47/11/01
الموضوع: تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد: الإشكالات والمسالك
كان الكلام في جواز تخصيص عموم القرآن الكريم بخبر الواحد الظني. وإنْ نُسب إلى المتأخرين الاتفاق على هذا الأمر، لكن كما مرّ بنا، فإنَّ القدماء لا يعملون بخبر الواحد، وإنما يعملون بالخبر العلمي، وسيأتي بيان معنى الخبر العلمي. والخبر العلمي يخصصون به عموم الكتاب، لكن المتأخرين، أي من القرن السابع الهجري تقريباً وما قاربه، يخصصون عموم الكتاب بخبر الواحد الظني.
فيقع الإشكال أو التساؤل من زوايا أربع أو خمس، وهو كيف يخصص الكتاب الذي هو قطعي الصدور أو قطعي السند بخبر ظني؟ ومن هنا تعددت الأجوبة عند الأعلام. هذا فيما يتصل بتخصيص عموم الكتاب، فالمسألة هي تخصيص عموم الكتاب أو إطلاق الآيات أو عمومها.
**
الفرق بين التخصيص والنسخ
أما نسخ الآيات بخبر واحد:** فهناك إجماع عند علماء الإمامية، بل حتى عند العامة ظاهراً، على أنَّه لا يُنسخ الكتاب بخبر الواحد. والمقصود بأنه لا يُنسخ الكتاب، هو أنَّه لا يُنسخ حكمه. وهناك أقسام للنسخ ستأتي، منها نسخ التلاوة، أي أنَّ الآية لا تُقرأ أصلاً، وقد بحث أكثر علماء الإمامية هذا القسم ومعناه. والعامة قائلون بجوازه أو وقوعه، بينما الخاصة لا يقولون بوقوعه. فآية قد لا تزال تُتلى ولكن حكمها منسوخ، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: 16]، حيث نُسخ حكم الإيذاء بحكم الجلد، مع أنَّ الآية لا تزال تُتلى. وكذلك الحكم في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: 15]، فهو حكم منسوخ، وهناك جملة من الأحكام المنسوخة التي لا يُعمل بها. وقد وقع اتفاق الإمامية والعامة أيضاً على أنَّ نسخ الحكم، وكذا نسخ التلاوة، لا يثبت بخبر الواحد.
وأما التخصيص: فيجوز ويسوغ عند أكثر علماء الإمامية وعند أكثر علماء العامة. فهذان مطلبان.
المطلب الثالث: أنَّ قرآنية القرآن، أو قرآنية الآيات، أو قرآنية السور، بالضرورة لا تثبت بخبر الواحد. وهذا غير بحث القراءات، فالمغايرة بين القراءات ومتن القرآن مبحث معقد جداً. فالمطلب الثالث هو أنَّ قراءة القرآن قد تثبت بخبر الواحد، لكن المتن القرآني لا يثبت بخبر الواحد، ولا حتى بالخبر المستفيض، بل لا بد أن يكون متواتراً. فإذا لم يكن متواتراً لا تثبت قرآنيته. وإنْ كانت حجية القرآن عند الإمامية لا تنهض بالتواتر الحسي فقط، بل بالثقلين معاً. وحتى عند العامة، لا يسوغ نسخ حكم الكتاب بخبر الواحد. فمحل البحث هو متن القرآن، لا القراءات، مع أنَّ الأعلام قد يقعون في التباس بين بحث القراءات وبحث متن القرآن، وهو مبحث غامض معقد يجب على الإنسان أن يغوص فيه غوصاً كي تتضح له خيوطه. فما هو الفرق بين القراءات كهامش للقرآن وبين متن القرآن القطعي الوحياني؟ هذا مبحث من علوم التفسير.
ذكر الأعلام هذه الأمور الثلاثة في هذا المبحث، لكن بحثهم يتركز في المطلب الأول، وهو كيف يتم تخصيص عموم الكتاب أو إطلاقه بخبر ظني؟ أصل هذا التساؤل، بغض النظر عن المعترضين، له وجاهته، وقد نقلنا عن العلامة الطباطبائي في حاشيته على الكفاية أو في الميزان أنَّه لا يستشكل في تخصيص عموم الكتاب بخبر واحد.
