدرت في زمانٍ واحد، وأنها في لوح التشريع كانت معاً، وإن تفاوت زمن صدورها.
والسر في ذلك يرجع إلى قاعدة كلامية مختصة بمذهب الإمامية، سيتكرر ذكرها لاحقاً، ومفادها أن الأئمة عليهم السلام بمنزلة متكلمٍ واحد وناطقٍ واحد، فهم نورٌ واحد، وليسوا من قبيل الموالي العرفية. وقد ورد عنهم: «كَلَامُ أَوَّلِنَا كَكَلامِ آخِرِنَا»، وهي قاعدة ضرورية عندهم. فإجمالاً، نلاحظ أن هذه القاعدة الكلامية -التي ليست بأصولية ولا فقهية في أصلها- تؤثر تأثيراً مباشراً على علم الأصول وموضوعاته وأبوابه، ومن ثم على الفقه.
فالبيان تدريجيٌّ، وهذه التدريجية في البيان لا في التشريع، إذ لو كانت التدريجية في التشريع لكان المورد من النسخ، ويُبحث حينها: أيهما المتقدم؟ العام أم الخاص المتأخر عنه عملاً؟ فيكون الخاص ناسخاً للعام. وتأتي الصورة الخامسة على عكس الصورة الثالثة تماماً؛ فالصورة الثالثة يتقدم فيها العام ويُعمل به ثم يأتي الخاص، وأما الخامسة فيتقدم الخاص ويُعمل به ثم يأتي العام. وهاتان هما الصورتان الرئيستان، ومع ذلك قال الأعلام إن هذا ليس تدريجيةً في التشريع.
ولُبُّ البحث هنا هو بحثٌ أصوليٌّ كلاميٌّ عقائديٌّ، إذ يُبنى على كونها تدريجاً في البيان، كما هو الحال في بيانات الإمام الواحد (عليه السلام)، حيث تأتي منه العمومات أولاً ثم تتبعها بعض الخصوصات بفاصل عقودٍ من السنين. ويشهد لذلك تعبير زرارة نفسه في قوله: «إِنِّي لَأَسْأَلُكَ عَنِ الْحَجِّ مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَاماً فَتُفْتِينِي فِيهِ».[1] فمن الطبيعي أن الجلسات الأولى التي بيّن فيها الإمام الصادق (عليه السلام) الأحكام لزرارة لم تشتمل على جميع المخصصات. وقد مر بنا سابقاً أن علاقة المخصصات بالعام ليست على وتيرةٍ بسيطةٍ ساذجة من قبيل العام والمخصص المطلق، بل غالب العمومات تكون مع مخصصاتها على هيئة طبقات فوق طبقات، مما يؤدي إلى ما يُعرف بـ«انقلاب النسبة»، وهو من أعقد مباحث عالم الدلالة، وهو وإن كان في صورته شبيهاً بالتعارض، إلا أنه في حقيقته خارجٌ عنه.
وانقلاب النسبة له صورٌ متعددة، قد تبلغ خمساً أو تزيد وتنقص بحسب المسائل. إذ تتعقد النسبة بين الأدلة، فيُتساءل: أيها الخاص المطلق؟ وأيها الخاص النسبي؟ وأيها العام المطلق؟ وأيها العام النسبي؟ وكم طبقةً من العام لدينا؟ وكم طبقةً من الخاص؟
فالحاصل: أن هناك فرقاً بين التدريجية في التشريع والتدريجية في البيان، والمبنى المعتمد هو التعامل مع بيانات الأئمة الاثني عشر عليهم السلام على أنها تدريجيةٌ في البيان لا في التشريع، إذ إنهم يبيّنون ما هو ثابتٌ في لوح التشريع الذي كان عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم.
تنبيه: يجب الالتفات إلى أن بحثنا هنا في التدريج في التشريع والتدريج في البيان، وهذا يختلف عن سنخٍ ثالث وهو التدريج في التدبير، وهو ما يُعبَّر عنه بالحكم الولائي أو السياسي، وهو قانونٌ سياسيٌّ يغاير القانون التشريعي الثابت، فهو إجراءٌ مؤقتٌ تدبيريٌّ سياسيٌّ. والخلط بين هذه السنوخ يؤدي إلى التخبط.
