47/08/23
الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص/ تتمة وجوب الفحص الخطابات للمشافهين او الغائبين او المعدومين
التضلع في علم الحديث أعظم آليات الفحص
على أية حال، بالنسبة إلى وجوب الفحص وتكملة المبحث، فإن ارتباط وجوب الفحص بعلم الحديث هو ارتباط مباشر جداً. ولن يحصل لدى الباحث تضلع في كيفية الفحص وفنون الفحص في علم الحديث - لا سيما في الكتب الفقهية للمتقدمين وكيفية استخلاص الوجوه منها - إلا بالممارسة والتمرس.
الخلط بين التضلع في علم الحديث والمنهج الإخباري
فعلم الحديث يتطلب - في أقل تقدير - المرور على فهرسة أبواب الحديث وعناوينها وهلم جرا، وهذا أمر ضروري جداً. والكثير يخلط بين التضلع في علم الحديث وبين المنهج الأخباري؛ فعلم الحديث شيء والمنهج الأخباري شيء آخر.
إن الشيخ المفيد محدث في حين أنه فقيه ومتكلم ومفسر ورجالي، والشيخ الطوسي كذلك، فربما ثلث كتب الشيخ الطوسي كلها في علم الحديث؛ فمن ثم هو محدث فقيه وأصولي، وهذه علوم مختلفة متعددة. والمهم أن فنون علم الحديث ضرورية، فأنت تلاحظ أن كل الأصول الروائية للأصحاب رواها الشيخ المفيد جلها أو كلها، وليس دسيسة، ولا أنه أجاز إجازة إجمالية إبهامية بدون علم، بل كان يستعرض الأحاديث والأسانيد.
أهمية التضلع والتبحر (التخصص) في علم الحديث
لذلك، فإن هذا التمرس في علم الحديث ضروري، وقد ذكرنا تجارب لكثير من أعلام الحوزة في هذا الشأن؛ فالعلامة الطباطبائي ذُكر في ترجمته أنه تدارس كتاب «بحار الأنوار» مع نفسه مرتين، وليس مرة واحدة. وهو نفسه رغم كونه فيلسوفاً وأصولياً ومفسراً تباحث مع السيد هادي الميلاني في كتاب «وسائل الشيعة» من الأول إلى الآخر. وكذلك الشيخ حسين الحلي معروف عنه أنه يحفظ عناوين أبواب الوسائل، أي يمتلك نوعاً من قاعدة بيانات لتبويب الحديث، وهذا ضروري ومهم.
إجمالاً، هذا التمرس في علم الحديث ضروري، وتلاحظ أن المرحوم السيد محمد الروحاني كان يرى ضرورة وجود ثلة متخصصة متبحرة في علم الحديث، وكلامه صحيح؛ فمن ضمن الأمور الناقصة في الحوزة عدم وجود متبحرين في علم الحديث. وأنا أتذكر أن كثيراً من كبار العلماء في مسائل عقائدية حساسة، أو مسائل في الفقه السياسي، أو في التاريخ والسيرة، يستعينون بمتبحرين في علم الحديث؛ حيث يسألونهم سؤال التلميذ، لأن التبحر في علم الحديث يعطيك باعاً كبيراً جداً.
فالميرزا النائيني كان يسكن إلى آراء الميرزا النوري فيما يشخصه في استعمالات الألفاظ في الروايات باعتبار تمرسه وتبحره. والشيخ الأنصاري كذلك يسكن إلى استظهارات العلامة المجلسي من ألفاظ الروايات، لأنه متمرس ومتبحر أكثر من غيره.
الحديث يفسر بعضه بعضاً وشبكية مصادر الزيارة الجامعة
وهذه عجيبة أن الحديث يفسر بعضه بعضاً، بل هي واقعاً عجيبة. كانت لدينا جلسة قبل ربما خمس عشرة أو ست عشرة سنة هنا في النجف، استمرت لمدة سنتين بواقع يومين في الأسبوع مع بعض الإخوة كورشة عمل لفحص مصادر «الزيارة الجامعة الكبيرة». وإلى يومنا هذا - بل إلى قبل أيام - سبحان الله أجد هذه الزيارة الجامعة مروية بمتون متعددة بشكل عجيب، وإن لم تُسمَّ بالزيارة الجامعة! فهذه الزيارة هي متن واحد ورواية واحدة، ولكن تجد متونها واردة في زيارة السيدة معصومة، وفي زيارة أبي الفضل العباس، وفي زيارة علي الأكبر، وفي زيارة حمزة بن عبد المطلب.