والخبر القطعي غير الخبر الواحد. وينبغي الالتفات إلى أنَّ الخبر القطعي لا ينحصر في الخبر المتواتر، بل هو أعم منه. فقد يكون الخبر في صورته خبر واحد، ولكن تحتف به قرائن كثيرة، كعمل الأصحاب به، ترتقي به إلى درجة القطع. فخبر تلقاه الأصحاب بالقبول والعمل طيلة قرون، وتطابقه السيرة، فإنَّ هذا التكاتف يرتقي بالخبر من كونه ظنياً إلى كونه قطعياً. فالخبر القطعي بحث آخر.
إنَّ الخبر القطعي أعم من الخبر المتواتر. وللسيد الخوئي[1] (رحمه الله) كلام في شرح العروة، لم أقيد موضعه، يصرح فيه بأنَّ اجتماع خمس روايات معتبرة من طرق متباعدة، وإنْ لم تكن صحيحة، يوجب القطع بصدورها وعدم كونها صدفة، فتتكون بذلك سُنّة قطعية. والمعتبرة هنا غير الصحيحة، فتشمل الموثقة والحسنة والقوية. والقوية هي أضعف الطرق، لكنها معتبرة عند المشهور وعنده كذلك، وهي ما كان في سندها عامي غير ممدوح، أو غير إثني عشري لكنه ممدوح وليس موثقاً. فالمعتبر يطلق على الطريق القوي والحسن والموثق، كما يطلق بالمعنى العام على الصحيح أيضاً، ولكن في الاصطلاح مغايرة بين “المعتبر” و”الصحيح”. فاصطلاح “معتبر” يطلق غالباً عند المتأخرين على ما دون الصحيحة. إجمالاً، يجب الانتباه لهذه الاصطلاحات. فالخبر القطعي ليس من الضروري أن ينحصر في المتواتر، فقد يكون مستفيضاً مع قرائن فيصير قطعياً، وقد يكون دون المستفيض أيضاً مع قرائن فيصير قطعياً.
الكلام الآن ليس في الخبر القطعي، بل في الخبر الظني، خبر الواحد المعتبر، فهل يخصص به عموم الكتاب؟
وأصل هذا التساؤل، وتعرض الأعلام للجواب عنه، يدل على أنَّه في محله. ومنشأ التساؤل هو: إذا كانت الحجج متفاوتة الرتبة، فكيف يُتصرّف بحجة دونية في حجة فوقية؟ فهذا التفاوت بين اليقين والظن يدل على أنَّه في نظام الحجج تُراعى مراتبها، ولو لم يكن أصل هذا المبحث صحيحاً لما استعرضه الأعلام بهذه الصورة. فإنَّ عرضهم لهذه الإشكالات وانبراءهم للجواب عنها يدل على وجاهة أصل التساؤل.
وهذا شبيه بما هو مقرر في باب القضاء، حيث توجد شروط لسماع الدعوى قبل الشروع في القضاء، فهل تستحق الدعوى أصلاً أن تُعرض على القاضي ليبحث فيها؟ أم أنَّها تفتقر إلى الأهلية والأرضية؟ لذلك ذكر الأعلام شروطاً لسماع الدعوى، وبعدها تأتي موازين فصل النزاع، وهو القضاء. فهذا المبحث من هذا القبيل، أي إنَّ أصل تعرض الأعلام للإشكالات ثم تدقيقهم في كيفية الجواب، يدل على أنَّ أصل التساؤل له منشأ ووجاهة، وهو أنَّ الحجة القطعية أو اليقينية كيف يُتصرّف فيها بحجة ظنية دونها؟
وهذا يشبه التساؤل الذي مرّ بنا في استصحاب العلم الأزلي، وكيف ينضم إلى العموم في مثل: “كل امرأة تحيض إلى ستين إلا القرشية”، حيث استعانوا باستصحاب العلم الأزلي عند الشك في كون المرأة قرشية أم لا.[2] فكان أحد الإشكالات هناك: كيف ينضم أصل عملي إلى عموم لفظي، مع أنَّ الأصل العملي ليس في رتبة الدليل اللفظي من حيث الحجية؟ فذكروا هناك نكاتاً صناعية لا حاجة لإعادتها. فأصل فكرة مراعاة المراتب في نظام الحجج موجودة، فليست الحجج كلها في عرض واحد. وهذا يجري في مراتب اليقين والظن، وهلم جراً، لا بين الظن والشك فحسب، بل حتى في مراتب الظن نفسها. وقد مرّ بنا كلام الميرزا هاشم الآملي[3] (رحمه الله) الذي استشكل فيه على السيد محسن الحكيم والسيد الخوئي استنادهما في حجية البينة في الموضوعات إلى رواية واحدة موثقة، معتبراً أنَّ لا معنى لذلك. وهو منهج ينبهنا في أبحاث الفقه والعلوم الدينية.
