47/08/22
الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص/ عالم الحديث ووجوب الفحص ونظرية المعرفة
الاعتبار الاجمالي لكل الظنون النقلية عند الشارع
إجمالاً، يُستفاد من الروايات المتواترة الواردة في إطلاق «العلم» على المنظومة النقلية، اعتبار الشارع الإجمالي لكون الظنون النقلية ظنوناً معتبرة.
وقد يسأل سائل: ما الفرق بين هذه النتيجة ودليل الانسداد؟
الفرق هو أن هذه الدلالة المتواترة المستفيضة على منجزية الظنون النقلية مفادها المقدار الذي يُستفاد منه إذا أورث الاطمئنان؛ والاطمئنان فوق الوثوق، بل فوق الظن النوعي. وهذا بخلاف نظرية الانسداد التي يُعوّل البناء عليها على الظن ولو كان ظناً نوعياً. هذا هو الفرق إجمالاً.
وبعد وضوح أن المكلف ملزم بالفحص وأن الاحتمال منجّز له، نستطيع أن نقول إن هذا الدليل الأخير -أي دليل منجزية الظنون النقلية- يعني تنجيز الطرق المرتبطة بالنقل، بينما الوجه العقلي الذي مرّ قبله كان يعني منجزية نفس الأحكام الواقعية وما شابهها بمجرد الاحتمال والظن، وهذا أيضاً فرق بين الوجهين الأخير وما قبل الأخير.
الشبهات ونظرية المعرفة في التراث من مسؤولية ووصاية الوحي
على أي تقدير، نحن ملزمون بالتراث النقلي ولا يصح التفريط فيه؛ لأن كل عنصر فيه مهما ضؤلت درجة الاحتمال والكاشفية فيه، إلا أنه بالانضمام يشكل جزءاً من مواد الاطمئنان. أو بتعبير المحقق الشيخ آغا بوزرك الطهراني: قد يشكّل مادة للتواتر، أو مادة للاستفاضة، أو مادة للضرورة؛ وكيف يفرّط في مواد الضرورة؟
فالتفريط في كتب الحديث أو تراث الحديث -مهما ضؤل أي حديث- هو عبارة عن هدم باب العلم وإبادة للعلم. إنه مشروع خطير جداً ولا بد من الالتفات إليه. فكما أن إحراق مكتبة يعتبر تجنياً على الدين ومصادر الدين، كذلك التفريط في الاكتراث بأي كتاب من كتب التراث في أي علم من علوم الدين.
نحن لا ندعو للمبالغة فيه؛ فالمبالغة شيء، وتقدير كل ظن بقدره وبحسبه أمر آخر، لا نغالي ولا نفرّط؛ فكلاهما على غير الموازين العلمية، ولكن أصل الاكتراث شيء مهم وضروري.
وهذه هي نظرية المعرفة في الدين كله، وليست خاصة -كما يُتخيّل- بفقه الفروع، بل تشمل علم الكلام وعلم التفسير وعلوم الدين كافة. وهناك شبهات لدى العلمانيين -حتى من المسلمين أو المؤمنين- حول مساحة اليقين ومساحة الضروري، والحداثويات والمتغير والثابت، ولكن نؤجل الحديث عنها إلى بحوث القطع. إجمالاً، هذه هي نظرية المعرفة في التراث.
مقدار الفحص الوجداني أو الاطمئنان المقيد أو كفاية الظن
المهم هو البحث الآخر في وجوب الفحص: ما هو مقدار الفحص؟ هناك أقوال متعددة لدى الأعلام:
1. القول الأول: لابد أن يكون الفحص بدرجة العلم الوجداني بعدم وجود الدليل (أو المخصص أو المقيد)، بل عدم وجود أصل الدليل قبل الوقوف على العموم أو الإطلاق. وقد قالوا إن هذا القول صعب المنال؛ إذ يصعب أن نعلم وجداناً في كل مسألة، لأنه يحتاج إلى أعمار، وهو ممتنع المنال.
2. القول الثاني: يكفي الاطمئنان بعدم الوجود، وهذا الاطمئنان مقيد بالمظان المناسبة للمسألة (وليس الاطمئنان بقول مطلق).
3. القول الثالث: يكفي مطلق الظن بعدم وجوب الفحص. والمعروف لدى الأعلام أن القول الثالث لا دليل على حجيته؛ فهذا الظن ليس له اعتبار يخرجنا من منجزية الاحتمال والأدلة الدالة على وجوب الفحص.
