47/08/20
الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص/ اعتبار منظومة النقل لا الظنون الخاصة
الامضاء الاجمالي لمنظومة طرق النقل عند الشارع
مر بنا أن هناك إمضاءً - نسميه إجمالياً - من الشارع، أو تأكيداً على طرق النقل. وطبعاً المراد من "الطرق" ليس مراد الصدور فقط، بل المراد به كل ما يرتبط بالنقل؛ ليصل هذا الوحي بالتالي إلى عامة المكلفين بتوسط النقل.
وهذا يعطي أن الشارع يُوَلِّد العلم، وربما هذا وفاقاً للقدماء وخلافاً لمتأخري الأعصار؛ فالشارع أطلق على الطرق النقلية علماً، كما مر بنا في روايات الكافي - وإن لم نقرأها سنقرأها إن شاء الله - حيث أطلق عليه العلم بشؤونه وشجونه المختلفة.
العلم عند الشارع من منظومة نقل المعلومات
فيما يعنيه إطلاق الشارع عليه "العلم" أمور عديدة جداً، واعتبارات كثيرة متعددة، وضعية وتكليفية. أحدها - وأكثرها تشخيصاً - أن العلم العرفي، أو الاطمئنان، الحاصل من منظومة النقل لا يفنّده الشارع ولا يخطّئه، سواء حصل من ألفاظ النقل، أو حصل من بحور معاني النقل، بموازين طبعاً.
لذلك، إطلاق الشارع لفظ "العلم" في قوله: "اكتبوا العلم"، "انقلوا العلم"، "ورّثوا العلم"؛ يطلق دائماً العلم عليه. وواضح أن الإطلاق ليس بلحاظ الآحاد، بل بلحاظ المجموع والمنظومة؛ فيجب عليكم التعلم، وتعليم الأجيال الآخرين.
إعتبار الخبر الواحد ضمني أدلة منظومة النقل ومباحث الحجج
لاحظ ما مر بنا من أن الفقهاء والأصوليين استدلوا بهذه الأدلة تارة على حجية الصدور (خبر الواحد)، وبنفس الآيات والروايات استدلوا على حجية الفتوى، وفي موضع ثالث استدلوا بنفس الآيات والروايات على وجوب التعلم.
هل هذا تناقض؟ لا، ليس تناقضاً. إن هذه "المنظومة" من نقل المعلومات تشبه - من باب المثال - النقل السيبراني (الإلكتروني)؛ فالحاسوب صحيح، والشبكة صحيحة، والراوتر صحيح، والبرامج التي تدخل صحيحة - إجمالاً، وإن جاء استثناء لبرنامج معين -. فمعنى اعتماد العقلاء لطرق النقل الإلكتروني هو اعتمادها كمنظومة إجمالية.
وكذلك في النقل، الشارع اعتبر واعتمد منظومة النقل. ومعنى اعتمادها صدوراً، ودلالةً، وفهماً، وجمعاً، وتدويناً، وكتابةً؛ هو اعتبارها كمنظومة إجمالية. ومقصودنا بالاعتبار الإجمالي هو ما يولد العلم العرفي - أي الاطمئنان - وليس العلم الدقي العقلي، وربما يكون مرتبة أعلى من الوثوق.
وهذا المفاد موجود عند كافة الأعلام الذين استدلوا بالآيات والروايات على حجية خبر الواحد؛ فعندهم أن الأدلة واردة أصالةً في هذا المجال: مجال تأسيس ضمانة وصول وإيصال الوحي عبر قنوات النقل. وباعتراف الجميع - حتى السيد الخوئي في جل الأدلة - أن الأدلة واردة أصالةً في منظومة النقل، وليس في خبر الواحد (الثقة أو العادل) فقط؛ فأساساً هي واردة في أن تراث الوحي يُحفظ بمنظومة النقل.
فالشارع في صدد بيان أن العلم العرفي المتولد من تراكمات هذه المنظومة مُعتد به عند الشارع أصالةً، وبهذا يُحفظ الوحي. وهذا هو المفاد الفوقي المهيمن الدستوري على كل مباحث الحجج، بعد العلم الإجمالي الكلامي - غير العلوم الإجمالية التي سبق الحديث عنها والتي منشأها الأدلة الكلامية -.
فالشارع في صدد إمضاء هذا "الظن المتاخم للعلم". وهذا هو معنى "الخبر العلمي" الذي يصر عليه الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، وابن إدريس، والحلبيون، والقدماء كلهم؛ فهم يقولون: نعتمد الخبر العلمي، لا الظن (خبر الآحاد بمفرده)، لأن الأدلة ليست في هذا الصدد، بل في صدد المنظومة.