وهذا يشبه ما نقلناه في بداية الحديث من أنَّ قرآنية القرآن بالضرورة لا تثبت بخبر الواحد، بل يجب أن تكون قطعية. بل لا يكفي فيها القطع واليقين الحسي، بل لا بد أن يكون يقيناً وحيانياً، أي تواتر وزيادة. إذن، هذه نكات في مراتب الحجج يجب أن يُلتفت إليها.
قاعدة أخرى: في هذا المبحث، وهي أنَّ أصل مبحث جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر واحد يرتبط بهذه الكبرى الفوقية، وهي مراتب الحجج. ومن ثم سيأتي في مباحث الحجج، وهو مذكور في الرسائل العملية، أنَّ العقائد لا تقليد فيها، على الأقل في دائرتها المركزية كأصول الدين وأركانه، فلا يجوز التقليد فيها، أي إنَّ الخبر الظني لا يُعوّل عليه. وقد مرّ بنا مراراً أنَّ معنى عدم جواز التقليد ليس الانقطاع عن العلماء، بل يعني أنَّه لا تكفيك مرجعية واحدة ولا المراجع المعاصرون، بل يجب أن تنفتح على جميع طبقات العلماء طيلة القرون الماضية. بالتالي، لا يتناسب التعويل في العقائد على الخبر الظني بمفرده، فلا يسوغ في أصول الدين وأركانه التعويل على الظن، سواء كان خبر واحد أو تقليداً، بل يجب الانفتاح على جميع العلماء والمصادر، بقدر وسع المكلف ولو كان عامياً، إلى أن يستحصل اليقين. فنلاحظ أنَّ العقيدة عند علماء المسلمين لا تتناسب مع كون الدليل ظنياً، فهي أساس الدين، ولا يمكن الانطلاق فيها من الظن، بل من اليقين. ومع أنَّ من بنى عقيدته على الظن تقصيراً أو قُصوراً وطابق الحق، فهو من الناجين كما يقول الشيخ الطوسي[4] . ولكنه مأثوم، لأنَّه لم يحصن عقيدته بأدلة اليقين، فتكون عقيدته في معرض الزوال.
وهذا التحصين هو أحد معاني الاحتياط. ومعنى الاحتياط في العقائد هو أن تعتمد في العقيدة الحق على أدلة قطعية يقينية. فقولهم: “أخوك دينك فاحتط لدينك”[5] ، أي حصنه، بحيث لا يزول بالشبهات والأفكار المنحرفة، وتجعله في حصن منيع عن أن يُسلب منك هذا الاعتقاد الحق. فالمقصود أنَّ هناك قاعدة أخرى مهمة في مباحث الحجج، وهي أنَّ موقعية المسألة في الدين يتناسب معها دليل بدرجتها، وهذا واضح في طيات كلامهم وإنْ لم يصرحوا به تصريحاً مقولباً.
الاعتراضات الأساسية على تخصيص عموم القرآن
نرجع الآن إلى المسألة الأصلية التي هي منشأ لهذه القواعد، وهي: كيف يخصص عموم القرآن القطعي بخبر ظني؟ هنا جملة من الشبهات والاعتراضات، نستعرضها ثم نذكر أجوبة الأعلام عنها:
الاعتراض الأول: كيف يعالج دليل ظني دليلاً قطعياً؟
الاعتراض الثالث: أنَّ أدلة حجية خبر الواحد عمدتها الإجماع أو الأدلة اللُّبِّيَّة[6] ، وهي لا تشمل حجية الخبر الظني في قبال القطعي. نعم، يثبت بها حجية الظني في قبال ظني آخر، أما في قبال القطعي فلا دليل لنا على اعتباره. وهذا راجع إلى قُصور في أدلة حجية خبر الواحد.
الاعتراض الرابع: أنَّه قد ورد مستفيضاً أو متواتراً: “مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ زُخْرُفٌ”[7] ، والخبر الظني المخصص مخالف لظاهر عموم الكتاب، فيجب طرحه. فمن شروط حجية خبر الواحد ألا يخالف الكتاب، فكيف يخالفه ولو بالتخصيص الذي هو نوع من المخالفة؟
الاعتراض الخامس: لو ساغ تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد الظني، لساغ النسخ به أيضاً، والتالي باطل بالضرورة والإجماع، فالمقدم مثله في البطلان.