إنما بيانهم عليهم السلام، وإن كان فيه جنبة تشريع كما مر بنا من أن لهم ولاية التشريع، إلا أن الكلام في أن جل ما يبينونه ليس تشريعاتٍ ابتدائية منهم، بل هو مستندٌ إلى آياتٍ غفل عنها الأولون والآخرون، أو أحاديث نبوية كذلك، لولا الأئمة عليهم السلام لما التفت إليها أحد. فهذه بياناتٌ واضحةٌ، وهي من قبيل التدريج في البيان لا في التشريع، وتختلف كذلك عن التدريج في التدبير الذي هو بابٌ آخر، وقد يكون التدبير ثابتاً، وهذا مبحثٌ آخر.
وقد نُقل عن السيد السيستاني حفظه الله، قبل ما يربو على خمسة وثلاثين عاماً، أنه يلتزم بأن الأصل في تدبيرات أهل البيت عليهم السلام هو الثبات. فقد أراني المرحوم السيد هاشم الهاشمي[2] تقريراته لبحث التعارض للسيد السيستاني، وكان السيد هاشم من الطبقة الأولى من تلامذته، فذكر أن الأصل في الأحكام الولائية والسياسية والتدبيرية الصادرة عن النبي وأهل بيته عليهم السلام هو الثبات، وأن كونها مؤقتةً يحتاج إلى دليل، مع العلم اليقيني بأنها من سنخ التدبير قطعاً وليست من سنخ التشريع الثابت. وهذا مطلبٌ لا بأس به. فدولة الأئمة عليهم السلام من بعد الرسول، بوصفهم أوصياء له ووزراء، ليست كبقية الدول. وهذا التعبير المنقول عن السيد جيدٌ، وهو أن الأصل الأولي في الأحكام التدبيرية والولائية والسياسية والتنفيذية هو الثبات، والعهدة في النقل على المقرر.
ومثال ذلك: ما ورد من أن النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحاب الكساء عليهم السلام قد أحلّوا لشيعتهم بعض الموارد، بمعنى إبراء ذمتهم، لا من الخمس مطلقاً، بل في ثلاثة موارد ذكرها المشهور: - المورد الأول: في باب التجارات والمعاملات مع من لا يخمّس، سواء كان من العامة أو الخاصة، فإن المرء يبتلى بذلك. فهذا المورد مما أُحلّ لشيعتهم، فقيل: «لك المهَنَأُ وعليه الوِزْرُ».[3] - المورد الثاني: المهور والأطعمة وتأثيرها في تكوين النطف. فإذا كان بعض المؤمنين غير ملتزمين بأداء الخمس، فإن أكل طعامهم لا يكون حراماً، ومهر نسائهم لا يكون حراماً، فتكون نطف أولادهم طاهرة. - المورد الثالث: في عبادات العاصي الذي لا يلتزم بالخمس، فكيف تصح صلاته في ثوبه وحجه وغير ذلك؟ فالعلماء تخفيفاً ينقلون الخمس من العين إلى الذمة، أو في الإرث وموارد أخرى.
فالنبي (صلى الله عليه وآله) وأصحاب الكساء ومن بعدهم بقية الأئمة عليهم السلام، أحلّوا ذلك لشيعتهم حتى للعصاة منهم في هذا الجانب. وليس هذا بمعنى براءة ذمته من الخمس، بل ينتقل الخمس من العين إلى الذمة، وهو ما يعبّر عنه بالمداورة أو المصالحة، والنصوص بذلك موجودة.
فالحاصل أن هذه الموارد الثلاثة المذكورة في النصوص ليست إسقاطاً للخمس، بل هي من قبيل التدبير لا التشريع، وهو ما يمكن أن يسمى تدبيراً ثابتاً. وقد تابع بقية الأئمةِ سيدَ الأنبياء وأصحابَ الكساء عليهم السلام في هذا التدبير، فهو تدبيرٌ وليس تشريعاً.
والشاهد على ذلك: أن الأئمة من ولد الحسين عليهم السلام كانوا يأخذون الخمس، فلو كان التحليل إسقاطاً له فكيف كانوا يأخذونه؟ بل إن الإمام الجواد (عليه السلام) ربما عفا عن الشيعة في الخمس في سنةٍ من السنوات، ثم أخذه منهم في سنةٍ تالية أو سابقة.[4] فهذه كلها تدبيراتٌ وليست تشريعات، والتدبير شيءٌ والتشريع شيءٌ آخر. فقولهم عليهم السلام: «أَحْلَلْنَا لِشِيعَتِنَا»[5] في الموارد الثلاثة المنصوصة، ليس بمعنى الإسقاط، بل هو تدبيرٌ وليس تشريعاً.