بالتالي، هذه نوع من الشبكية؛ فاستقصاء متون الحديث وجعل بعضها شاهداً لبعض أمر ليس بالهين، بل هو إنصافاً صعب جداً. والتضلع والفراسة في ذلك ينجي الباحث - سواء كان متكلماً أو فقيهاً أو مفسراً - من كثير من الزلات والأخطاء في الاستنباط، ولكنه يحتاج إلى تمرس.
لذا قيل «ثبِّت العرش ثم انقش»؛ افحص عن تراث الحديث. والمشكلة أن الكثير منا لا يعرف كيف يرجع إلى تراث الحديث، وحتى البحث والفحص عبر الموسوعات الإلكترونية يحتاج إلى فن؛ لأنه بعد الدخول للمتن يجب معرفة كيف تنتقل من هذا المتن لذاك المتن عبر الشبكية.
وكثير ممن يجحد رواية أو متناً معيناً ويعرض عنها، يكون ذلك لعدم اطلاعه - ولو أدنى الاطلاع المتوسط - في علم الحديث؛ فلو بحث لشاهد الشواهد بين الروايات والأحاديث الشيء الكثير. والقاعدة العجيبة أن الحديث يفسر بعضه بعضاً أو يشهد بعضه لبعض، يجدها الباحث بالعيان. وأحد أسباب الخلل والخدشة في الروايات صدوراً أو متناً هو قلة البضاعة في علم الحديث، فضلاً عن البعد عن تشاهد المعاني الذي هو أصعب وأصعب. ويمكن أن نسمي هذا البحث باسم «نظرية المعرفة في العلوم الدينية»؛ أي كيف يتم الفحص والمعرفة وأسبابها وآلياتها.
الخطابات للمشافهين أو الغائبين أو المعدومين وحجية الظهور
المبحث اللاحق الذي يثيره علماء الأصول هو: هل الخطابات الواردة من الشارع منحصرة بالمشافِهين (الذين يكونون في مجلس كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة)؟ أم تعم الغائبين في زمانهم؟ هذا احتمال ثانٍ. أم تعم المعدومين (الأجيال التي ستأتي ولم يكونوا موجودين)؟
هذا المبحث مهم؛ لأن حجية الظهور تناط بهذه الأقوال. فالمتكلم إذا كان خطابه موجهاً إلى خصوص المشافهين، فاستظهار الغائبين أو المعدومين من كلامه قد يكون خاطئاً؛ لأنه قد تغيب عنهم قرائن في الظهور، والمتكلم لم يُعِد كلامه للغائبين أو المعدومين. فإثبات حجية الظهور حينئذٍ - لو كان المتكلم يقصد المشافهين فقط - يحتاج بالنسبة للمعدومين إلى دليل على حجية هذا الظهور، أو يحتاج إلى فحص مضاعف وشديد. وربما يقال إن حجية الظهور تنحصر حينئذٍ بالانسداد، لأنه ليس معلوماً أن الغائبين أو المعدومين قد وقفوا على كل قرائن الألفاظ.
ويقال إن الميرزا القمي (رحمه الله) حيث يذهب إلى أن الكلام الصادر من المتكلم هو في العادة مع المشافهين الأعيان أمامه، ولا يشمل الغائبين فضلاً عن المعدومين؛ فبسبب ذهابه لهذا المبنى اضطر أن يصبح انسدادياً. لأن هذه الظهورات لا يمكن الإحاطة بها لغير المشافهين الذين يعلمون القرائن الحالية والملابسات، أما الغائبون والمعدومون فما يستظهرونه ناقص من حيث مواد الظهور، وهذا الناقص لا دليل على حجيته إلا بالانسداد.
ثلاث جهات لخطابات المشافهين والغائبين والمعدومين
وقد أوقع الأعلام هذا البحث في ثلاث جهات؛ جهتان عقليتان، وجهة ثالثة لغوية:
1. الجهة الأولى: هل يمكن تكليف الغائبين والمعدومين أم لا؟ هل يمكن أن يكون الحكم شاملاً عقلاً وإمكاناً؟ لأن البحث الثبوتي الإمكاني مقدم على البحث الإثباتي.
2. الجهة الثانية: هل يمكن الخطاب والتخاطب كفعل - ولو عبر الألفاظ - مع الغائبين والمعدومين عقلاً أم لا؟
البحوث الاعتبارية تحيط بها جهات عقلية تكوينية
وهنا نكتة لطيفة؛ وهي أن البحوث الاعتبارية وإن كانت اعتبارية، ولكن فيها جهات عقلية تكوينية يجب أن نلتفت إليها دائماً. فكون الشيء اعتبارياً والاعتبار «خفيف المؤونة» ليس حلالاً للمشاكل؛ لأن هذا الأمر الاعتباري يكتنفه ويحيط به جهات من التكوين، فلربما كان هناك محذور في الأمور التكوينية المحيطة به. وهذه قاعدة مهمة في الأصول والفقه يغفل عنها الكثير: «ليس كل ما في الأمر الاعتباري اعتباري، بل فيه أمور تكوينية محضة تخضع لموازين عالم التكوين».
