« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/11/17

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: أهمية القواعد المهيمنة /التمييز بين حقيقة الحكم وأطواره في علم الأصول/

كان الكلام في تقدم العام على الخاص بفاصل زمني معتدّ به قبل وقت العمل، فهل يتصور النسخ حينئذٍ أم لا؟

ومحل البحث وإن لم يخلُ من ثمرة عملية، إلا أنَّه ينصبُّ على حقيقة النسخ وما شاكلها. بيد أنَّ ما يبتني عليه البحث هو أهم من نفس البحث في كثير من المسائل والأبواب والأبحاث الأصولية، بل وحتى الفقهية. إنَّ ما يبتني عليه البحث أعظم من نفس البحث، والالتفات إليه واجب؛ إذ إنَّ خلفيات البحث وما ورائياته شيء أعظم بكثيرٍ لا يقاس.

والسبب في ذلك: أنَّ البحث في القاعدة العامة والعمومات أهم من خصوصية البحث الجزئي، وإن كانت هذه الخصوصية ليست جزءاً حقيقياً، بل جزء إضافي كلي، ولكنها أضيق دائرة. بينما ما يبتني عليه البحث هو بحث في قاعدة عامة بالغة الأهمية، فهو البحث الأهم. إنَّ كشف الغطاء عن مستندات البحث أهم من نفس البحث غالباً، إن لم يكن دائماً.

وهذه نكتة جديدة جداً يجب الالتفات إليها. مثال ذلك: مسألة بيع السلاح على العدو في زمن الغيبة الكبرى، فهذا الحكم ليس منسوخاً ولا هو مقيد، بل هو حكم عام للغيبة الكبرى. ومقتضى ذلك: أنَّ هناك استراتيجية لبحث القوة موجودة عند علماء الإمامية، وهي مستقاة من الأئمة (عليهم السلام)، ومن ثمَّ تجلت في فتاوى علماء الإمامية. فهناك خارطة وتخطيط للقوة وتناميها، والمراد من السلاح هنا هو القوة العسكرية الساخنة، بينما بيع السلاح هو مظهر من مظاهر الحرب الناعمة أو الحرب الباردة.

إنَّ خلفيات البحث هي الأهم، ولذلك بحث السيد اليزدي[1] والمحققون من المحشين على المكاسب قواعد العزة لله والتعبد، سواء في المسائل الفقهية أو القواعد الأصولية أو الكلامية أو بقية العلوم الدينية. وهذه نكتة منهجية مهمة، وهي أن يلتفت الإنسان إلى خلفيات البحث وأهميتها البالغة، وإلا فإنه يجمد نفسه، ويصبح منهجنا منهج رواة، لا منهج فقهاء. إنَّ منهج الفقهاء يقوم على فهم ما وراء النص وتفهمه، وهذا أمر في غاية الأهمية؛ لأن القواعد العامة، كما مر بنا، تعطي دائماً مساحة أوسع للاستدلال في أبواب وفروع أخرى، وهلم جراً. وهذه نقطة يجب على كل باحث الالتفات إليها.

وهنا نجد أنَّ الميرزا النائيني[2] يقرر نكتة منهجية يجب ألا يغفل عنها الباحث دوماً وبشكل دؤوب.

ففي هذا البحث، أشكل المرحوم الإصفهاني (الكمباني)[3] على النائيني بأنَّ حقيقة الحكم ترجع إلى جعل ما يصلح أن يكون باعثاً ومحركاً وزاجراً. فكيف ينشأ حكمٌ لن يصل إلى درجة الباعثية والفاعلية والمحركية والزاجرية؟ فإذاً، هل هذه حقيقة ذاتية للحكم أم هي لونٌ وطورٌ من أطوار المرحلة؟