ومما يؤكد ذلك أن صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وكذلك نوابه الأربعة، كانوا يأخذون الأخماس، كما هو من ضروريات تاريخ مذهب الإمامية. وغاية الأمر أن صاحب العصر عجل الله فرجه، كآبائه وأجداده عليهم السلام، قد خفف في الموارد الثلاثة المذكورة تدبيراً، فالكلام هو الكلام.
فمن لا يميز بين التدبير والتشريع والبيان، تختلط عليه الأمور. وهذا المبحث ليس بالسهل، بل هو مبحثٌ يلقي بظلاله ويهيمن على أبواب الفقه كلها. فلا بد من التفريق بين التدريجية في البيان، والتدريجية في التشريع، والتدريجية في التدبير؛ فهي أصناخٌ مختلفة لا ربط بينها. وكذلك يجب التمييز بين الحكم التشريعي الفتوائي، والحكم التشريعي القضائي، والحكم القضائي التطبيقي، والحكم التدبيري السياسي.
مثال آخر: ظنّ العامة أن تحريم النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم للحوم الحمر الأهلية كان تشريعاً، وقد رد عليهم أئمة أهل البيت عليهم السلام بأن هذا لم يكن تشريعاً. وكما نُقل عن السيد السيستاني حفظه الله في تقريراته التي دوّنها السيد هاشم الهاشمي، فإن هذا التحريم كان تدبيرياً، إذ لا مفسدة في لحم الحمر ذاته تقتضي تحريمه تشريعاً. وإنما كان التحريم من باب الحفاظ على آليات الحرب، إذ كانت الخيل والحمير من أهمها، فلا ينبغي استئصالها بالأكل.[6]
فهذه النقاط مما ينبغي الالتفات إليه، وهي التمييز بين حقيقة التشريع والتدريج فيه، وحقيقة البيان والتدريج فيه، وحقيقة التدبير والتدريج فيه.
والإشكال: أنَّه ما هو الأصل الأولي لو دار الأمر بين كون الحكم بياناً، أو تشريعاً، أو تدبيراً؟ والجواب: أنَّ هذا بحث آخر يحتاج إلى تنقيح، وتعيين الضابطة للدوران بين هذه الأمور. وهذا المبحث مطروق في مظانّه، حتى إنَّ السيد السيستاني[7] (حفظه الله) في بحث التعارض قد تطرّق إليه بقلم السيد هاشم الهاشمي[8] عندما أعطاني تقريره، وهو بحث لا بد من الخوض فيه. وبالجملة، فإنَّ للمسألة أقساماً وأنواعاً.
وبتعبير السيد (حفظه الله) -كما نُقل قبل قليل- فإنَّ الأصل الأولي في الحكم التدبيري هو الثبات والاستمرار، وأنَّ كونه مؤقتاً يحتاج إلى دليل. وهذه نكتة لطيفة: وهي أنَّ ولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) وسلم فوق ولاية كل أحد، وولاية الأئمة عليهم السلام فوق ولاية الفقيه أو الفقهاء أو القاضي وهلم جرّاً؛ فما لم يرخّصوا في رفع تدبيرهم، فإنَّ ولايتهم وتدبيرهم ماضٍ علينا. وهذه قاعدة جيدة جداً، وهي ولاية متقنة ولامعة.
وعلى أي حال، ينبغي الالتفات إلى هذا المطلب، وهو أنَّ عندنا تدريجية في البيان لا في التشريع. والشاهد على ذلك: القرآن نفسه؛ فإنَّ تحريم الخمر مثلاً، وإن لم يكن بيانه تاماً منذ اليوم الأول للبعثة، إلا أنَّه كان حراماً قطعاً في واقع التشريع، كما ورد في مضمون الروايات عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه: «لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إِلَّا بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْفُجُورِ وَالرِّبَا»، وأنَّ هذه هي أصول المحرمات.[9]
إذن، فما ورد في القرآن من صورٍ ثلاث أو أكثر لتحريم الخمر إنَّما هو تدريج في البيان وليس تدريجاً في التشريع. وعليه، فالصحابة الذين كانوا يتعاطون الخمر كانوا يرتكبون حراماً واقعياً، ولكنهم كانوا معذورين لعدم وصول البيان إليهم. بينما جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) لم يذق الخمر قط، ولم يرتكب الزنا قط، ولم يكذب قط -وهو جعفر الطيار (عليه السلام)- ولم يسجد لصنم قط؛ فبنو هاشم مصطفون، وهذا بحث آخر. أما غيرهم، حتى من بعض الصحابة، فكان يتعاطى الخمر إلى حين نزول آيات التحريم الصريحة في المدينة المنورة، وهذا كله يندرج في باب التدريج في البيان. ولهذا أثنى الله تعالى على جعفر الطيار (عليه السلام)، ونزل الوحي في شأنه، وأخبر النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم عن سُنَن جعفر التي تشابه سُنَن الأنبياء. فالزنا والفجور والظلم والربا، كلها من هذا القبيل الذي كان التدريج فيه في البيان لا في أصل التشريع.
