47/11/08
الموضوع: تواتر المكاشفات وحجيته عند العلامة المجلسي
فيما سبق، أوضحنا ما نُقل عن العلامة المجلسي[1] من أنَّ التواتر موضوع البحث ليس هو الإخبار عن حسٍّ ظاهري، كصوت أو لفظ أو غيرها من الحواس الظاهرة، وإنما هو الإخبار عن حسٍّ باطنٍ غيبيٍّ قلبي، وهو ما يُعرف بالمكاشفة.
ويرى العلامة المجلسي أنَّه إذا تواترت المكاشفات بنحوٍ يقطع معه بعدم التواطؤ على الكذب، ويمتنع فيه احتمال المؤامرة أو الصدفة، فإنَّ هذا الإنباء أو الإخبار بالمكاشفة يكون قاطعاً بصدقه. بل إنَّ قيمة هذا التواتر تفوق قيمة التواتر الحسي.
فمكاشفات الأنبياء هي النبوة في حقيقتها، وإنَّ مساحة التطابق بين مكاشفات الأنبياء والمرسلين والأوصياء تشكّل منظومةً متكاملةً تدير شؤون الحياة، وهي ما يُسمى بالنبوة.
ومثال ذلك: تجارب الاقتراب من الموت التي يمر بها ملايين البشر في الشرق والغرب، حيث يُلحظ التطابق بينهم في رؤية أمور معينة، كبعض ما سبق مجيئهم إلى هذه الدنيا، مع أنَّه لا يعرف بعضهم بعضاً. فهذه المكاشفات المتعلقة بالموت والبرزخ إذا تواترت، فإنَّها لا يمكن أن تكون صدفةً أو مؤامرة، فلا محالة تكون حجة.
والنقطة الجوهرية هنا هي نفسها في التواتر الحسي، وهي النظر إلى عاملي الكيف والكم، بل إنَّ هذين العاملين في تواتر المكاشفات أعظم شأناً وأبلغ أثراً. فالمقصود أنَّه إذا تواترت المكاشفات بنحوٍ يقطع بعدم التواطؤ والمؤامرة، وينفي احتمال الصدفة، فإنَّها تثبت حجيتها.
ولكن يختلف الأمر بين مكاشفات الأنبياء ومكاشفات غيرهم؛ فما يحصل لعموم البشر أو للمرتاضين الروحيين لا يعدو كونه إدراكات جزئية متفرقة على حافة عالم البرزخ، أما ما يحصل للأنبياء والرسل فهو نظام معرفي متكامل يشمل ما فوق السماوات وعوالم سابقة ولاحقة، وهو ما يمتنع أن يكون صدفة. ولذلك نجد أنَّ القرآن يصدّق بعضه بعضاً، وكذلك الكتب السماوية يصدّق بعضها بعضاً، بمعنى أنَّها تتطابق فيما بينها وفق مقتضيات العقل النظري، وهو تطابق يمتنع عقلاً أن يكون صدفةً أو نتيجة تواطؤٍ وتآمر.
فلذلك تكون هذه الإنباءات نبوةً في الأنبياء والرسل، لأنَّها منظومة معهودة ومتكاملة، أما في بقية البشر فهي أمور متفرقة قد يكون في بعضها نفع وفائدة.
والحاصل: أنَّ هذا هو مقصودنا بالتواتر في الإنباءات الغيبية أو المكاشفات، وهو يثبت برهانيته وحجيته بنفس النظام الرياضي العقلي الذي يجري في التواتر الحسي.
ومن ثم، لا ينبغي للإنسان أن ينحبس مع نتاج الفلاسفة والعرفاء والمرتاضين من البشر، ولا أن ينفي من الأساس لغة العقل التصورية أو لغة الإنباء عن الغيب، كما تُنفى الكرامات مثلاً. وقد عقد ابن سينا[2] في كتاب الشفاء مقالةً كاملةً في الرد على المتفلسفة الذين يستهزئون بالكرامات والتبرك بالمقدسات والأدعية والتوسلات، وبيّن أنَّهم لا يفقهون هذا الجانب الغيبي من الوجود.[3]
نعم، إنَّ الانحباس مع نتاج البشر في الفلسفة أمر باطل؛ لأنَّهم ليسوا معصومين وقدراتهم محدودة، بل لا بد أن يستنيروا بلغة الوحي. والأمر كذلك في جانب المكاشفات، فإنَّ نفيها من الأساس بحجة أنَّها ليست لغةً منطقيةً أمر غير صحيح. وأما تقديس بعض أربابها كابن عربي وأمثاله، فهذا خطأ بيّن، فهؤلاء بشر لهم قدرات محدودة وقد تقع منهم الانحرافات. ولكن يبقى أصل الرياضة الروحية والقلبية طريقاً معرفياً هو عين طريق النبوة والإمامة والرسالة.