وهنا مأخذ دقيق، وهو الخلط الذي قد يقع فيه الأعلام في بحوثهم بين لون المرحلة وبين أصل الحكم. إنَّ لمراحل الحكم ماهية ذاتية جامعة بين كل هذه المراحل، وإن اختلفت الألوان والأطوار، وهذه نكتة مهمة. وهذا المبدأ جارٍ حتى في غير التشريعيات، فقد وصل الأمر إلى أنَّ الإنسان الذي يذهب به إلى البرزخ، يظهر أنَّ هذه البَدَنة الغليظة الدنيوية ليست جزءاً من ذاته، بل هي آلية له؛ لأنه هو نفسه من يحاسب في البرزخ بروحه، مع أنَّ بدنه قد صار تراباً. فمن يحاسب؟ أهو زيد أم ليس بزيد؟ هو زيد نفسه. وهذا ما يدل على أنَّ هذه البَدَنة الغليظة لباس من ألبسة الإنسان، وأنَّ أصل الإنسان شيء آخر، ببدن آخر وروح أخرى. فعلى أي حال، هذه نكتة مهمة، وهي ألا نخلط بين أطوار الشيء بحسب المراحل، وبين ذات الشيء نفسه.

وهذا ما نحاول تفكيكه، أي التفكيك بين أصل ماهية الحكم وأطوار الحكم. لكن نفس الميرزا النائيني في أغلب أبواب الفقه وأغلب القواعد، قد سحَب أحكام أطوار ماهية الحكم إلى نفس ذاتية الحكم. فالتنافي في محركية الحكمين، أو قل منجزية الحكمين، هو تنافٍ في مرحلة من المراحل، فلماذا يسحب الميرزا النائيني التنافي في باب التزاحم إلى ذات ماهية الحكمين، ويبني بإصرار وجزم على أنَّه من باب التعارض؟

بينما السيد الخوئي[4] ، وكثير من تلاميذ النائيني، كالسيد محمود الشاهرودي الكبير[5] ، لا يبنون على أنَّه تعارض. إنَّ لب لباب بحث التزاحم والترتب يرجع إلى هذا المطلب: أين يقع التنافي بين الحكمين المتزاحمين؟ هل هو في مرحلية الأحكام أم في ماهيتها الذاتية؟ هذا هو اللب المركزي للمسألة.

وإلا فما الفرق بين باب التعارض وباب التزاحم؟ إذا كنتم تفرقون بين البابين، فكيف تجعلون التزاحم تعارضاً؟ والحاصل: أنَّ حقيقة باب التزاحم مرتبطة بقاعدة التمييز بين حقيقة الحكم وأطوار الحكم. وهذا البحث أعظم من بحث الدوران بين التخصيص والنسخ. وهذا ما كنا نؤكد عليه، من أنَّ الدليل العام أعظم وأبين وأوكد جذرياً في الاستنباط والتشريع من الدليل الخاص، حتى لو كان الخاص نسبياً. فالعام يعطيك تحليلاً وتركيباً معمقاً، وهذه نقاط يجب الالتفات إليها.

فإذاً، المؤاخذة على المرحوم الإصفهاني، والتي يؤكدها السيد الخوئي (رحمه الله) في تبنيه لمبنى أستاذه، أنَّ هذا البحث نفسه قد أثير في اجتماع الأمر والنهي. فإن قيل: إنَّ لب بحث اجتماع الأمر والنهي هو الاشتباك بين النهي الحرام والواجب. قلنا: ولكن أين يقع هذا الاشتباك؟ هل هو في أصل جعل الحكمين وماهيتهما الذاتية، أم في مرحلة الأداء والامتثال؟

ولا يصح أن يقال إذا وُجد ورمٌ في قطعة من العضو إنَّ هذا الورم متفشٍّ في كل الجسم؛ فالطبيب الماهر يحصر الألم في موضعه، ولا يعمم الحكم على كل الجسد بلا دليل أو وجه، وقاعدة “الضرورات تقدر بقدرها” حاكمة.