فهذه خمسة اعتراضات أساسية. وقبل الدخول في تفاصيل الأجوبة، ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ هذا المبحث في جوهره حججي بامتياز، وإنْ جُعِل في مباحث الألفاظ. فصحيح أنَّه يتعلق بالعام والخاص، لكنه مرتبط بقطعية العام وظنية الخاص، أي ببحث القطع والظن، وهو من صميم مباحث الحجج.
إذن، هذه خمسة اعتراضات، وللأعلام أجوبة متعددة سنستعرضها ثم نقيمها. وهناك جانب ثالث أيضاً، وهو أنَّ القدماء من علمائنا، كالصدوق والكليني والمفيد والمرتضى وحتى الطوسي، وكذلك ابن زهرة وابن إدريس وغيرهم، يبنون على حجية الخبر العلمي، لا خبر الواحد. وعندهم إنما يخصص عموم الكتاب بالخبر العلمي. ففي فذلكة البحث، هناك فرق بين مبنى القدماء ومبنى المتأخرين. حتى الشهيد الأول مبناه هو مبنى القدماء. أما المحقق الحلي والعلامة الحلي فهما في حالة تذبذب بين المبنيين. ويبدو أنَّ السيد أحمد بن طاووس[8] هو من ابتكر مبنى الاعتماد على الطريق، لكنه هو نفسه لم يعتمد عليه بشكل مطلق، إلا أنَّ من أتى بعده أفرط في الأخذ به.
فهكذا هي خريطة البحث عند الأعلام: القدماء يبنون على حجية الخبر العلمي، والمتأخرون يبنون على حجية خبر الواحد. فكيف تتم أجوبة هذه الاعتراضات الخمسة على وفق المبنيين؟ هذه نكتة مهمة جداً. فيجب ألا نخلط بينهما، فقاعدة التسامح في أدلة السنن عند القدماء معناها الحقيقي هو البناء على الخبر العلمي، لا التسامح في الطريق كما هو مبنى المتأخرين. لذلك، ما إن يأتي مبحث الطريق في البين، وجب التفريق بين مبنى القدماء ومبنى المتأخرين. وعلى كل حال، سنستعرض أجوبة المتأخرين، ثم نبين كيف تكون هذه الأجوبة على مبنى المتقدمين إنْ شاء الله. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
ويتحصل من ذلك أن العقيدة عند علماء الإمامية، بل وعامة المسلمين، لا تتناسب مع كون الدليل المستند إليها ظنياً.
فالعقيدة بوصفها أساس الدين وعلومه، لا يمكن الانطلاق في تحصيلها من الظن، بل لا بد من الانطلاق فيها من اليقين. ومع ذلك، فلو أن امرأً بنى عقيدته على الظن تقصيراً أو قصوراً ثم صادف أن طابق اعتقاده الحق، فهو وإن كان من الناجين، إلا أنه يُعد مأثوماً، كما يقرر ذلك الشيخ الطوسي[9] ؛ لأنه لم يحصّن عقيدته بأدلة اليقين. فإن العقيدة التي لا تستند إلى اليقين تكون في معرض الزوال.
وهذا هو أحد معاني الاحتياط، وهو أن تعتمد في العقيدة الحق على أدلة قطعية يقينية. ففي الحديث المأثور: «أَخُوكَ دِينُكَ فَاحْتَطْ لِدِينِكَ»[10] ، أي حصّنه. فمعنى الاحتياط هنا هو التحصين الذي لا يزول بالشبهات والأفكار المنحرفة أو الضالة، وهو ما يجعل المكلف في حصن منيع وأمن وأمان من أن يُسلب هذا الاعتقاد الحق.
قاعدة: يتفرع على ما سبق قاعدة أخرى مهمة في مباحث الحجج، وهي أن موقعية المسألة في منظومة الدين تقتضي دليلاً يتناسب معها في الرتبة والقوة. وهذه القاعدة وإن لم يصرح بها الأعلام تصريحاً مقولباً، إلا أنها واضحة جلية في طيات أبحاثهم، سواء في علم الأصول أو الفقه أو التفسير أو علم الكلام.