والحاصل: أنَّ هذا كان خلاصة كلام العلامة المجلسي، وهو بيان وبرهان لطيف لم أرَ مَن تعرض له من المتكلمين أو الفلاسفة، ويدل على أنَّه لا يمكن رفض أصل المكاشفات واعتبارها خرافات، وإلا فكيف يجري فيها التواتر الذي هو برهان عقلي؟
فائدة: أردت التركيز على هذه النقطة مما ذُكر أمس لأهميتها.
النقطة الأخرى التي مرت بنا هي أنَّ الروايات التي تجعل المدار والميزان على موافقة الكتاب أو مخالفته، قد أوضحت أنَّ الميزان الحقيقي هو المتن. فلاحظ أنَّ المتن متقدم وشرط في الوصول إلى حجية الطريق، سواء في أصل اشتراط حجية خبر الواحد أم في مقام التعارض. ففهم المتن والتفقه فيه له أسبقية رتبية على حجية الطريق.
والشاهد على ذلك أمور: - أولاً: إنَّ موافقة الكتاب التي هي شرط لقبول الخبر، تعني مطابقة تفاصيله للأصول الدستورية التشريعية التي أشار إليها الأئمة (عليهم السلام) في قولهم: “علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع”. وهذا هو عين ما يبحثه علم أصول القانون. - ثانياً: إنَّ مصطلح “الصحة” عند المتقدمين من الأعلام كالنجاشي[4] والشيخ الطوسي[5] والصدوق[6] والمفيد[7] ، كان يُطلق على المتن أو الكتاب، لا على الطريق. فكانوا يصفون الطريق بالثقات والعدول، أما الحجية والصحة فكانت للمتن أولاً، ثم يصير الطريق ضميمةً له. - ثالثاً: إنَّ دأب علماء الرجال قديماً وحديثاً هو التعرف على هوية الراوي ومذهبه وعقيدته من خلال متون الروايات التي يرويها، فيُفهم منها غلوّه أو نصبه أو اعتداله، فكان المتن هو المصدر الأعظم في الجرح والتعديل، كما قيل: “المرء مخبوء تحت لسانه”. - رابعاً: إنَّ مبحث التعارض نفسه هو بحث متني بامتياز، فالحكم على الخبر بأنَّه معارض أو غير معارض هو نظر في المتون قبل النظر في الطرق.
والحاصل: أنَّه يتضح من هذا تقدم المتن على الطريق بوجوه متعددة، فهو تقدم منطقي وعقلي ورتبي، يسبق الخوض في البحث عن الطريق. وقد شرح الشيخ علي الخاقاني[8] في كتابه رجال الخاقاني مدرسة الوحيد البهبهاني في هذا المجال.
فإن قيل: إنَّ وحيانية القرآن ثابتة بتواتر النقل الحسي. قلنا: هذا هو مبنى العامة، وقد أثبت السيد الخوئي[9] وجود هذا التواتر الحسي، لكنَّه ليس هو المصدر الأساس لوحيانية القرآن عند الإمامية. فإنَّ وحيانية القرآن عند الإمامية لا تستند إلى التواتر الحسي للنقل فحسب، وإن كان هذا التواتر موجوداً ومسلّماً به، بل هو أرضية ومقدمة لأمر أعظم. والأساس هو أمران: - الأول: الإعجاز الذاتي الكامن في القرآن نفسه، وهو ما يشير إليه التحدي القرآني. - والثاني: شهادة الثقل الآخر، وهم أهل البيت (عليهم السلام)، وهو ما تشير إليه روايات أهل البيت في تفسير قوله تعالى: ﴿…قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَٰبِ﴾ [سورة الرعد: 43].
فالوجه الآخر لوحيانية القرآن هو وحيانية عدله وقرينه، أي وحيانية علي بن أبي طالب وفاطمة والحسنين والأئمة من بعدهم (صلوات الله عليهم أجمعين).