إنَّ لب لباب بحث اجتماع الأمر والنهي، على صعوبته، يرجع إلى هذه القاعدة الكلية. فالتزاحم والتعارض أبواب شبكية عجيبة، ترجع إلى بحث عمومي مهيمن، وهو التمييز بين حقيقة الحكم ومراحله، وهو بحث في غاية الأهمية.

ويتفرع على ذلك: أنَّ الميرزا النائيني في قاعدة “لا ضرر” وقاعدة “لا حرج” التزم بأنَّ الحكم الضرري محوٌ ومرفوع من أساسه. لماذا؟ لأنه ربط بين مراحل الحكم وذاتية ماهية الحكم. بينما المشهور لا يربطون؛ فالحكم الضرري، وإن كان ضررياً، فإنَّ ضرره ينافي مرحلة من مراحل الحكم، لا أصل ذاتيته. بينما هو جعل العمل الضرري غير صحيح وفاسداً، وينسحب هذا الكلام على العبادات وقواعد فقهية عديدة.

دعوة لتجديد المنهج: نحو تدوين القواعد المهيمنة

إذاً، لو كُتب علم الأصول بوصفه مجموعة من “القواعد المهيمنة” و”قواعد السيطرة”، لكان ذلك أهم من بحث أبواب الأصول بالطريقة الكلاسيكية الروتينية الحالية. إنَّ أصول القانون هي القواعد المهيمنة، ويجب أن تكون هناك طفرة علمية في تدوين علم الأصول، وكذلك علم الفقه وعلم الكلام. لماذا؟ لأن القواعد الجحفلية تتوسع، بينما البحوث التفصيلية نازلة. إنَّ القواعد الفوقية تعطيك أفقاً كبيراً، وتفتح أبواباً كثيرة، وتحل أموراً عديدة. ويجب أن تنبري أقلام وتتضافر سواعد، وتتجاوز التلكؤ، لتدوين هذه الطفرة.

وقد ذكرت سابقاً أنَّ القضية ليست مرتبطة بشخصية بعينها. إنَّ الحوزات العلمية اليوم تعيش نهضة، مع احترامنا العظيم لأمثال الكمباني والنائيني وضياء الدين العراقي[6] ، لكن إذا قامت الهمم العلمية والعقلية في الحوزة بمسؤوليتها، فإنَّ هذه النهضة لم يشهدها أولئك الأعلام الثلاثة، مع احترامنا الكبير، ولم يشهدها الشيخ الأنصاري[7] ، مع احترامنا العظيم له. وليس مقتضى ذلك أننا، أبناء هذا الجيل، متفوقون على أولئك، بل هي طبيعة التراكم المعرفي للعقل البشري والجهود البشرية التي تحدث فيها طفرات. لذلك، لا بد من تدوين هذه الطفرة، أي القواعد المهمة المهيمنة، وهذا شيء في غاية الأهمية.

قبل أيام، ذكرنا مقترح بحث “المسائل الكلامية في علم الأصول” التي نقحها الأصوليون أكثر من علماء الكلام، وهذا مهم. أو “المسائل الكلامية في علم الفقه” التي نقحها الفقهاء أكثر من علماء الكلام، وهذا بحث مهم أيضاً.

لكن هناك بحث أهم من ذلك كله، وهو تحديد ما هي “القواعد المهيمنة” و”قواعد السيطرة” في علم الأصول. القواعد الاستراتيجية، بالاصطلاح العصري، التي تؤثر على كل أبواب الأصول. هذه مهمة يجب أن يبحث فيها المرء؛ لأنها تمنحك رقابة دستورية علمية على كل أبحاث الأصول والفقه. أليس هذا شيئاً مهماً؟ هذا هو معنى الصناعة، وهذا هو معنى الفقاهة والفهم والانضباط والميزان. هذه هي أم الكتاب، والأمومة في العلم، وهي محكمات العلم. والبحوث كلما تنزلت في مراتبها أصبحت من المتشابهات التي تتشابك فيها القواعد.

