47/11/21
الموضوع: هيمنة علم الكلام على العلوم الشرعية / مبحث التخصيص نموذجاً/
كان الكلام في الصورة الثالثة من صور الدوران بين النسخ والتخصيص، وذلك فيما إذا ورد العام وعُمل به مدة من الزمن، شهراً كان أم أسبوعاً أم يوماً أم ساعات، ثم جاء المخصِّص بعد أن حان وقت العمل بالعام وعُمل به فعلاً.
بل قد يكون الفاصل الزمني بين ورود العام وورود مخصِّصه قروناً، بناءً على ما تعتقده مدرسة أهل البيت عليهم السلام من أن الحضور الإلهي مستمر إلى يوم القيامة، وأن الأرض لا تخلو من حجة، فهو سبب متصل بين الأرض والسماء، وهذه من ضروريات مدرسة أهل البيت عليهم السلام. وهذا الاتصال ليس وحياً نبوياً، ولكنه متصل بالوحي النبوي، متصل بسيد الأنبياء في البرزخ، وعليه تُحل هذه الخارطة كما مرّ. فحينئذٍ نجد أن أكثر المخصِّصات التي وردت لدينا في الآيات والروايات -سواء المخصِّصات للآيات أم المخصِّصات للروايات النبوية أو العلوية- قد أتت بعد عقود من السنين، بل ربما بعد قرون.
الإشكال: أن هذا الكم الهائل من الروايات المخصِّصة يُلتزم به مع كونه في الظاهر شيئاً مستبعداً، بل يكاد يكون مقطوع العدم. فما هو الحل إذن؟ هل يُلتزم بالتخصيص بعد العمل بالعام؟ وكيف يستقيم ذلك؟
والجواب: أن المسألة تكاد تكون مُسلَّمة بين أعلام الإمامية، وهي أن هذا الكم الكبير الهائل من الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام هو يقيناً مخصِّص، وأما كونه ناسخاً فهو شيء نادر، وإن لم يكن ممتنعاً. والوجه في ذلك، كما مر، هو أن لأئمة أهل البيت عليهم السلام قناة وحيانية غير نبوية مرتبطة بوحي النبوة.
وهذا أحد معاني إضافة أهل البيت إلى النبوة في مثل قولهم: “يا أهل بيت النبوة”، فهم مخزن النبوة وموضع الرسالة، وهو وصف قطعي للأئمة عليهم السلام بهذا المعنى، مع أنهم ليسوا أنبياء. وعليه، فإن الأدلة الكلامية هي التي قادت علماء الإمامية في علم الأصول إلى القول بأن هذا الكم الكبير من الأدلة الخاصة ليس ناسخاً وإنما هو مخصِّص.
هيمنة علم الكلام على الفقه والأصول
ومن هنا يظهر كيف أن علم الكلام يتحكم ويؤثر بوصفه عنصراً داخلاً في بنية العلوم الأخرى، فإذا لم يكن الفقيه متضلعاً في البحث الكلامي، فإنه سيتعثر لا محالة في أبحاث كثيرة أصولية وفقهية. حتى إن فقيهاً ما -مع أنه استبصر- لم يتشبع بالجو العلمي للإمامية، فمن ثم وقع في تغيير بعض فتاواه الفقهية، مع أنه يُقال إنه تشرف بعد استبصاره برؤية صاحب العصر عجل الله فرجه الشريف، ويُذكر ذلك في ترجمته. ومع أن التشرف أمر عظيم، إلا أنه لا يضمن النجاة من الانزلاق، فالعلماء الإماميون يقررون أن التشرف لا يضمن أن الذي يتشرف لا ينزلق، ولا أنه يفهم في تشرفه كل ما حظي به.
وقد ورد في الحديث: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ»[1] ، فكما أن من حضر مجلس النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن بالضرورة يفقه كل ما يصدر عنه، إذ إن للمعلومة الدينية سبعين بطناً أو أكثر، تحتاج إلى سفينة الفهم للغوص فيها، وهذا الراوي قد لا يملك سفينة الفهم أصلاً تارة، وتارة أخرى يملكها ولكنه ينقل الحديث إلى من هو أفقه منه.