فبقي الاطمئنان، وهو حجة عرفية وما شابه ذلك.
آليه وجوب الفحص في علم الحديث وتبويب الاحاديث
إلا أن الكلام يقع في تعبير الأعلام بـ "المظان المناسبة"؛ فمن الذي يخلق هذه المظان؟
بالدقة، هذا البحث في الفحص هو "نظرية معرفة" في العلوم الدينية، وآلية هذا الفحص هي "علم الحديث"، أي تبويب الأحاديث وتنظيمها. وعلم الحديث هو عبارة عن نوع من التضلع والتبحر في تبويب الأحاديث، وهو للأسف ضعيف جداً الآن في الحوزات العلمية.
قد ترى أكابر أصحاب الفتيا، ولكنهم في علم الحديث -مع احترامنا العظيم- ليسوا بتلك المكانة من التبحر أو التضلع. لقد شاهدنا الكثير من الكبار في علوم دينية عديدة (فقه، أصول، وغيرها)، ولكنهم في الرجوع إلى الحديث يحتاجون إلى الاستعانة بمتخصصين؛ فعلم الحديث نوع من المهارة والفن الخاص.
نظرية المعرفة الدينية والاستنباط في التبويب لعلم الحديث
هذا الفحص كما مر بنا مراراً في مبحث وجوب الفحص هو عبارة عن "نظرية المعرفة الدينية" العصرية، وكثير من هيكلة نظرية المعرفة أثيرت إجمالاً في هذا البحث.
وهذا الفحص بلا شك آليته الأداة هي "علم الحديث" والتبويب، والتبويب فيه بحث طويل عريض. ولا نفرط في القول إذا قلنا إن زرافات من العلماء يقلدون صاحب الوسائل في هذه الخطوة من الاستنباط (أي كتابه الوسائل). إنه تقليد صراحةً في هذه الخطوة.
كما أن من كان يرجع إلى الكتب الأربعة قبل الوسائل، كان يقلد الشيخ الطوسي في "الاستبصار" و"التهذيب"، والصدوق في "الفقيه"، والكليني في "الكافي" في علم الحديث وفي هذه الخطوة.
أهمية الممارسة في ابواب الحديث وفي فقه معاني الحديث
أما الكتب الأخرى -كأمالي الطوسي، وأمالي الصدوق، وأمالي المفيد، وأمالي المرتضى- فهي غير مبوبة، والحديث الواحد فيها قد يحتوي مسائل من أبواب عديدة. فكيف للمراجع أن يفحص فيها؟
دققوا في عبارة الأعلام (كالخوئي والنائيني وغيرهم) حين قالوا: "الفحص في المظان المناسبة". أين هي المظان المناسبة في كتب الأمالي؟ لابد أن تقرأها من الأول للآخر، أو تقوم بتبويبها أنت، أو تستعين بالبحث الإلكتروني في الألفاظ المناسبة على الأقل.
بعبارة أخرى: ما جمعه صاحب الوسائل من روايات في أبواب هو اجتهاد منه (اجتهاد لفظي واجتهاد معنوي بلحاظ فقه الحديث).
غفلة صاحب الوسائل عن روايات متواترة عند الفريقين
ولكن هناك أحاديث متواترة نسيها صاحب الوسائل أو غفل عن إيرادها في أبوابها المناسبة، ومنها روايات عقائدية متواترة في أصول الدين، وصاحب الوسائل ليس معصوماً؛ فتبويب الأحاديث شيء خطير.
على سبيل المثال: قضية أن "الولاية أعظم من الصلاة" وأعظم شيء في الدين. لقد جمع صاحب الوسائل ما قدر عليه في أبواب العبادات -شكر الله سعيه- ولكن فاتته ولم يتنبه لطائفة متواترة عند الفريقين تدل على أن الولاية هي الحب في الله والبغض في الله، وأنها أعظم من كل شيء في الدين. بل ورد في أحاديث قدسية أن الصلاة والزكاة ليستا بشيء أمام الحب في الله والبغض في الله (صلاة النبي موسى كما في الحديث القدسي).