وعلى أي حال، هذه فكرة أو اقتراح، فلا ينبغي للإنسان أن يتلكأ أو يصبح روتينياً. يجب أن يسير المرء على الميزان، وأن يقفز بهمّة. إلى متى يجمد الإنسان؟ فالجمود موت، وأما الهمّة فحياة وحيوية. إنَّ بلورة هذه الأبحاث أمر في غاية الأهمية، وإن لم يعتنِ به الإخوة بعد. وهذا البحث أهم من بحث اجتماع الأمر والنهي والتزاحم؛ لأنها بحوث أصولية أساسية، سارية في كل أبواب الأصول والفقه.

على كل حال، هذه اقتراحات، والجرأة العلمية مطلوبة. فكم من عالم خلد اسمه بجرأته العلمية المنضبطة بالموازين، لا بالتهور.

وابن إدريس[8] خلد اسمه لأنه لم يكن مقلداً للشيخ الطوسي[9] (رحمه الله)، بل عمل على الموازين، فقام بحركة حيوية في المسيرة العلمية للحوزة، وهذا شيء مهم له تأثيره في إحداث تغيير في التدوين.

وكما عبر السيد محسن الحكيم[10] (رحمه الله)، وقد نقلنا فتواه مراراً، أنه دعا إلى تغيير تدوين الفقه.

لأنَّ هذا التدوين الموجود في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حسب كلام السيد محسن الحكيم[11] ، لا يغطي سوى نصف مساحة هذا الباب. لكن كيف لا بد أن يتغير؟ لأنَّ هذا هو أكبر وأعظم باب في الدين حسبما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

حتى الجهاد، فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة ما يصوّر عظمة هذا الباب بالنسبة إليه، حيث قال: «وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، إِلَّا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ»[12] . فالجهاد بعظمته يُعَدُّ موجةً في بحر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبالأمس كنا نتداول بعض المتون من كتاب شرائع الإسلام[13] ، ولاحظ أنَّ صاحب الشرائع يرى أنَّ باب القضاء وكل السلطة القضائية تندرج في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه هي نظرة الشيخ الطوسي[14] أيضاً في مصنفاته.

فكيف يُدوَّن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذن؟ إنَّ هذا التدوين يجب أن يتغير. فإذا كان هناك اعتراف من أساطين الفقه بأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له هيمنة كالأخطبوط على سائر الأبواب الفقهية، فكيف يُدوَّن؟ لقد دُوِّنَ بطريقة الفقه الفردي، لا الفقه الاجتماعي الشمولي.

وسأنتقل من مثال لآخر، لنبين أهمية القواعد العامة، لا الأدلة الخاصة؛ فالأدلة الخاصة لا تجعل من الفقه فقهاً، بل تجعله روايةً، بينما الفقاهة هي الوصول إلى العموم، وعموم العموم. وكلما صعدت في طبقات العموم والقواعد، كنت مهيمناً ومسيطراً أكثر في البحث، وتلتفت إلى حقيقة الحكم بصورة أعمق، وهلم جراً.

لا ربط للحكم بالباعثية والفاعلية، حتى لو لم تصل مرحلة الفعلية، وحتى لو عُلِمَ أنَّ المرحلة الرابعة أو الخامسة من مراحل الحكم لن تتحقق. وهذا ليس قيداً في حقيقة الحكم كما ادعاه المرحوم الكمپاني والسيد الخوئي، بل الحكم موجود، والحق في ذلك مع المحقق النائيني.

والآن، ما هو الغرض من أن يبين الشارع التشريع الكلي قبل وقت تحقق العمل به؟ إنَّ كلمة “تحقق العمل” تُستعمل بمعنيين دقيقين ينبغي الالتفات إليهما: - المعنى الأول: وقت الأداء والامتثال، وهذا يتعلق بقيود الواجب. - المعنى الثاني: وقت تحقق قيود الوجوب، أي تحققها جزئياً في الخارج، وهو ما يُعبَّر عنه أيضاً بوقت العمل.