ووحيانية الحسن، ووحيانية الحسين، ووحيانية الأئمة، ووحيانية صاحب عصر الزمان؛ لأن هؤلاء وحي، فهذا وحي يسانخ وحياً آخر، فالكتاب الوحياني لا بد أن يكون له حافظ وحياني، والكتاب الوحياني لا بد أن يكون معلمه وحيانياً، وهلم جرا.
فإذاً، الإمامية إنما تقول بوحيانية القرآن ليس من جهة نقل الأمة بالتواتر، فهذا التواتر الحسي في نقل القرآن موجود صحيح، لكن ليس هو مصدر وحيانية القرآن، حاشا وكلا، إنما هو أرضية مُعَدَّة لشيء أعظم، والأعظم هو قضية وحيانية الإعجاز الموجودة ذاتاً في القرآن.
كما يقول القرآن الكريم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾[10] ، فهذا تحدٍّ داخل القرآن، وليس تحدياً بأن يأتوا بعدالة الصحابة، أو يأتوا بصحابة ليس فيهم نفاق، فالقرآن نفسه يفضح ملفاتهم. ومثال ذلك: ملفات الصحابة في سورة التوبة، وهي لم تكن تسمى “التوبة” في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهذا اسم مستحدث، بل كانت تسمى “براءة”، وتسمى بأسماء عشرة، منها: سورة المنافقين، والفاضحة، والزلزلة، والمبعثرة، والقارعة، وهلم جرا. هذه سورة البراءة التي يسمونها “التوبة” الآن -وربما هي تسمية من مشروع السقيفة لتغطية معناها- تذكر ثلاث عشرة فرقة وفئة من المنافقين ممن يحيطون برسول الله (صلى الله عليه وآله). وفي سورة الأنفال، وفي سورة آل عمران، كل غزوة من غزوات النبي (صلى الله عليه وآله) لها سورة تبين ملفها.
والحاصل: أن هذه نكتة مهمة في علوم القرآن وعلوم الدين، وهي أن وحيانية القرآن عند أئمة أهل البيت عليهم السلام ومذهبهم لا تعتمد على نقل التواتر الحسي، ولا تتوقف على عدالة الصحابة. فالتواتر كما مر بنا، يرتبط بشرطين عقليين: - امتناء التواطؤ والمؤامرة. - امتناء الصدفة. وهذا شرط عقلي لا يرتبط بعدالة الصحابة ولا وثاقتهم.
تطبيق التواتر والاستفاضة: مثال رؤية الهلال
وقد استشكل أحد الأعلام المؤثرين (رحمه الله) في مسألة الهلال، فقال: لماذا عملت على مجموعة فلانة من هناك؟ فرد الوسيط الجواب للسيد، قائلاً: إنَّه أولاً إذا استفاض الأمر فلا يُنظر بعدها إلى الثقة وغير الثقة، ثم إنَّه في تواطؤ الكذب، يُفترض أنهم لا يشتبهون ولا يتواطؤون، فلا يحتاج الأمر إلى بحث العدالة. ففي الاستفاضة لا يبحثون في العدالة والوثاقة، بل يبحثون في هذين العاملين، كما هو الحال في التواتر. نعم، لو كانوا ثقاتاً وعدولاً لزاد ذلك عاملاً كمياً أو كيفياً في تراكم الاحتمالات، وهذا بحث آخر كان يجب أن يلتفت إليه أهل الصناعة في باب القضاء، وباب الهلال، وباب حجية الخبر، وغيرها من الأبحاث التي يجب على الإنسان أن يتنبه لها.
نعم، إذا كانت البينة أربعة، تشترط فيها العدالة والوثاقة على وجه الصحة. ومن ثم نحن في الهلال نعتمد، أي مسبقاً، على متابعة رؤية الهلال في الأماكن التي نطمئن بحصول الاستفاضة فيها على أقل تقدير. هذا يريحنا من البحث في كون هذا ثقة أو غير ثقة، وهو أسهل. إذ نكتفي بالحصول على استفاضة، ونطمئن اطمئناناً يبلغ حد القطع بعدم تواطئهم على الشبهة أو الكذب، وبعدم كونها صدفة. وعندما تسألهم عن شكل الهلال، مع كونهم يعرفون بعضهم بعضاً في كثير من الموارد، وندري أن هذا الصبي يعلم بما يدور بينهم لكونهم أهل مدينة واحدة، لكن ليس بينهم علاقة أو صداقة أو معرفة، فهذا وما من هذا القبيل يعبر عنه بالاستفاضة، والاستفاضة طبعاً درجات.