هذا المعنى المتواتر نسيه صاحب الوسائل، مع أن ذهنيته العقلية في علم الكلام عجيبة غريبة. ولو ألف "وسائل" في العقائد لكان شيئاً عظيماً، مع أنه ألف "الفصول المهمة في أصول الأئمة" الذي يضم دورة عقائدية ممتازة في مجلده الأول (ثلثاه دورة كاملة من التوحيد إلى المعاد بقوالب مستفيضة ومتواترة)، ولم يكتب فيها كلمة من نفسه. ويا ليت يطبع هذا الجزء مستقلاً.
الروايات المستفيضة والمتواترة وغفلة الاعلام في ابواب الحديت
فمن يأتي ويبحث ويقول: "هذه هي الأدلة التي جمعها صاحب الوسائل فقط"، نقول له: من قال لك ذلك؟ هي أدلة مستفيضة جمعها، ولكن من حصرها في هذه الطائفة؟ إذا بحثت سترى العجائب مما غفل عنه المشهور، حتى في العقائد فضلاً عن الفروع.
وفي "شرح العروة"، الذي طبع منه ربما عشرون مجلداً، شاهدنا قواعد كثيرة مُسلَّمة عند القدماء، بينما يدعي متأخرو الأعصار الإجماع عليها (والإجماع المنقول غير مقبول والحاصل غير محصل)، فينتهي بهم الأمر إلى الاحتياط الوجوبي أو الاستحبابي لعدم العثور على نص. ولكن بشيء من التدبر والتمعن في الفحص، وجدنا روايات مستفيضة غفل عنها متأخرو الأعصار، ولم يدرجها صاحب الوسائل في الباب المناسب، بل وضعها مثلاً في باب الإرث أو النسب مع أنها مرتبطة بالنكاح (مع أن الإرث قائم على النسب).
فمن الذي خلق هذه "المناسبة" التي يعبر عنها الأعلام؟ إنه اجتهاد صاحب الوسائل أو الفيض الكاشاني أو المجلسي. وهذا لا يعني أن اجتهادهم سديد وشامل ومحيط أبداً. كما أن الشيخ الطوسي استدرك كثيراً على الصدوق، والصدوق استدرك على الكليني، وهذا هو الصحيح.
وبالنسبة لكتابي "التهذيب" و"الاستبصار"، فأنا أعتبرهما أمتن وأضبط من "الكافي" و"الفقيه" -خلافاً للمشهور- لأن الشيخ الطوسي لا يجتهد في النسخ، بل يأتي بالنسخ كما هي، بينما الكليني يجتهد وينتقي ما هو أصح عنده، وقد يرى الباحث أن ما رجحه الكليني مرجوح.
البحث عن الالفاظ المتقاربة وعن منظومة في تراث الحديث
هذه كلها شجون وهموم علم الحديث التي لا يفطن إليها كثير من الأعلام صراحةً إذا لم يكن لديهم تمرس. التبحر في علم الحديث هو لب لباب الاجتهاد وخطوة مصيرية فيه.
ولا سيما أن الفحص ليس فحصاً عن ألفاظ فقط، قد تكون ألفاظاً مرادفة أو مقاربة، أو بتعبير المحقق الكومباني في نهاية الدراية "العنوان المشير". وهذا يعتمد على حذاقة الفقيه أو المتكلم.
وإذا كان البحث الخوارزمي الشبكي في الألفاظ معقداً، فكيف بالبحث في شبكة المعاني وبطون البطون؟
واللهِ وتاللهِ، هناك متواترات معنوية ونظرية في التراث لم يكتشفها كل العلماء إلى يومنا هذا، وتحتاج إلى شخص حاذق في الاستنباط ليلتفت إليها. التواتر المعنوي ليس المعنى الاستعمالي أو التفهيمي، بل قد يكون المعنى الجدي الثاني أو الثالث.
القصور في التتبع في الاحاديث وأمثال جملة من المسائل
على سبيل المثال، المحقق التستري صاحب "قاموس الرجال" -وهو "كاروفة" تتبع- أنكر وجود سند لحديث «نزلونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم» في كتابه "الأوائل"، بينما وجدنا لها قرابة اثني عشر طريقاً عند الفحص في "بصائر الدرجات" و"الكافي" بألفاظ متعددة.
ومثال آخر ذكرته مراراً: مسألة "من زنى بذات بعل حرمت عليه مؤبداً". قال متأخرو الأعصار إنه لا توجد رواية وإنما هو إجماع (منقول غير مقبول..)، وانتهوا للاحتياط.