فتلوين علم الكلام لعلم الفقه أمرٌ له شأنه، وذلك بحسب البرهان القائم على أن أصول التشريع هي بمثابة الدستور الذي يضبط قوانين البرلمان، ولولا وجود القوانين الدستورية لانفصمت عروة القوانين البرلمانية وصارت قوانين غير منضبطة. ولذلك كثيراً ما ترد المحاكم الدستورية في بلدان البشر القوانين البرلمانية لوقوع الانفلات فيها.
والقاعدة هنا: أن كل العلوم في الحقيقة هكذا، فلديها معادلات وقواعد فوقية حاكمة وضابطة لطبقات القوانين أو المعادلات المتوسطة، وهلم جرّاً. فهذه الهيكلية لأصول القانون وأصول المعادلات شيء ذاتي في العلوم، سواء كانت علوماً تجريبية تكوينية، أم علوماً إنسانية، أم علوماً قانونية. ولذلك فإن مبحث أصول القانون، أو أصول التشريع، أو ما يسمى بفقه المقاصد وروح الشريعة -وهي مدارس ثلاث كما مر بنا- شامل لكل العلوم.
ومثال ذلك: كتب مقاتل عاشوراء، فإنها تشكّل علماً إجمالياً، فقد يكون مقتل من المقاتل متأخراً، ولكنه في مضمونه لا يخرج عن ثوابت المقاتل القديمة والعلم الإجمالي الحاصل منها، فيكتسب بذلك اعتباراً إجمالياً، سواء وقفنا على سنده أم لم نقف.
والحاصل: أن طبيعة العلوم تشتمل على طبقات، فالطبقات العليا تتحكم وتضبط الطبقات المتوسطة، والمتوسطة تضبط الطبقات الدانية. وإذا كان الحال كذلك، فإن هذه الأصول التشريعية الفوقية الفقهية هي في الحقيقة شديدة التماس بالقواعد العقائدية، أي علم الكلام.
علم الكلام هوية المذهب وجامع العلوم الدينية
فيصح القول إنَّ علم الكلام هو الذي يعطي هوية المذهب الفقهي، شاء الفقيه أم أبى، إذ إن الفقه بمعناه الاصطلاحي -أي فقه الفروع- يتأثر لا محالة بقواعد في علم الكلام، وتكون القواعد الكلامية بمثابة القوالب والأطر التي تحدد مسار المذهب الفقهي. وهكذا الحال في المذاهب الأربعة عند أهل السنة، فهي مبنية على قواعد كلامية عندهم، شاءوا أم أبوا. وليس هذا الحال خاصاً بعلم فقه الفروع، بل هو كذلك في علم التفسير وقواعده.
والنتيجة: أن علم الكلام -أي العقيدة- هو علم جامع مهيمن على سائر العلوم الدينية، شاء الباحث في العلم الديني أم أبى، فإذا لم يرسخ في البحث الكلامي فسوف يتيه. فربما يُخرِّج منهجاً تفسيرياً مطابقاً لمناهج العامة وليس مطابقاً لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، أو تراه يذهب مذاهب العامة في السيرة، وما ذلك إلا لأنه لم يضبط القواعد الكلامية الإمامية ولم يتشبع بها. وهذا بحث ليس ترفاً فكرياً ولا زخرفاً قولياً، بل هو حقيقة منهجية بالغة الأهمية.
وكذلك الحال في علم الرجال، فإنه باعتراف أساطين هذا الفن من العامة والخاصة، تنتهي قواعده بالدقة إلى قواعد كلامية. فتحديد كون الراوي مسلماً أو غير مسلم، أو مؤمناً أو غير مؤمن، أو انتمائه إلى فرقة ما، هو أول ما يُعنى به. ولو تأملنا في كتب التراجم عند الفريقين لوجدنا أن أول ما يبدأ به أرباب الرجال هو تعيين الهوية العقدية والمذهبية للراوي، ثم ينقحون حاله بناءً على ذلك، فيقولون مثلاً: “رافضي”، أو “يتشيع”، أو “يميل إلى التشيع”، ونحو ذلك من تعابيرهم.
ولهذا ذكرنا في بحوث الرجال التي طرحناها أن النجاشي[2] في البحوث الكلامية أضعف من الشيخ الطوسي[3] ، وأن باع الشيخ الطوسي في تنقيح حال الرواة أقوى، ولا يقاس بالنجاشي أو الغضائري، وما ذلك إلا لتضلّع الشيخ الطوسي وتبحّره في علم الكلام وقواعده.