الخوئي : العلوم اللغوية في التراث والاطمئنان الحاصل منها
لاحظ مثلاً السيد الخوئي وغيره ممن يُنسب إليه التشدد - وهو صورة تشدد، وواقعاً ليس تشدداً، بل تفريط في التراث مع احترامنا الكبير للأعلام، لكن البحث العلمي شيء آخر -.
الآن مثلاً العلوم اللغوية التي يستندون إليها في يومياتهم من يزعم أنهم متشددون في الأسانيد - وأنا حقيقةً أقول هذا تشدد صوري وليس حقيقياً، دقة صورية وليست دقة حقيقية في التراث -.
لنفترض الآن أننا نجاري الصورة ونقول إنهم متشددون؛ فماذا عن كلامكم في علوم اللغة؟ علم المفردات، النحو، الصرف، البلاغة، المعاني، البيان، الاشتقاق، نحت اللغة؛ فهي منقولة كلها بالمراسيل فماذا تقولون؟ هل تتركون هذا التراث اللغوي؟ أبداً، لا أحد يتوهم هذا الشيء، فتراث اللغة كله والمنظومة اللغوية، كلكم قبلتم - أجمعون أكتعون ولا مفر لكم وإلا تتركون الدين - بأن الاطمئنان الحاصل من القرائن المتراكمة في علوم اللغة حجة، وكلها مراسيل.
ضروريات الدين عند المسلمين وعلوم اللغة
للشيخ آغا بوزرك الطهراني (رحمه الله) تعبير في كتابه "النقد اللطيف" - وهو رجل صناعي، وكتابه هذا صناعة معقدة ثقيلة جداً في علوم القرآن وفي علم الأصول لمن يفهم هذه المباحث - يذكر أن ضروريات الدين عند المسلمين تنشأ من المراسيل.
أين أنت أيها الباحث؟ ضروريات الدين! وليس هذا فقط، بل حتى بالنسبة للأمم والملل الأخرى؛ لأن ضابطة التواتر (امتناع تواطؤهم على الكذب) تعتمد على عوامل عديدة: عامل كمي، عامل كيفي، وعامل حالي. وتزداد هذه العوامل لترتفع من التواتر إلى تواتر التواتر وتصير ضرورة، لأن الضرورة أكثر من التواتر.
إذن في علوم اللغة، لماذا لا نصارح أنفسنا صناعياً؟ كيف ثبتت الحجية؟ أنتم تستندون إليها في يوميات علم اللغة بلا مفر، في النحو والصرف والمفردات والمعاني والبيان، وكلها مراسيل. لا أحد يتفوه بـ "الصحيح من اللغة"، حتى "صحاح الجوهري" ليس كذلك، بل كل كتب اللغة باختلاف درجاتها - ولا أحد ينكر اختلاف الدرجات والقرائن بلا شك - لكن أن تفرط في كتاب من الكتب؟ هذا ليس من العقل ولا من التحرج في الدين.
وكذلك الحال في كتب الرجال؛ أين مصادركم في علم الرجال؟ سواء عند العامة أو الخاصة، أين مصادركم المسندة؟ لا يوجد، نقولات مرسلة. فكيف تقبلون النقولات؟ كيف تجعل قاضياً غير معلوم النسب يعين الأنساب؟! قاضي القضاة لنسبة الدين الصحيح من البحيح وهو القاضي نسبته غير معلومة لآبائه وأجداده! هذه مغالطة.
قد تقولون: "نحن عندنا يقين اليقين، يقين البقين بأن هذا متواتر"، ولكن أين التفاصيل؟ لا توجد، بل نعلم إجمالاً. هنا "العلم الإجمالي" يشد الظهر به! وفي التراث المسند المفصل المبوب أضعاف هذا علم الرجال منكم؛ فعلم الرجال بكتبه كلها - على فرض وجودها - لا تبلغ عُشر معشار كتب الحديث.
أنا لا أريد بيان الانفلات في علم الحديث، بل أريد القول: كيف "تجر الباء" هناك وتغمضون العين وتلفقونها وترقعونها بترقيع معين - وهذه طبعاً إشكالات السيد محمد الروحاني أستاذنا رحمة الله عليه وإشكالات الشيخ الأنصاري -؛ شلون ترقعونها هناك وهنا ترقعونها؟ أين تشددكم؟ أين الصناعة؟ إذا كانت هذه صناعة فلنفهمها، سواء في مستند علم الرجال أو علوم اللغة.