وحينما بيّن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنَّه: «مَا بُعِثَ نَبِيٌّ…» إلى آخر الحديث، فإنَّ هذا المضمون يقف في مقابل دعوى النسخ؛ لأنَّ هذه المحرمات ليست من الشرائع القابلة للتغيير، بل هي من أصول الدين الثابتة. والحاصل: أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) ينبّهنا على أنَّ ما ورد من تدريجية في بيان تحريم الخمر أو الربا أو الزنا، كل ذلك هو تدريج في البيان وليس تدريجاً في التشريع، وهذا هو الحال في القرآن نفسه.
وعليه، فالأصل الأولي عند الأعلام هو حمل بيانات أهل البيت عليهم السلام على التدريج في البيان لا في التشريع. ومستندهم في ذلك قاعدة كلامية مفادها أنَّهم عليهم السلام مبينون وتراجمة لوحي الله؛ فهم وحيٌ يترجم وحياً آخر، ويفسّر وحياً آخر؛ لأنَّ للوحي طبقات. فيكون تشريعهم بياناً، وبيانهم تشريعاً.
ومثال ذلك: أنَّ البرلمان عندما يفسّر قوانين الدستور، لا يقدّم تفسيراً لغوياً، بل يمارس دوراً تقنينياً يفسّر به التقنين الأعلى منه. وهذا هو الحال في تشريع الأئمة عليهم السلام، فهم مبينون بمعنى أنَّ التفاصيل التي يشرّعونها -والتي لم تكن موجودة بلفظها في تشريعات الله- هي في حقيقتها تشريعات تفسيرية لتشريع الله. وهذا هو دور تشريع أهل البيت عليهم السلام، ودور تشريع النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم؛ فهو ليس في عرض تشريع الله، بل هو تفسير له. وهو درجة من التفسير لا يمتلك صلاحيتها إلا الأربعة عشر معصوماً عليهم السلام. بل إنَّ هناك صلاحية وقدرة يختص بها سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم دون بقية المعصومين. ويظهر من الروايات أنَّ لأمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً قدرة وصلاحية في التشريع ليست ثابتة للأحد عشر إماماً من بعده. فعلى كل تقدير: إذا فُهم دورهم التشريعي بهذا المعنى، فإنَّهم يكونون مبينين، وتكون التدريجية في البيان لا في أصل التشريع.
ويمكن القول إنَّ قوانين البرلمان ليست ناسخة للقوانين الدستورية، ولا يلتزم أهل الاختصاص في علم أصول القانون بأنَّ القوانين الجديدة للبرلمان -أي التقنين البرلماني- ناسخة للقوانين الدستورية، بل هي مبينة لها، وهي صورة من صور التدريج. ولكن بالدقة، هي تشريع في صورتها، وتدريج في البيان في لبّها وحقيقتها، وهو بيان تقنيني.
فائدة: وهي نكتة لطيفة في علم النسخ، وهي أنَّ ذا الصلاحية الأدنى في التشريع لا يكون تشريعه ناسخاً للتشريع الأعلى منه. فكما أنَّ التشريعات والتقنينات الوزارية لا تُعتبر ناسخة للتقنين البرلماني أو القوانين الدستورية، بل هي مبينة لها، فكذلك الحال هنا. وليس معنى كونها مبينة أنَّها ليست تقنيناً، بل هي تقنين وتشريع، ولكن لبّه وحقيقته هو التبيان.