نعم، يُقرّ بأن النجاشي كان أكثر تضلّعاً من الشيخ الطوسي في علم الأنساب والتاريخ وأسماء القبائل والعشائر، وهذا صحيح، ولكن في البعد الكلامي أو الفقهي الفروعي، فأين هو من الشيخ؟ فكلامه في تراجمه يظهر منه أنه فاضل في الفقه والعلوم الدينية، ولكن لا يظهر منه أنه فقيه متكلم متبحر.
ومثال ذلك: آغا بزرك الطهراني[4] ، فعندما يترجم لكتاب في العلوم الدينية، فإنه يقوّم مستوى الكتاب في ذلك العلم ويذكر خصائصه بين بقية الكتب، مما ينم عن كونه متخصصاً خبيراً في التفسير والتاريخ والسيرة والفقه والأصول. فكيف له أن يبيّن خصائص كتاب في علم ما إن لم يكن متضلعاً فيه؟ فآغا بزرك يختلف عن غيره كالنجاشي، وذلك لتضلّعه في مجالات متعددة من العلوم الدينية. وقد ذكرنا له كتاباً في التفسير فيه تنقيح صناعي تفسيري لا تجده في كتاب “البيان” للسيد الخوئي[5] (رحمه الله)، خصوصاً في قضية أقسام التحريف، وهي مباحث صناعية معقدة جداً لا يتأتى لها إلا بحّاثة متتبع. فهو يأتي باصطلاحات صناعية في مبحث التحريف لم يأتِ بها السيد الخوئي أصلاً مع تبحّره. فيتضح من سيرة آغا بزرك في كتبه، كـ”الذريعة”، باعه الطويل في العلوم الدينية، بخلاف النجاشي (رحمه الله)، وبخلاف الميرزا النوري[6] (رحمه الله). وهذه نكات مهمة جداً لا ينبغي الغفلة عنها.
إجمالاً: إنَّ تأثر العلوم الدينية ببعضها البعض أمر لا يمكن إنكاره، وله آثاره سلباً وإيجاباً، وقد يقود هذا التأثر إلى أمور يجب الالتفات إليها. وإنما نركز على هذا المطلب لأهمية الالتفات إلى هذه البحوث.
فمثلاً: ما هو معنى رباعية الحجج أو ثلاثيتها أو ثنائيتها؟ الكتاب والسنة والعقل، وهل يرجع العقل إلى السنة؟ أم نقول هي: الكتاب، وسنة المعصومين، والعقل، والفطرة، فتكون الحجج رباعية؟ وما معنى المعية هنا؟ وهل هي في عرض بعضها البعض؟ وبأي معنى هي؟ كذلك في بحث “معية الثقلين”، كم من الأصوليين يلتفت إلى تعدد معانيها الصناعية؟ وهذا يؤثر في مسلك الأصولي والفقيه وكل باحث في العلوم الدينية.
والنتيجة: أنه لا يمكن لعالم أصولي أن يتقن علم الأصول ما لم يكن قوياً في علم الكلام وعلم التفسير، وإلا فإنه سيمشي في جو مبهم، وقد يرتطم يمنة ويسرة من حيث يشعر أو لا يشعر. فتأثر العلوم الدينية بعضها ببعض مبحث حساس جداً، وفيه تأثيرات متعاكسة، وهذه بحوث مهمة.
خلاصة: حتمية الترابط بين العلوم وأهمية المباحث العقلية
وقد مر بنا كلام العلامة الطباطبائي[7] صاحب تفسير الميزان، حيث يعترف بأن بحوث الاعتبار[8] هي التي تشخص حقيقة الحكم الشرعي في علمي الأصول والفقه. وبحث الاعتبار بحث عقلي بامتياز، وليس بحثاً تعبدياً نقلياً.
إذن، القلب النابض في علمي الأصول والفقه مرتبط ببحث عقلي محض، فإذا لم يتقن الباحث هذا المبحث، فسوف ينعكس ذلك لا محالة على كل ما يلتزم به في الأبواب الأصولية والفقهية، كما مرت الإشارة إلى ذلك في مباحث حقيقة الحكم ومراحله وهلم جرّاً. فهذه نكات وبحوث يجب أن يتنبه لها الباحث، فغفل عنها من غفل، وتنبه لها من تنبه، ورآها من رأى، وأهملها من أهمل.