فهذه نكات نلتفت إليها في هذا المبحث. ومعذرة، فقد اتخذت من بحث تخصيص عموم الكتاب بخبر واحد ذريعة لشرح مباني الأعلام وراء هذا المبحث، فتلك المباني أهم من هذا الجهد.
ومما يضاف إلى ما ذكره الأعلام، وهو صحيح، أن السيرة القطعية لأصحاب الأئمة وتلاميذهم كانت قائمة على تلقي الروايات الخاصة الظنية، وإن لم يسمعوها مباشرةً من الإمام (عليه السلام)، والعمل بها في تخصيص عمومات الكتاب. هذه السيرة قطعية من أصحاب الأئمة، وهي من مسلمات أئمة أهل البيت عليهم السلام، وبالتالي من سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) أيضاً. فهم لم يكونوا يسمعونها مباشرةً، إذ إنَّ ما يسمعونه مباشرةً هو قطعي، بل كانوا يسمعون كلامه عبر وسائط.
وهنا يرد اعتراض آخر في مبحث تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، وهو أنه لو جاز تخصيص الكتاب بخبر واحد، لجاز نسخ الكتاب بخبر واحد، والحال أن هذا باطل لا يقول به أحد. فما الجواب؟ سيما أن تخصيص الكتاب هو تخصيص للأفراد عرضي، أما نسخ الكتاب بخبر واحد فهو تخصيص أزماني، فما الفرق بين تخصيص في عمود الزمان وتخصيص في أفراد الطبيعة في عرض زماني واحد؟ هذا هو الاعتراض.[11]
وهناك اعتراض آخر دعوني أذكره قبل الدخول في الجواب، وهو أن أدلة حجية خبر الواحد لا تدل على حجيته إلا فيما إذا لم يخالف الكتاب حتى مخالفة ابتدائية بدوية؛ لأن الخاص يخالف العام، وإن لم تكن مخالفة تعارض مستقر، بل هي تعارض غير مستقر، لكنه في التالي تعارض وتنافٍ. فالنتيجة: أن أقصى ما دلت عليه الأدلة في حجية خبر الواحد هو حجيته إذا لم يكن منافياً للكتاب. فإذاً، حجية خبر الواحد فيها قصور عن شمول الحجية للخبر الواحد فيما إذا خصّص عموم الكتاب، أو قيد إطلاق الكتاب. إذن، نفس الأدلة فيها قصور. هذا هو الوجه الآخر.
وقبل أن نواصل، لاحظوا أنه حتى فيما سبق، لم يعتمد الأعلام في أجوبتهم عن هذه الإشكالات في أصل بنيان حجية خبر الواحد على خبر الواحد نفسه، بل اعتمدوا على العلم الإجمالي، وعلى القطع المستفاد من سيرة الأصحاب، والأهم من ذلك أنهم يخصصون عموم الكتاب بخبر الواحد قطعاً، وهذا القطع متلقى من الأئمة. إذاً، هم يرممون حجية خبر الواحد بالعلوم، وهذه ليست علوماً تفصيلية، بل هي قطعاً علوم إجمالية.
فالعلوم الإجمالية رأسمال كبير وأساسي لمنظومة الحجج. أما القول بأن أدلة حجية خبر الواحد غير شاملة للخبر فيما إذا خصّص عموم الكتاب أو قيده، فهذا كما يقال خلاف واقع الأدلة، فالأدلة واردة في هذه الأخبار، وأكثر هذه الأخبار مخصصة لعمومات الكتاب أو مقيدة لإطلاقاته. وبتعبير آخر، إذا رفعنا اليد عنها، فماذا سيبقى من حجية خبر الواحد؟
وهنا محطة مرتبطة بحجية المتن، [12] دعوني أذكرها ونختم. كيف هي مرتبطة بحجية المتن؟ إنَّ عمومات الكتاب وإطلاقاته في العبادات، وعموماته وإطلاقاته في المعاملات، هي مسألة علمية فقهية تفسيرية وأصولية، لها ثلاثة أبعاد أو أكثر. فقسم من الأعلام، حتى من الأصوليين، قالوا كما يقول الإخباريون بأن آيات الأحكام في القرآن الكريم لا تتجاوز خمسمئة أو ستمئة آية، ولكن هذا الكلام غير صحيح وغير سديد أبداً. وهذا بحث مهم حول موضع عمومات الكتاب وإطلاقاته في بحوث استنباطات الفروع الفقهية، بل وحتى العقائدية، سنتعرض له غداً إن شاء الله.