وكذلك فتاوى الفقهاء، فإنَّها تُعدّ تشريعاً في عرف العقلاء. فما يمارسه فقهاء الإمامية -تبعاً لله وللرسول وللأئمة، لا تمرداً كما في المدارس الأخرى- هو تشريع، ولكن هذه التشريعات في لبّها ليست ناسخة ولا منسوخة، بل هي تدريج في البيان؛ صورتها تشريع، وحقيقتها بيان.
وهنا يطرح التساؤل: هل هذا التشريع إنشاء أم إخبار؟ قال تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59]. فالإذن إنشاء، والافتراء إخبار كاذب، فكيف يجتمع الإخبار والإنشاء في خطاب التشريع؟ والنكتة هنا: أنَّ جملة من موارد الإنشاء التشريعي يكون لبّها وحقيقتها إخباراً وبياناً. وهذه نكتة لطيفة في علم النسخ وعلم البيان، لم ينبّه عليها الأعلام صراحةً، وإن كانت مرتكَزة في أذهانهم. ويمكن صياغتها بعبارات علم أصول القانون على النحو الآتي.
وتوضيح ذلك: أنَّ طبيعة النسخ تقتضي التجانس؛ فالقانون الدستوري ينسخ قانوناً دستورياً، والقانون البرلماني ينسخ قانوناً برلمانياً، وهذا أمر صحيح. وهنا منظومة دقيقة ينبغي التريث فيها، وهي أنَّه مع كون كلا القانونين البرلمانيين (الناسخ والمنسوخ) هما في حقيقتهما تبيان للقانون الدستوري، إلا أنَّه يصح القول بأنَّ أحدهما نسخ الآخر. وكذلك القانون الوزاري ينسخ القانون الوزاري، فيمكن لجهة تنفيذية أن تصدر قانوناً وزارياً ثم تنسخه بآخر. ولكن القانون الوزاري لا ينسخ القانون البرلماني، مع أنَّ كلا القانونين الوزاريين -الناسخ والمنسوخ- هما في النهاية بيان وتفصيل للقانون البرلماني الأعلى منهما.
والسر في ذلك أنَّ لغة القانون هي لغة عقلائية مشتركة بين العقلاء والشرع. فلكل علم لغته واصطلاحاته، وهنا يجب التفريق بين اللغة في بعدها التصوري، وبين المباني والتصديقات. فالشرع ليس تابعاً للعقلاء في مبانيه وتصديقاته، بل العقلاء هم التابعون للشرع. أما في اللغة التصورية نفسها، فهي مشتركة، تماماً كاللغة اللسانية. فالوحي قد نزل باللغة العربية، وهي مشتركة في بعدها التصوري، وإلا لما فُهمت أحكام القرآن ومعارفه، التي هي من الوحي وليست من وضع العرب.
فلا بد من التمييز بين اللغة التصورية وبين المباني والتصديقات؛ فعادات العرب وأحكامهم لا ربط لها بالوحي. أمَّا التشريع في بعده التصديقي فهو للوحي حصراً. والكثير يخلط بين اللغة والمباني. فالفلسفة مثلاً لها لغة عقلية، وهذه اللغة شيء، والمباني التي تتبناها تلك الفلسفة شيء آخر. فاللغة شيء والمبنى شيء آخر. فموقف القرآن من اليهود شيء، واللغة العبرية -بصرف النظر عنهم- لغة من اللغات، وهي شيء آخر. وقد يكون بعض الوحي قد نزل باللغة العبرية، وهذا بحث آخر. فالحاصل أنَّ اللغة شيء، والتصديقات والمباني شيء آخر. وهكذا الحال في اللغة العقلية.
فعلم الكلام وعلم الفلسفة يشتركان في لغة علمية واحدة، ولولا هذه اللغة المشتركة لكان الحوار بينهما كحوار الأطرش في الزفة. بل إنَّ القرآن الكريم نفسه يحاور كل الملل والمذاهب والأديان بلغة مشتركة، وهي ليست مجرد لغة لسانية، بل لغة علمية وعقلية واحدة، لغة نقاش وبرهان، لا لغة تعبدية مغلقة. فكيف يفهم من ينكر وجود اللغة العقلية في القرآن قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]؟ فلا بد من التفريق بين اللغة والمباني، فلكلٍّ منهما علمه الذي يلزم إتقانه.
والخلاصة: أنَّ هذه النكتة في طبقات النسخ وأنواعه التي مرت بنا اليوم في غاية الأهمية.