فمثلاً، وقت العمل في وجوب الحج متى يكون؟ إنَّ لمعنى قيود الوجوب انطباقاً قبل أشهر الحج. وبتعبير السيد الخوئي، وباِعترافه، قبل سنتين من أن يظهر اسمك في قرعة الحج، يجب عليك حفظ المال الذي يمكنك من الحج ويحرم عليك التصرف فيه، فهو يفتي بذلك. أما السيد السبزواري[15] فيذهب إلى أنَّ الوجوب يثبت حتى قبل عشر سنوات. أي أنَّ وجوب الحج يُفعَّل في ذمتك من الآن، وإن كان أداء الواجب (الحج) سيتم بعد عشر سنين، أو بعد سنوات، أو بعد سنتين. فهناك فرق بين وقت العمل وبين وقت تحقق الموضوع وفعاليته.

على أي حال، كلمة “وقت العمل” يجب أن نلتفت إلى معانيها الدقيقة. وإذاً، هذه الصورة قد انتهينا من بحثها.

الصورة التي تليها، هي مجيء العام أولاً، ثم يأتي الخاص بفاصل زمني، مع ضميمة شيء آخر، وهو أنَّ الخاص يأتي بعد فاصل زمني وبعد وقت العمل بالعام. فأتى العام وعُمِلَ به سنيناً أو أشهراً أو أياماً، ثم أتى الخاص في نفس المنطقة التي يغطيها الخاص من دائرة العام. ففي منطقة الخاص من العام، عُمِلَ بالعام. لكنهم لم يلتزموا بوقوع هذه الصورة غالباً، مع أنَّ الصورة الثالثة هي صورة غالبية.

ولماذا هي صورة غالبية؟ لأنَّ أكثر المخصصات التي وردت على عمومات الكتاب، أتت على لسان أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، أي بعد عقود أو قرون من العمل بعمومات الكتاب والعمومات النبوية. فإذا التزمنا بالنسخ في كل هذه الموارد، ستكون الشريعة معرضةً للنسخ الكثير. وكثير من الأدلة المخصصة صدرت عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في القرن الثالث.

ففي القرن الأول والثاني، لا نجد كثيراً من المخصصات التي صدرت لاحقاً من الإمام الحسن العسكري، أو التي صدرت من الإمام الهادي، أو التي صدرت من الإمام الجواد (عليهم السلام).

وهنا حقيقة فقهية دامغة، وهي حقيقة ضرورية في مذهب أهل البيت تؤثر على الاستنباط في كل الأبواب الفقهية، وهي مسألة كلامية هامة، ومفادها: أنَّ جملة من المخصصات لدينا صدرت من الأئمة اللاحقين (عليهم السلام)، كالإمام الرضا، أو الإمام الكاظم، أو الصادق، أو الباقر (عليهم السلام)، وذلك ضمن مساحة زمنية كبيرة. وهذا يعني أنَّه لم يُعمل بهذه الأدلة الخاصة ابتداءً، سواء في باب الصلاة، أو الحج، أو الصيام، أو الزكاة، أو الوضوء، أو الغسل، مع أنَّ مقتضى القاعدة هو العمل بها مباشرة.

وقد اضطروا لمتابعة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في هذه المخصصات، والحق مع أئمة أهل البيت. ففي قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾[16] ، عندما سُئِلَ الإمام الجواد (عليه السلام) عن موضع القطع، بيَّن أنَّه من أصول الأصابع، خلافاً لما كان يُفهم من إطلاق اليد. وهكذا في كثير من البحوث المهمة، بيَّن الإمام الجواد، وبيَّن الإمام الهادي، وبيَّن الإمام الحسن العسكري (عليهم السلام) أحكاماً جديدة، وهم كلهم نور واحد بلا شك. بل إنَّ بعض الأحكام في الصلاة والوضوء وغيرها، ليس لنا مدرك ودليل عليها إلا توقيعات صدرت من الإمام الثاني عشر (عجل الله فرجه) من الناحية المقدسة.