إعتبار المنظومة النقلية مقابل بقية منظومات الظنون في العلوم الدينية
إذن مبنى القدماء مبنى قويم؛ فالأدلة في صدد "منظومة" وتراكم بضابطة رياضية. أنت إذا فرطت في قصاصة، فأنت مفرط ولست صناعياً - ولا نقول بالغ في القصاصة، بل كل قصاصة لها درجتها ونسبتها المئوية -، لكن قم بمراكمتها بالانضمام والمنظومة.
الأدلة الواردة - كما في الوسائل الذي عقد 13 أو 14 باباً في المنظومة النقلية، جمعها من الكافي ومن كل كتب الحديث في "كتاب القضاء - أبواب صفات القاضي" - كلها في المنظومة النقلية. واعتمادهم في حجية خبر الواحد هو على هذه الروايات والآيات التي مفادها المطابقي "كل منظومة النقل"، وإلا فإن السيد الخوئي والميرزا النائيني يعترفون بأن أكثر الآيات لا تنهض بحجية خبر الواحد العادل إلا باللتي واللتيا.
لماذا هم وراء هذه المنظومة؟ الشارع في صدد مسارات لنظرية المعرفة، فقد اعتبر منظومة النقل صحيحة، بينما رفض منظومات أخرى، مثل منظومة العلوم الغريبة. فالشارع نهى عن الجزم المستند إلى السحر، والشعبذة، والتنجيم - وإن كان قسم وافر منه علماً حلالاً -، والرمل، وعلم الحروف، والجفر - وهي في الأصل علوم أنبياء، ولكن نادر من يعرفها -. فالشارع قال: أي ظن - فضلاً عن غير الظن - أو علم أو جزم يستند إلى هذه العلوم ليس بحجة وإن كانت حلالاً، فضلاً عن المحرمة كالسحر والكهانة والعرافة والشعبذة التي هي رياضات روحية محرمة وفيها كشوفات جنية وظلمانية. وقد اطلع عليها بعض المجتهدين والمحققين - كالشهيد الأول لعله - لكي يردوا عليهم ويدفعوا هذه العلوم لا ليمارسوها.
حجية القطع هو اليقين و القدرة العقلية المحدودة عند البشر
دققوا فيما مر بنا من كلام الأصوليين في بحث حجية القطع. القطع يعني الجزم، وقد يتجزم الواحد لأنه "جَزّام"، أي ليس له منشأ صحيح، كأن يقتنع بالعلمانية أو القومية أو العروبة، وهذا المنطق الرائج. اقتناعك على أي أسس وموازين؟
لذلك، القول بأن "حجية القطع ذاتية" - وهو تعبير ورد في مدرسة الوحيد البهبهاني إلى الشيخ الأنصاري - فيه مسامحة؛ فهم لا يريدون هذا المطلب، بل يريدون "منشأ القطع". فلابد أن يوزن منشأ القطع بميزان، وإلا هذا التجزم لا عبرة به. وعلى تعبيرهم: "من طيران الغراب أنا أقطع"، ثم ماذا؟ هذا هواء ولا يدل على شيء.
لذلك نبه الأعلام في "تنبيهات القطع" على أن "قطع القطاع" إذا كان منشأه غير سوي، فقطعه غير حجة، وقد صرحوا بذلك، مما يعني أنهم يلاحظون المنشأ لا القطع في نفسه.
المدار في حجية القطع منشأ الجزم عند الاعلام
المدار على منشأ القطع، فإن كان مقدمات برهانية يقينية مطابقة للواقع - والبرهان يعني المطابق للواقع، وكيفية ميزان المطابقة تبحث في صناعة البرهان ونظرية المعرفة - فهو الحجة.
كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معجز كلامه: «فَبِالْيَقِينِ أَقْطَعُ»، ولم يقل بالقطع أقطع، ولا بالظن، ولا بالاحتمال، ولا بالوسوسة، بل «بِالْيَقِينِ أَقْطَعُ». فالقطع لابد أن يكون مستنده اليقين.
إلغاء القياس في الاستنباط وفي فهم المعاني النقلية
القياس منظومة ثالثة نهى عنها الشارع. والقياس - وبغض النظر عن الفرق بين القياس الاقتراني والقياس المعهود المصطلح - كطريقة في فهم بحور معاني النقل، شطّب عليه الشارع وأغلقه.
العلوم النقلية يؤيدها الشارع نقلاً وتفهماً واستنباطاً، أما إدخال القياس في البين في مجال بحور المعاني في النقل فليس بحجة، لا يعتمد عليه بنفسه، ولا بالتراكم، ولا كمؤيد، ولا كمرجح، ولا كمضعّف.