وبالعودة إلى المسألة الأصلية، التي هي في الحقيقة منشأ وأساس للقواعد الأخرى التي ذكرناها، يبرز التساؤل المركزي: كيف يمكن لعموم القرآن الكريم أو إطلاقه، وهو قطعي الصدور، أن يُخصَّص بخبر الواحد، وهو ظني السند؟ وقد أُثيرت في هذا المبحث جملة من الشبهات والاعتراضات، يمكن إجمالها في النقاط التالية، قبل استعراض أجوبة الأعلام عنها: - الاعتراض الأول: كيف لدليل ظني أن يتصرف في دليل قطعي؟ - الاعتراض الثاني: إن أدلة حجية خبر الواحد، وعمدتها الإجماع والأدلة اللبية، قاصرة عن إثبات حجيته في مقابل الدليل القطعي. فمقتضى هذه الأدلة هو حجية الظني في مقابل ظني مثله، لا في مقابل القطعي. - الاعتراض الثالث: إن الروايات المستفيضة، بل المتواترة، قد دلت على وجوب عرض الأخبار على الكتاب، وطرح ما خالفه، كقوله: «فَمَا لَمْ يُوَافِقْ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ زُخْرُفٌ»[11] . والخبر المخصص لعموم الكتاب هو نوع من المخالفة لظاهره، فيجب طرحه. - الاعتراض الرابع: لو ساغ تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد الظني، لساغ نسخه به أيضاً؛ للملازمة بينهما. والتالي باطل بالإجماع والضرورة، فالمقدم مثله في البطلان.
فهذه هي الاعتراضات الأساسية التي تُطرح في مقام جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد الظني.
تنبيه: قبل الدخول في تفاصيل الأجوبة، ينبغي التنبيه على أن هذا المبحث وإن كان ظاهره من مباحث الألفاظ، لارتباطه بمفهومي العام والخاص، إلا أنه في جوهره وحقيقته من مباحث الحجج بامتياز؛ لأن محوره يدور حول قطعية العام وظنية الخاص، أي حول مراتب التصديق والأدلة. ولذلك، فإن جُلّ النكات الدقيقة فيه ترجع إلى مباحث الحجج.
إذن، في مقابل هذه الاعتراضات، قدّم الأعلام أجوبة متعددة، سنقوم باستعراضها ثم تقييمها.
خريطة البحث: الفرق بين مسلك القدماء والمتأخرين
وجدير بالذكر أن القدماء من أعلامنا، كالصدوق والكليني والمفيد والمرتضى، بل وحتى الشيخ الطوسي في أحد مبنييه، وكذلك ابن زهرة وابن حمزة وابن البراج وابن إدريس وغيرهم، يبنون على حجية «الخبر العلمي»[12] ، لا خبر الواحد الظني المجرّد. وهذا مصطلح يجب فهم معناه الدقيق في مبحث الحجج.
وتأسيساً على ذلك: فإن القدماء إنما يخصصون عموم الكتاب بالخبر العلمي، لا بخبر الواحد الظني. ففذلكة البحث تقتضي التمييز الدقيق بين مسلك القدماء إلى عصر ابن إدريس، بل وحتى الشهيد الأول الذي يميل إلى مبناهم، وبين مسلك المتأخرين. أما المحقق الحلي والعلامة الحلي فيظهر منهما التذبذب بين المسلكين. بل حتى السيد أحمد بن طاووس[13] الذي يُنسب إليه ابتكار مبنى الاعتماد على الطريق دون المتن، كان هو نفسه متذبذباً بين مبنى القدماء والمبنى الذي ابتكره، ولم يلتزم به على نحو مطلق، غير أن من أتى بعده قد توسع في تطبيق هذا المبنى وربما أفرط فيه.
إذن، تتضح خريطة البحث عند الأعلام بأن القدماء يبنون على حجية الخبر العلمي، بينما يبني المتأخرون على حجية خبر الواحد الظني. والسؤال المحوري هو: كيف تتم الإجابة عن الاعتراضات المتقدمة على وفق كلا المبنيين؟ وهذه نقطة في غاية الأهمية، إذ لا بد من التفريق بين المسلكين وعدم الخلط بينهما. فمبنى القدماء في الخبر ليس هو خبر الواحد، وقاعدة التسامح في أدلة السنن[14] ليست هي محور عملهم، بل يبنون على الخبر العلمي، ولا يتسامحون في أصل الطريق كما هو مبنى المتأخرين. فبمجرد أن يطرح مبحث الطريق، يجب فرز مبنى القدماء عن مبنى المتأخرين.
وعلى أي حال، سنشرع في استعراض أجوبة المتأخرين أولاً، ثم نبين كيف يمكن تكييف هذه الأجوبة أو استبدالها على مبنى المتقدمين.