والحاصل: أن علماء الإمامية يلتزمون بأن هذه الكثرة من المخصصات ليست ناسخة، وإن أتت بعد وقت العمل بالعام بقرون، فضلاً عن العقود والشهور والأيام، بل هي مخصِّصة.
فإن قيل: إذا كانت مخصِّصة وليست ناسخة، فما هو الوجه في التخصيص؟ ولماذا التزم علماء الإمامية به؟
قلنا: إن وجه التخصيص هذا قد بُني أيضاً على بحوث كلامية، كما أن تفسير هذه المباني الأصولية قد اعتمد على نكات أصولية. فقد بنى المرحوم الآخوند[9] والشيخ الأنصاري[10] ، وربما قبلهما جملة من الأعلام، على جواب هذا السؤال: لماذا أصدر الشارع العمومات بلسانها العام مع أن مراده الجدي ليس كل أفراد العام؟ ولماذا لم يحددها من أول الأمر، لا سيما أن العموم الواحد كثيراً ما يكون له مخصصات ومقيدات كثيرة؟
إن المخصصات في كيفية تركيبها وتنسيقها تحتاج إلى مناسبات خاصة. ومن سمع ببحث “انقلاب النسب”[11] يدرك أنه أشبه بهندسة رياضية معقدة، مع كونه مبحثاً أصولياً بلاغياً. وحتى المخصصات نفسها لها تركيبها الخاص، بغض النظر عن نسبتها إلى العام.
ولأن العام إنما يكون عاماً بلحاظ ما دونه، ويكون خاصاً بلحاظ ما فوقه، فالخاص والعام وجهان لحقيقة واحدة، لكن من جهتين مختلفتين. ومن هنا تختلف نسبة دائرة الخصوصات أو المخصصات. وهذه معضلة أخرى، فالخاص درجات، والعام بالتالي درجات، مما يعني أن تنسيق هذه الخصوصات والمواءمة بينها يحتاج إلى دقة بالغة.
وصعوبة انقلاب النسبة -وهو مبحث ذكره الأعلام في باب التعارض، لكنه بالدقة من مباحث العام والخاص لوجود شبه بين كونه تعارضاً أو تخصيصاً- تكمن هنا.
فالحاصل أن العموم طبقات، والخصوص طبقات، فلماذا إذن يعبر الشارع بالعام؟ إن النتيجة ليست تخصيصاً ابتدائياً سهلاً، بل هو انقلاب نسب، وهي ليست نسبة واحدة. وفي الغالب، نجد في المسألة الواحدة والباب الواحد مراتب من الخصوصات ومراتب من العمومات، وهي منظومة متشابكة. فكيف بينها الشارع؟ إن منظومة القوانين، وضعية كانت أم شرعية، طبيعتها هكذا، فهي طبقات وتناسبات وترابطات. ولهذا السبب يتفوق القضاة والمحامون والقانونيون بعضهم على بعض.
فالقضية إذن ليست مجرد تخصيص ابتدائي بسيط، بل هي هندسة معقدة تستعصي على الأساطين، فالمبحث غامض وليس بالسهل.
فلا يمكن أن يتقن عالمٌ علمَ الأصول إلا أن يكون قوياً في علم الكلام، وقوياً في علم التفسير؛ إذ يؤثر ذلك فيه تلقائياً، وإلا سار في جوٍّ من الإبهام، قد يرتطم يمنةً ويسرةً من حيث يشعر أو لا يشعر. وهذه بحوث صناعية في تأثير العلوم الدينية بعضها في البعض الآخر، وهو مبحث حساس جداً، وفيه تأثيرات متعاكسة من غير دور ولا تناقض، وهي بحوث مهمة.