فكأنما هو مثل الرياء، فكما أن الرياء في العبادات منبوذ وحرام ومن الكبائر، فإن القياس في باب الاستنباط "مرض سرطاني" يعتبره الشارع. وقد وردت مئات الروايات في النهي عن القياس، مع أنه طريقة في الاستنباط والتظني، لكن الشارع قال: إياك أن تخرب أو تفسد الاستنباط والفقه والعلوم الدينية بالقياس، فهو عدوى وباء يجب إبعاده.
الإعتبار بالعلم والعقل الجمعي أو المنفرد عند الشارع
هناك منظومة رابعة نهى عنها الشارع بتفصيل، وهي "العقل المنفرد البشري". صورته صورة قطع، لكنه ليس بقطع ولا يقين. الشارع لم ينهَ عن العقل مطلقاً، بل نهى عن استبداد العاقل بعقله وبقدرته العقلية، وقال بـ "العقل الجمعي" و"العلم الجمعي"، بل العكوف على الوحي.
كما يذكر الميرزا النائيني في كتابه "تنزيه الملة" بأنه لا بديل عن عصمة المعصوم، ولكن لو صح القول ببديل - من باب ما لا يدرك كله لا يترك جله - فالبديل هو "العلم الجمعي والعقل الجمعي" وهو الصحيح.
وبتعبير لطيف عند السيد الخوئي عن أستاذه البلاغي (رحمهما الله): أن الفلاسفة الذين يدّعون البراهين في المعارف، كيف يختلفون؟ المشاء فيما بينهم، والإشراق فيما بينهم، والمتعالية فيما بينهم، والثلاثة فيما بينهم، ومع الفلاسفة الجدد أيضاً! مئات الاختلافات، فكيف يصير يقين وواقع في اختلاف؟ إذن هذه دعاوى صورية، صورته يقين وواقعه ظن، وأنتم تتعاملون معه معاملة القطع، وهذا غير صحيح.
محدودية والمشروطية حجية المكاشفات و العقل عند الشارع
إذن العقل حجة، ولكن متى؟ وكيف؟ وبأي مدى؟ العقل البشري العادي. وهذه نقطة جداً مهمة. فمسلك علماء الإمامية - لاسيما الأصوليون - لا هم ينسفون حجية العقل تبعاً للأئمة، ولا هم يفرطون ويغالون في العقل.
نعم، هناك مدرسة في داخل الحوزة العلمية تغالي في العقل - وهم ضد الفلسفة لكنهم يغالون في عقلهم - لأنه يجعل الميزان العقلي للتحكيم على التراث. وهذا الإفراط في العقل نوع من العلمانية، وللعلمانية صور متعددة.
فالعقل عند الأصوليين حجة، ولكن "تفرده" ليس بحجة، بل هو حجة انضمامية للوحي. العقل حجة بمعنى أنه "مُتعلِّم"، وأن الشارع يخاطب بلغة العقل، أما أن يتفرد العقل مطلقاً في العقائد فلا. كما قرأ الأخ عبارة الشيخ الأنصاري بأن القطع العقلي البشري في العقائد إذا أخطأ فصاحبه غير معذور، وقد يخلد في النار.
مثله كمثل من يريد إنشاء مدينة دون تعلم الفيزياء والكهرباء، فليست الحجية تعني أنك تولد معلّماً، بل أنت تتعلم وتأخذ تراث البشر، "أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله".
الكشف والفطرة والإدراكات القلبية حجية محدودة لا مطلقة
قسم خامس أيضاً هو "الكشف" والمكاشفات والوجدان القلبي والفطرة. أصل الوجدان والقلب والضمير حجة، وكلها كشف، لأن علمها ليس فكرياً بل "استشعاري باطني"، تستشعر الواقع، تنفر من الظلم وتنجذب للعدل، ويلائمها الكمال.
الكشف والفطرة والضمير بأسماء عديدة حجة، ولكن في دائرة محدودة كالعقل النظري الفكري، فلا يستغني به الإنسان عن الوحي. كشف الإنسان عن ضميره ووجدانه حجة، قال تعالى: «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا».
الكشف ليس "لا حجة" بالمطلق - فالذين يجربون الموت يرون حقائق وبراهين - بل هو حجة إجمالية، ولكن لا يستغنى بها عن الوحي. لكن ليس بحجة مطلقاً بحيث تغالي فيه وتقول "أنا نبي الأنبياء" كما غالى ابن عربي في نفسه، فهذا خطأ وباطل.
فإذن، بخلاف منظومات الظنون، فإن منظومة النقل اعتبرها الشارع لفظاً وفهماً (دون قياس). وهذا البحث هو "أم الحجج"، وسنواصل إن شاء الله في أحد أبحاث منظومة النقل وهو وجوب الفحص.