بينما بالتتبع في كتاب الحدود (وليس النكاح فقط)، وجدنا ثلاثة عشر من القدماء عنونوا المسألة ولديهم دليل ناصع واضح على الحرمة الأبدية، أشار إليه الفقه الراوندي في آيات الأحكام. وهو لفتة لغوية غفل عنها المتأخرون: أن لفظ "نكح" و"زنى" في أصل اللغة يعني الوطأ.
فقوله تعالى: «وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم»، و«وَمَا نَكَحَ أَوْلَادُكُمْ»؛ "ناكحها" يعني وطأها، سواء بشبهة أو زنا أو عقد (بحلية أو غير حلية). فالنكاح أعم من العقد، ويطلق على العقد لأنه مقدمة للوطأ (إطلاق المسبب على السبب).
التتبع و الفحص عبر كتب القدماء والتمرس في علم الحديث
التتبع يعني في وجوه الاستدلال أيضاً، وهذا باب آخر. لذلك أوصى العلامة الحلي ابنه فخر المحققين، وكذلك كاشف اللثام في وصيته الممتازة: "إياك أن تتسرع في الاستنباط من دون أن تراجع جهود الآخرين"؛ فقد يثيرون أشياء لا تلتفت إليها ولو قضيت عمرك كله. "أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله".
ومن المؤسف أن البعض الآن لا يفتح كتاب "الجواهر" أو "كاشف اللثام" أو "مسالك الأفهام" أو كتب العلامة، بل يستهزئ بـ "المبسوط" ويقول "هذا زينة"! والحال أن "المبسوط" مليء بالدرر والوجوه الصناعية العظيمة، وحتى مباحث عقائدية بلغة فقهية عجيبة.
فهذه الكتب مخزون جهود، ولا أقل من مطالعة سريعة، لا سيما مع وجود الموسوعات الإلكترونية. فقضية المظان المناسبة فيها دهليز و"ثقب أسود" لا يعلم منتهاه إلا الله.
التقطيع في الاحاديث والروايات و إختلاف الظهور
وقد يقع البعض في آفة "تقطيع الحديث". فمثلاً، يقال إن هناك اثني عشر حديثاً صحيحاً (صحيح أعلائي) تدل على عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة. وهذا أثار وسوسة حتى عند الفيض الكاشاني، فرد صاحب الجواهر مكفراً لمن يقول بانفعال القليل (مبالغة منه رحمه الله) لأن أستاذه بحر العلوم يقول بوجود 300 حديث دال على الانفعال، فكيف يتركها لأجل 12 حديثاً؟
عند مراجعة هذه الأحاديث الـ 12 في "تهذيب" الشيخ الطوسي، نجد أن مشكلتها ليست في سندها، بل في تقطيع الكليني والكافي لها. فالكليني قطعها، والتقطيع قلب الظهور رأساً على عقب، فظن المراجع أنها تدل على عدم الانفعال، ولو قرئت بتمامها لظهر عكس ذلك.
الروايات الدالة على طهارة أهل الكتاب و التتبع في الحديث
وكذلك الأمر في الروايات التي ادُعي أنها دالة على طهارة أهل الكتاب. عند مراجعتها ومراجعة متونها الأصلية في "التهذيب" وغيره، وجدنا أنها -بالمتون التامة- أدل على نجاسة أهل الكتاب من أدلة النجاسة نفسها. فالمشكلة في التقطيع.
والأمر ينسحب على مسائل كثيرة، كالشهادة الثالثة في الأذان. الشهيد الثاني (رحمه الله) -مع أنه عظيم ومشهور السعي- لكنه غفل عن كثير من الروايات في "شرح اللمعة"، وادعى أن القدماء مجمعون على أنها ليست جزءاً ولا مستحبة. وهذا استظهار خاطئ، بل هو استظهار "عاطِل" عن التتبع.
فإن التتبع يكشف أن عشرات القدماء أفتوا بالاستحباب، بل وبالوجوب.
فالاحتراف في علم الحديث طفرة استنباطية، وهناك شبكة من "تقدم وتأخر" في الأحاديث يغفل عنها المشهور. وكما قال السيد محمد الروحاني (رحمه الله): كبار رجالات الحوزة "مترجلون" في علم الحديث، وكان يجلّ من يراه متبحراً فيه إجلاله للمراجع، لأن علم الحديث علم خطير وفيه فنون الاستنباط.