وقد مر بنا كلام العلامة الطباطبائي[12] صاحب الميزان، حيث يعترف بأن بحوث الاعتبار، التي تشخّص حقيقة الحكم الشرعي في علمي الأصول والفقه، هي بحوث عقلية بامتياز، وليست بحوثاً تعبدية نقلية.[13] وعليه، فإن القلب النابض في علم الأصول وعلم الفقه مرتبط بهذا البحث العقلي، فإذا لم يتقن الباحث في الأصول والفقه هذا المبحث، فسوف ينعكس ذلك لا محالة على كل ما يلتزم به في الأبواب الأصولية، من حقيقة الحكم ومراحله وهلم جرا. فهذه نكات بحثية يجب أن يتنبه لها الباحث، وقد غفل عنها من غفل وتنبه لها من تنبه، ورآها من رأى وأهملها من أهمل، وهي أبحاث مهمة جداً.
وعلى هذا الأساس، يلتزم علماء الإمامية بأن هذه الكثرة من المخصصات ليست ناسخة، وإن أتت بعد وقت العمل بالعام بقرون، فضلاً عن العقود والشهور والأيام، بل هي مخصصة.
فإن قيل: إذا كانت مخصصة وليست ناسخة، فما هو الوجه في التخصيص؟ ولماذا التزم علماء الإمامية به؟
والجواب: أن هذا الوجه في التخصيص قد بنوه أيضاً على بحوث كلامية، مضافاً إلى نكات أصولية. فقد بنى المرحوم الآخوند[14] والشيخ الأنصاري[15] ، وربما جملة من الأعلام قبلهما، على إثارة هذا التساؤل: لماذا وردت هذه العمومات بصيغة العموم مع أن المراد بها ليس تمام العام؟ ولماذا أصدر الشارع العمومات بعمومها، ولم يأتِ بها مقيدة من أول الأمر؟ لا سيما وأن التخصيص ليس بمخصص واحد أو اثنين، بل كثيراً ما يكون للعموم الواحد مخصصات ومقيدات كثيرة.
فإن المخصصات في كيفية تركيبها وتنسيقها تحتاج إلى مناسبات خاصة. ولعلكم سمعتم قطعاً ببحث انقلاب النسب[16] ، وهو أشبه بالهندسة الرياضية المعقدة، مع أنه مبحث أصولي بلاغي. وحتى المخصصات لها تعقيدها الخاص في ذاتها، بغض النظر عن نسبتها إلى العام؛ لأن العام إنما يُلحظ عاماً بلحاظ ما دونه، ويُلحظ خاصاً بلحاظ ما فوقه؛ فكل عام له وجهة خصوص، فالخاص والعام وجهان لحقيقة واحدة ولكن من جهتين: فمن جهة ما دونه هو عام، ومن جهة ما فوقه هو خاص. ومن ثم تختلف نسبة دائرة الخصوصات أو المخصصات، وهذه حزورة أخرى؛ إذ لدينا الخاص درجات، والعام بالتالي درجات، أي إن الخاص درجات لا محالة. فكيفية التنسيق والمواءمة والمناسبة بين هذه الخصوصات تحتاج إلى دقة بالغة.
وتكمن صعوبة انقلاب النسبة –وهو مبحث ذكره الأعلام في التعارض، ولكنه بالدقة من مباحث العام والخاص، لوجود شَبَهٍ بين كونه تعارضاً أو تخصيصاً– في أن العموم طبقات، والخصوص طبقات.
والحاصل: أن النتيجة ليست تخصيصاً ابتدائياً سهلاً، بل هو انقلاب نسبٍ متعددة. فغالباً ما تجد في المسألة الواحدة، وفي الباب الواحد، مراتب من الخصوصات ومراتب من العمومات.
والإشكال هنا: ما الذي يبينه الشارع؟ وما الذي يقصد بيانه؟ إن قضية انقلاب النسبة ليست نادرة الوقوع في مورد معين، بل أغلب الأبواب الفقهية هكذا، هي منظومة شبكية متشابكة. فإذا كان الأمر كذلك، فكيف بيّن الشارع ذلك؟ وقد ترجّل الأعلام في فهم هذا المبحث.
وطبيعة منظومة القوانين هكذا، سواء أكانت وضعية أم شرعية؛ فهي منظومة طبقات وتناسبات وترابطات. وهذا هو سر تفوق بعض القضاة على بعض، وبعض المحامين على بعض، وبعض القانونيين على بعض. فالقضية لا تقتصر على تخصيص واحد ابتدائي بدوي سهل بسيط، بل هي هندسة معقدة تستعصي على الأساطين. فالمبحث غامض وليس بالسهل.