زوايا كثيرة من الحقيقة الشرعية لمعاني لغوية وتكوينية
وشبيه بذلك ما مر بنا مراراً: «ليس كل ما هو حقيقة شرعية ممحض في التعبد الشرعي». فزوايا كثيرة من الحقائق الشرعية ترجع إلى معاني لغوية وتكوينية. مثلاً: الركوع حقيقة شرعية، لكن العلماء في مباحث خلل الصلاة أو العاجز تمسكوا بالعناوين اللغوية والتكوينية في الركوع، وكذلك في السجود والقيام. فالشارع وإن تصرف وشكل حقيقة شرعية، لكن هذا لا يعني أنه ألغى الزوايا التكوينية واللغوية تماماً ونسفها.
وكذلك الحال في الوقوف والصلاة من قيام، فالوظيفة الأولية هي الصلاة من قيام، وقد تمسك العلماء في كثير من مباحث الخلل ومراتب الوقوف بالمعنى اللغوي والتكويني. فكيف يقال إنه تعبد شرعي محض؟ نعم، العباديات توقيفية، ولكن ليس كل توقيفي يعني خلوه من المعنى اللغوي والتكويني الذي أخذه الشارع.
أو كما يقال مثلاً إن السجود في آيات العزائم غير السجود في الصلاة؛ نعم قد يختلف في بعض القيود والشروط، ولكن أصل السجود لا يختلف. وكذا قراءة القرآن في الصلاة لا تختلف ماهيتها عن القراءة في غير الصلاة.
وهذه الغفلة موجودة عند الأعلام في بحث تشهد الصلاة؛ ظناً منهم أن كل زاوية فيه تعبدية. فالتشهد معناه التصريح والإقرار بالعقيدة، وبضرورة الدين ومذهبنا فإن الأصول ثلاثة وليست اثنين. ولذلك حين سُئل الإمام: هل في التشهد في الصلاة شيء مؤقت؟ قال: «ليس فيه شيء مؤقت».
الشهادة الثالثة والحقيقة الشرعية واللغوية
فنرجع إلى الاعتباري: إذاً ليس كل شيء اعتباري خالٍ من الزوايا التكوينية اللغوية التي تبقى على حالها إلا بمقدار ما تصرف الشارع. ولذلك الأعلام هنا يبحثون في خطاب الشارع، ومع أن الخطاب يتم بتوسط اللغة والاعتبار، إلا أن اللغة فيها زوايا تكوينية.
فإذا تمت إمكانية البحثين العقليين (إمكانية شمول الحكم، وإمكانية الخطاب كفعل تكويني)، تصل النوبة إلى الجهة الثالثة: هل أدوات الخطاب في اللغة (أسماءً وحروفاً) موضوعة لغة للمشافهين فقط؟ أم تعم الغائبين والمعدومين؟
وهذا البحث إذا نقحه الإنسان بدقة، يلتفت إلى اعتراض الأعلام على الشهادة الثالثة في تشهد الصلاة بحجة أنها «كلام آدمي». فكلام الآدمي يعني التوجه بالخطاب إلى آدمي (بشر) ومخاطبته، أما إذا كان الخطاب مع الله فلا يتوهم أنه كلام آدمي مبطل للصلاة.
وقد أثيرت هذه القضية - حسب ما ببالي - من السيد محسن الحكيم (رحمه الله)، ثم السيد الخوئي ومن بعده، حول ما إذا كانت هناك شبهة كلام آدمي في الشهادة الثالثة. وهذا يؤثر في بحث خلل الصلاة: هل الشهادة الثالثة يخاطب بها الله؟ أم الرسول؟ أم أمير المؤمنين؟
الشهادات الثلاث خطاب مع الله لا كلام آدمي
فقط من باب «ختامه مسك» أذكر هذا المطلب: لاحظ بعض صيغ التشهد الواردة: «لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك»، الخطاب هنا مع من؟ مع الله. «وأشهدك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك». وكذلك: «وأشهدك أن محمداً عبدك ورسولك» صلى الله عليه وآله. الخطاب هنا أيضاً مع الله.
فإذا قلت: «وأشهدك أن علياً وأولاده المعصومين حججك وخلفائك الذين نصبتهم على عبادك»، فهذا اللفظ موجود في إحدى زيارات النبي، وهنا التشهد بالشهادة الثالثة خطاب وتصريح مع الله، فمن أين يأتي احتمال أنه كلام آدمي بآدمي ومبطل للصلاة؟!