وهذا يعني أنَّها صدرت في فترة الغيبة الصغرى، من سنة 260 هـ إلى حدود 329 هـ، وهي فترة حافلة بالإرهاصات العلمية في مذهب أهل البيت. فهؤلاء النواب الأربعة، وآخرهم علي بن محمد السمري (رضوان الله عليه)، كانوا نجوماً وأوتاداً لمذهب الإمامية.

وكان محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقر صديقاً للنائب الثاني، بل كان من أفقه علماء الإمامية في عصره، ولذلك كان يُتوقع له أن يتولى النيابة. وهذه الظواهر في التاريخ العلمي يجب أن نعتبر بها ونعتني بها جيداً. لقد كان من أفقه علماء الإمامية، وكانت أكثر بيوت المؤمنين في بغداد والكوفة وقم وغيرها مملوءةً برسالته العملية. فهو تقريباً أول من ألف رسالة عملية بالمعنى المتعارف، وهو كتاب التكليف، وقد ذكر فيه الشهادة الثالثة في التشهد. وهذه سيرة متجذرة في مذهب أهل البيت، وهي من مصادر الاستدلال.

فابن أبي العزاقر الشلمغاني، قبل أن ينحرف في زمن النائب الثالث، كانت رسالته العملية تتضمن الشهادة الثالثة في تشهد الصلاة. وعلم الرجال لا ينبغي أن يكون مجرد تصنيف باللون الأحمر والأصفر والأسود، فهذه بغبغائية لا تليق بالتحقيق العلمي، بل هو علم تحرٍّ وتحقيق في الشخصيات، كتحقيقات المحقق الجنائي.

المهم، أنَّ هذا الشلمغاني كان من أخص أصدقاء النائب الثاني وخواصه. وإنَّ كلام الشيخ الأنصاري[17] في استبعاد أن ينقلب شخص من قمة العدالة إلى حضيض الفسق ليس تاماً؛ إذ كيف يكون أحد في العدالة ثم يصير أفسق الفاسقين؟ هذا ممكن، والله عز وجل يذكر لنا قصة بلعم بن باعوراء الذي آتاه آياته فانسلخ منها[18] . ولعل الشيخ الأنصاري لشدة تقواه وورعه لم يتصور كيف يمكن لشخص ورع أن ينزلق هذا المنزلق، ولكنَّه أمر ممكن وليس فيه امتناع عقلي.

فالمهم أنَّ الشلمغاني كان من أخص خواص النائب الثاني، وكانت فتواه في التشهد كذلك. وقد ذكرت هذه الأمور لأجل أن أبيّن أنَّ سيرة الشيعة والمؤمنين في الغيبة الصغرى هي مصدر شرعي للاستدلال.

وقد بقي العمل بكتاب الشلمغاني هذا في مسألة الشهادة الثالثة إلى القرن الخامس، زمن السيد المرتضى علم الهدى[19] الذي كان مرجع الشيعة. فقد استُفتي السيد الشريف المرتضى: هل نعمل بكتاب الشلمغاني وفيه الشهادة الثالثة؟ فهذه سيرة للشيعة امتدت لثلاثة قرون، من القرن الثالث إلى الرابع ثم الخامس، وهي بصمات قطعية مهمة لإحراز كيفية السيرة.

فكيف يمكن أن يُغفل عن هذا؟ هذا هو الاستنباط، وهذا هو تنقيب البحث الفقهي.

يقول السيد المرتضى في رسائله المطبوعة: “نعم، يُجزئ العمل به، لكن الأولى العمل برسالة علي بن بابويه أو الحلبي”[20] . ورسالة الحلبي ورسالة علي بن بابويه[21] كلتاهما فيها التشهد بالشهادة الثالثة في الصلاة. فقد رشح السيد المرتضى لعامة المؤمنين أن يعملوا بكتاب الحلبي.

فلاحظ أنَّ سيرة الشيعة على الشهادة الثالثة، بحسب ما يُنسب إلى الحلبي، تمتد إلى أواخر القرن الأول. وقد امتدت هذه السيرة في القرن الأول والثاني والثالث والرابع والخامس، أي ما يربو على أربعة قرون. هذه حقائق دامغة موجودة في مصادرنا، وتحتاج إلى تنقيب يا إخوان. إنَّ شركات التنقيب هي التي تسيطر على البترول، وهذا هو بترول العلم الذي يحتاج إلى استخراج. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.



[1] هو السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (1247-1337هـ)، من كبار فقهاء الشيعة ومؤلف كتاب “العروة الوثقى” الشهير.
[2] هو الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (1277-1355هـ)، من أبرز فقهاء وأصوليي الشيعة في القرن الرابع عشر الهجري، وصاحب مدرسة أصولية متفردة.
[3] هو الشيخ محمد حسين الأصفهاني الغروي، المعروف بالكمباني (1296-1361هـ)، فيلسوف وفقيه وأصولي كبير، ومن أبرز تلاميذ الآخوند الخراساني.
[4] هو السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (1317-1413هـ)، مرجع ديني كبير، وزعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف لعقود، ومن أبرز تلاميذ الميرزا النائيني.
[5] هو السيد محمود الحسيني الشاهرودي (1301-1394هـ)، من مراجع التقليد الكبار في النجف الأشرف.
[6] هو الشيخ ضياء الدين العراقي (1278-1361هـ)، من كبار فقهاء وأصوليي النجف، وأحد الأقطاب الثلاثة في التدريس بعد وفاة الآخوند الخراساني.
[7] هو الشيخ مرتضى بن محمد أمين الأنصاري (1214-1281هـ)، الملقب بـ”خاتم الفقهاء والمجتهدين”، ويعدُّ مؤسس علم الأصول الحديث في الحوزات الشيعية.
[8] هو محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلي (543-598هـ)، من كبار فقهاء الإمامية، اشتهر بنقده لآراء الشيخ الطوسي وتأسيسه لمدرسة نقدية في الفقه.
[9] هو محمد بن الحسن الطوسي (385-460هـ)، الملقب بـ”شيخ الطائفة”، أحد أركان المذهب الإمامي ومؤلف اثنين من الكتب الأربعة.
[10] هو السيد محسن الطباطبائي الحكيم (1306-1390هـ)، من أبرز مراجع الشيعة في القرن العشرين وزعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف قبل السيد الخوئي.
[11] هو السيد محسن بن مهدي الطباطبائي الحكيم (ت 1390هـ)، من كبار مراجع الشيعة في القرن الرابع عشر الهجري.
[12] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414 هـ، ص542، الحكمة 374
[13] للمحقق الحلي، جعفر بن الحسن (ت 676هـ)، وهو من أهم المتون الفقهية لدى الإمامية.
[14] هو محمد بن الحسن الطوسي (ت 460هـ)، شيخ الطائفة ومؤسس حوزة النجف العلمية.
[15] هو السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري (ت 1414هـ)، من مراجع التقليد في النجف الأشرف.
[16] المائدة: 38.
[17] هو الشيخ مرتضى بن محمد أمين الأنصاري (ت 1281هـ)، الملقب بـ”خاتم الفقهاء والمجتهدين”.
[18] يُراجع قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: 175].
[19] هو علي بن الحسين الموسوي، الملقب بالشريف المرتضى وعلم الهدى (ت 436هـ)، من كبار متكلمي وفقهاء الإمامية.
[20] يُنظر: الشريف المرتضى، علي بن الحسين. رسائل الشريف المرتضى.. تحقيق السيد أحمد الحسيني، دار القرآن الكريم، 1405 هـ. المسألة محل بحث ونقاش في مظانها
[21] المراد هو علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (ت 329هـ)، والد الشيخ الصدوق.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo